فضاءات لبنانية
بيروت ـ “القدس العربي” ـ من ناظم السيد: في ظل ظروف سياسية متأزمة وأوضاع أمنية غير مستتبة افتتح المسرحي العراقي جواد الأسدي مسرح بابل في شارع الحمراء الذي طالما استقطب مسارح ودور سينما ومقاهيَ ثقافية. الافتتاح الذي تأجل يوماً واحداً بسبب اغتيال النائب أنطوان غانم (تم الاغتيال في اليوم المقرر للافتتاح)، كان عبارة عن برنامج افتتاحي تمهيدي بعنوان (أماسٍ رمضانية). هكذا أطلت المطربة سمية بعلبكي في سهرتين قدّمت فيهما أغنيات لأسمهان وليلي مراد وأم كلثوم، إضافة إلي أغنيات خاصة من ألحان إيلي شويري وكلماته وأخري من لحن إلياس كرم وكمال قبيسي مع ثلاث أغنيات من تلحين زياد سحّاب الذي رافق المطربة في التحضير الموسيقي للأمسية. كما قدّمت الفنانة والصحافية سحر طه وفرقة عازفات عشتروت أمسية من التراثين العراقي واللبناني وخمس أغنيات من ألحانها إضافة إلي أغنية من ألحان رائد الأغنية العراقية محمد جواد.
يضم برنامج الأماسي سهرات أخري متنوعة مع نصير شمّة الذي يقدّم بعضاً من مؤلفاته الموسيقية القديمة والجديدة علي آلة العود. ويخص الشاعر والإعلامي زاهي وهبي المسرح بأمسية يقرأ فيها للشاعرة العراقية التي رحلت أخيراً نازك الملائكة وتشاركه غناء في الأمسية الفنانة الأردنية مكادي نحّاس. ويطل عازف العود اللبناني زياد الأحمدية في أمسية يقدّم فيها عزفاً يجمع بين التحديث والأسلوب الكلاسيكي. وتختم البرنامج الفنانة جاهدة وهبي بسهرة تغني فيها أغنيات من تراث الطرب العربي وتحيي العراق من خلال دجلة وبابل.
أما الافتتاح الرسمي الذي لم يُحدد بعد لمسرح بابل فسيكون من خلال مسرحية جواد الأسدي نساء الساكسفون التي اقتبسها عن برنار دا ألبا، كما سيكون هناك عمل مشترك بين الأسدي ومواطنه الفنان التشكيلي المعروف جبر علوان الذي يمضي هذه الأيام في بيروت حيث يقوم برسم لوحات كبيرة ستكون جزءاً بنيوياً من هذا العمل الذي لم تُكشف تفاصيله.
مهرجان عروض الشارع الرابع: دهشة ونوستالجيا للسنة الرابعة تنظم مؤسسة الموسم مهرجان عروض الشارع الذي يعمل علي استقطاب أعمال هامشية أو غريبة أو مثيرة للجدل، يكون الشارع وناسه جزءاً فاعلاً منه وليس منفعلاً فحسب. ذلك أن عروضاً كهذه ستظل غير موجودة وبلا هدف من دون إشراك الناس فيها، هؤلاء الناس الذين يحيونها عبر المشاهدة والمشاركة والتفاعل وأحياناً المساهمة في صناعة العمل الفني نفسه. لكن هذه العروض التي تستلهم أماكن مهجورة وماضيَ شوارع تشكل نوعاً من نوستالجيا لمدينة متغيرة باستمرار تدعي بيروت.
عرض Les Orbilys للفرقة المسرحية Qutre rue France للممثلين جان فرانسوا وجان بول جونيو. العرض عبارة عن كائنين طويلين غريبين سقطا من المريخ. كل كائن منهما له رأس كبيرة بعين واحدة. هكذا سارا الكائنان في شارع الحمراء وسط ازدحام الناس ودهشتهم وتحلقهم حولهما. وقفا أمام واجهات المحلات وأبوابها، مصدرين أصواتاً غريبة بشكلهما المخيف. حملا الأطفال، غزلا النساء، خطفا الجزادين منهن وعلقاها علي الشجر. البعض التقط لهما الصور. عرض جديد ومدهش ببساطته، دفع الكثيرين إلي الفضول، محققاً هدفه: تحريك الشارع الراكد رغم مجيء الناس ورواحهم اليوميين. العرض الآخر لنديم دعيبس بعنوان سكن كان عبارة عن تعليق غطاء أسود علي اسم مسرح بيروت في عين المريسة (أول كورنيش المنارة). المسرح نفسه الذي أداره المسرحي روجيه عسّاف، كان أغلق قبل سنوات وسط حسرة العديد من الشبان والشابات الذين كانوا يجدون فيه متنفساً لطموحاتهم ومكاناً لعرض أعمالهم. إذاً، عرض سكن كان عبارة عن تذكير بأيام هذا المسرح وتذكير بمستقبله أيضاً متنبئاً بتدميره. أما دعيبس فلم يفعل شيئاً سوي حمل كاميرا وتصوير الناس الذين كانوا يقتربون من بوابة المسرح المقفلة. هذا وشهدت شوارع أخري في بيروت نشاطات مشابهة منها كان هنا قرب مقهي الويمبي الثقافي (شارع الحمراء) الذي أغلق بعدما تحوّل مقهي المودكا الشهير المقابل له إلي محل لبيع الثياب والأحذية، نحنا الناس الذي أقيم تحت جسر البربير، لباس العيد الذي أقيم قرب مقهي ستار بكس في شارع الحمراء وفي الأشرفية، و الحضرة المولوية الذي جري في شارع مار الياس. مرايا العابرات في المنام لجمانة حداد صدرت في دار النهار و الدار العربية للعلوم مجموعة شعرية جديدة للشاعرة اللبنانية جمانة حداد بعنوان مرايا العابرات في المنام، تنطلق من انتحار اثنتي عشرة شاعرة من اثني عشر بلداً باثنتي عشرة طريقة مختلفة (حبوب منوّمة، إطلاق نار، غرق، شنق، غاز، تحت عجلات قطار، قفز من شاهق، سمّ، مخدرات، قطع شرايين الرسغ، حريق، وكهرباء)، لتخترع لهؤلاء الشاعرات المنتحرات عوالمَ وميتات. تتقمّصهنّ وتتكلّم باسمهنّ تارةً، وتخاطبهنّ طوراً، ثم تروح تنقّب في فلسفة عيشهنّ، وتعرّي أساليب انتحارهنّ وطقوسها، مقدِّمةً تفسيرات وجودية وتخييلية لها، بناء علي مثلّث الدين والعلم والأدب. كذلك حقّقت جمانة حداد فيلماً قصيراً من كتابتها وإخراجها حول الموضوع نفسه، إلي جانب 12 كولاجاً، يتمحور كلّ واحدٍ منها حول إحدي الشاعرات الاثنتي عشرة. وجاء في كلمة الناشر في تقديمه الكتاب علي الغلاف الخلفي: هذه مجموعة كابوسية، عنيفة، صادمة، شرسة، فظّة، وفاجرة. لماذا؟ لأنها تذهب إلي الموت بقصد الزواج به والإنجاب منه. أما الهدف، ولا هدف، فتكثير نسله في الشعر. طريقتها: وجهاً إلي وجه، حتي الاستيلاء علي المرايا الخلفية للمنام، والحصول علي تعاويذ هذا الموت. تغويه حيناً، تنشب براثنها في صدره أحياناً، وقد تداعبه حيناً وأحياناً، لكنها فجأةً، وفي المرّات كلّها، تقتلع فؤاده. في الغَزَل كما في البطش، في الغدر كما في المواجهة، لا تهادن، لا تساير، ولا خصوصاً تهاب، أو تتراجع. تأتي الموتَ من فوق، وتعقد ميثاقاً ساديّاً معه. وهنا وقاحة هذه النصوص وجحيميتها. بل وشعريتها. هي بذلك تتكامل، من ضفّة الشعر، مع أنطولوجيا الشعراء المنتحرين التي سبق للشاعرة إصدارها في أيار (مايو) 2007 ( سيجيء الموت وستكون له عيناك، 150 شاعراً انتحروا في القرن العشرين). لجأت حداد في عملها الجديد إلي 12 مصدراً مختلفاً قوامها الكلمات (مسرحية، رواية، كلمات أغنية، ملحمة، قصيدة، انترنت، sms، معادلة علمية، مقالة صحافية، سيناريو، نصّ إعلان تلفزيوني، قاموس)، كما إلي 12 مصدراً مختلفاً قوامها المشهد (لوحة، صورة، فيديو، تجهيز، بوستر، قصاصة جريدة، شاشة كومبيوتر، منحوتة، لقطة من فيلم، لافتة إعلانية، رسم بياني طبي، شريط مصوّر)، وافتتحت كل مرآة من مرايا شاعراتها، أو أميراتها، مثلما تسمّيهنّ، بتقديم الإشارة والإلماع اللذين يتلاءمان، مضموناً ومنظراً، مع تيمة القصيدة، ويحيلان في الآن نفسه إلي عنصرٍ من عناصر مرجعياتها الأدبية والفنية والثقافية، أكانت هذه المرجعيات انتقائية، كالملاحم والمسرحيات والمنحوتات مثلاً، أم يومية، علي غرار التشاتينغ والأغنيات والإعلانات. كذلك يحفل الكتاب باستشهادات عديدة من أعمال وأسماء أدبية كيانية في خلفية الشاعرة الأدبية والشـعرية، من بورخيس وبودلير وكوكتو وشار وألويار، إلي كاواباتا وشكسبير وساد وهوميروس، مروراً بفلوبير ونيتشه وتولستوي والكتاب المقدّس، إلي آخره…