أمامك ثلاث طرق للوصول إلى الحقيقة

حجم الخط
0

الآن أعرف، بعد سماعي لثلاثة معلّقين أعطى التلفزيون عشرين دقيقة لكل منهم، أنني لم أزدد علماً. مع أنهم، هم الثلاثة، أفاضوا في الدفاع، كل من جهته، عن وجهات نظر أعرفها. وأنا، على الرغم من اختلافهم، لم يتزعزع شيء مما كنت أعتقده. أقصد أنّي كنت قد كوّنت رأيي الخاص عن كل ما يتعلّق بهذه الحرب، ولم تدفعني آراء الرجال الثلاثة إلى أن أعدّل شيئا فيه.
وهذا الرأي الخاص ليس ميزة لي، طالما أن لكل واحد من الجميع رأيه الخاص هو أيضا. أعني الكتل الكبيرة، الحزبية أو الأهلية، تلك التي أرى جموعها على التلفزيون، بالآلاف، يعلّون أصواتهم هاتفين برأيهم الخاص. هذا رأي خاص كبير ومحكم، أما في ما يتعلّق بي فأعرف أن رأيي الخاص صغير، بل ضئيل، بل ومتذبذب، لأني لن أستطيع الدفاع عنه، كما فعل أولئك الثلاثة في ذاك البرنامج، على الأقل لن أستطيع أن أكون فصيحا مثلهم. يعيقني عن ذلك تردّدي وتلعثمي لأنني، فيما أهمّ بقول ما سأقوله يطلع في رأسي، وأنا لم أنته من قوله بعد، ما يناقضه ويطعن به. بل إنني، إرضاء لنفسي، رحت، وأنا أستمع إلى السجالات على التلفزيون، أؤيّد وجهة نظر المتلعثمين إزاء خصومهم الفصحاء ذرِبي اللسان، وعاليْ النبرة. أعرف ذلك لأنني، في فترة سبقت من حياتي، كنت فصيحا. قال لي الرفيق المسؤول في أيام الجامعة أنني أحسنت في ما قلته أمام العميد، بل إنني فيما كنت أدلي بدلوي، كنت مفتخرا بنفسي، بل متحمّسا. وقد كوفئت من الزملاء الواقفين حولي وحول العميد بأن راح هؤلاء، مرّتين على الأقل، يعلون تصفيقهم ترافقا مع إعلائي لصوتي ونبرتي. الآن أعرف أن ما قلته آنذاك كان غلطا وخطأً. لا مجال للدخول هنا في تفصيل ذلك، فالمهم هو أنني، إذ أعود إلى تذكّر تلك الأيام، أتخيّل كما لو أن لساني كان آنذاك حرا في التصرّف بما يزيد عن الحدّ. أما الآن فإن شيئا يحدث قبل نطقي بالجملة، أو حتى الكلمة، فأكون، فيما أتكلّم، كأني أتهيأ لأعبر من فوق عوائق تعترض طريقي.
وإذ أجيء إلى إيماني القليل بما أعتقده، ذاك الذي لم يفلح الرجال الثلاثة في تعزيزه، أقول إنه لم يعد من مجال لي لأركن إلى حقيقة قويّة. في أحيان أظنّ أن الحقيقة موجودة، لا بدّ أنها موجودة، لكن الوصول إليها صعب طالما أن الرجال الثلاثة أثبتوا أن هناك ثلاثة طرق متخالفة ومتعارضة للوصول إليها.
لا أقصد الحقيقة المطلقة، تلك التي تحوّلت إلى أن تكون موضوعا فلسفيا، بل الحقيقة هي أن نحظى بأجوبة عن أسئلة عادية مثل: هل ستشتعل الحرب على جبهتنا اللبنانية؟ فرغم الساعات الطويلة التي قضيتها أمام التلفزيون، وتلك التي قضيتها أقرأ على الكومبيوتر ما تكتبه الجرائد، ورغم متابعتي للفلاشات السريعة التي تبث الأخبار العاجلة، ما زلت في حاجة إلى من يبلغني بما يجري. أعني أني في حاجة إلى أن أسمع كلاما مفيدا، أن أسمع الكلام الآخر الذي يقول شيئا لا يقوله الإعلام. الكلام الذي يتفق الناس على أنه من النوع السريّ، ذاك الذي ينقل أخبارا عن أشياء تجري في الخفاء، هذا الذي، إن أتيح لأحدنا سماع بعض من مجرياته، ستنقلب في رأسه رواية الحرب التي كوّنها له الإعلام المتاح، رأسا على عقب، لذلك ركّزت نظري وسمعي على الشاشة أمامي، حين رأيت صورة الأمين العام السابق للأمن العام وهو ينتظر سماع السؤال الأول من المذيعة. هذا ما كنت أنتظره، بالنظر إلى أن الرجل جاء ليُسأل ما لا يُسأل عنه في العادة. وهو سيجيب ذاكرا معلومات عن لقاءات ذات طبيعة غير علنية، أي عن وقائع ولقاءات تجري وراء الكواليس. وسيسمعنا الرجل إجابات سريعة وقصيرة مثل: هل سيعلن السيد حسن نصرالله الدخول في الحرب، نعم أو لا؟ أو، وهذا سؤال آخر: هل ذهبتَ إلى إيطاليا للمفاوضة، نعم أو لا؟ في أي مرحلة حاسمة صارت المفاوضات بشأن الأسرى؟
هذا ما أحب أن أسمعه: نعم أو لا، وإلا سأظل أشعر بأن عالم السياسة الحقيقية يجري في الخفاء وراء الكواليس، فيما المذيعون وناقلو الأخبار يسترقون السمع من وراء الباب المقفل ليقولوا لنا إنهم سمعوا، من وراء الباب المقفل، أن المندوب الأوروبي يغيّر لهجته.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية