أمام الاسرائيلي في الحلم علي مدخل باب الطائرة

حجم الخط
0

عناية جابر

غير راغبة في الاستغراق في احوال البلد، وتجتذبني فكرة السفر. ساهمة ألقيت نظرة علي خبر يمر سريعا اسفل شاشة التلفزيون، ثم متنبهة، ثم واجمة. خبر ذو أثر تخديري اتي فعله سريعا، وسري فيّ احساس غربة وعزلة وضيق تنفس وحصار. من غير الجائز ان يعاينني اسرائيلي ـ علي ما يقول الخبر ـ ويكون هبوط الطائرة الزاميا في مطار عمان، وسفري مع سواي عرضة للمساءلة والتفتيش علي ما يقول الناس هنا، والتقاط الصور (فاس وبروفيل) مع الاستعانة ربما، بالكلاب البوليسية.

اذن ماذا تراني فاعلة؟ سألت نفسي فيما كنت أدلف الي النوم، ماذا بوسعي ان أفعل. لقد اصبحت خياراتي التي اجدني امامها منذ هذه الحرب اللعينة، تقتصر علي الاختيار بين السيء والأسوأ. الآن، وجود الأعين الاسرائيلية المدققة في مطار الاردن تتربص بالمسافرين اللبنانيين في رواحهم وإيابهم يمنحني نظرة أشد نفاذا الي داخلي. ثم استنادا الي تلميحات مسؤولين سوريين، فان دمشق ايضا تغلق حدودها في وجهنا. من شأني الآن الاستمتاع بأكثر خططي حميمية من أجل سفر آمن لا يعيقه لا الاسرائيلي ولا السوري، ومن المستحسن هنا ان لا أؤمن جانب اي جهة بعد الآن، وأن يكون ميلي النهائي نحو الجانب الحذر من الحياة، الجانب المعتم ويراودني بقوة الآن، أشد اغواء من اي وقت ولا يقاوم، وهو السفر بالبحر، المشي علي الماء ان امكن، وأبحث في الفكرة مع الانبياء والقديسين لكي لا اعطل علي احدهم اعجوبته.

وجدتني واقفة في الحلم أمام الاسرائيلي علي مدخل باب الطائرة. تجنبت النظر الي عينيه فيما يطرح عليَّ اسئلة. اسئلة متفاوتة الغرض وبعضها تافه تماما، سوي انني آثرت عدم الرد علي اي سؤال وفي نيتي ان أفهمه مع من يتكلم!! سألني اخيرا عن احوال الطقس عندنا، قلت لا بأس فهذا سؤال مناخي واجبته بأننا في شهر آب.. فماذا تتوقع أيها الذكي؟

؟ غير انني عدت وندمت علي ردي.

الطائرة علي وشك إقفال ابوابها فيما يتلكأ غير عابئ بنفاد صبري. كان ينظر إلي ويتلأمن. انا ايضا تلأمنت عليه واستعنت بكل ما لدي من تجارب علي صعيد اللأمنة، وهي تجارب لا يستهان بها، ورحت الآن أنظر مباشرة في عينيه، حين بدا الحلم، لا يريد ان ينتهي.

اعتقد أنني احب السفر اكثر من اي شيء آخر. لا اعتقد بل أوقن. فكرة الحصار هذه، وبسبب من الكبرياء المقيت، فكرة ملعونة، ناجحة ودقيقة مئة بالمئة. ليست المدن ما افتقد الآن، ليس السفر. افتقد روحي التي ما عادت روحاً، صارت ممسحة للرايح والجاي. تلك اللعنة الرخوة التي تدعي الروح والتي افسدت علي حياتي.

هذه هي المرة الاولي ربما، التي اجد فيها نفسي مُحاصرة بمثل وفرة هذا الحصار. يبدو حصارا مسرفا ومبالغاً، شأن الوفرة التي لا طائل منها لبعض الاحاسيس العاطفية. شأن الشمس التي تبالغ في تذهيب الحقل فتحرقه. شأن جسدي هذا الذي يرتعد في رغبة السفر.

قلت للاسرائيلي في الحلم، وقد غدا غير اسرائيلي الآن، بل افريقيا ممشوقا مفتول العضلات، بأنني أسافر حتي لو اقتضي الأمر التعلق بذيل الطائرة، وبأن لا هو ولا سواه يحول بيني وبين السفر، بيني وبين النشوة الذهنية التي يوصلني اليها، وتبدو لا أخلاقية تقريبا.

في الأحلام يكون العدو عدوا فعلا، ونكون اقوي، اصدق وأكثر اصرارا علي رغباتنا. ما من اسرائيلي في الفجر الذي افقت فيه. ما من مطارات ولا طائرات، رغم ذلك بقيت رغبتي في السفر، وان تهس هسيساً كما لو نار خامدة في لحمي.

رحت اتطلع من نافذة غرفتي الي السماء الزرقاء المجهولة لكل غد خارج لبنان. احلام خيالية عن رحلتي المقبلة، رؤي حول مدن جديدة، والصورة الذهنية للمرأة التي سأكونها في هذه المدينة وتلك، الرجل الوسيم الذي لم أره بعد، قطط البلاد البعيدة، الأرصفة، الأنهر، الابراج الثابتة والمائلة، الحافلات والموانئ وكلها منسقة علي نحو بديع في حقيبة سفر تنتظر الرحيل.

يغرق أهل بيروت، صحبي وأهلي والجميع، في ضرب من الاستكانة، كما لو ما من حياة خارج مدينتهم، كما لو السفر شأني وحدي، ويبدون اهتماماً أقل بالغد عما كانوا يفعلون خلال الحرب وخلال تساقط الصواريخ الاسرائيلية علي لبنانهم. طرقات مزدحمة، وعشاق يزهون بعافيتهم. احسبهم يسخرون مني هنا، انا ذليلة الترحال وعبدته، سخرية قوية، كما لو عرفوني اخيرا.. علي حقيقتي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية