أمس، شكل المؤتمر الصحافي المشترك بين حماس وفتح محاولة من المنظمتين المنقسمتين لعرض جبهة واحدة، ليس ضد الضم فحسب، بل أمام الشعب الفلسطيني. فإعلان عن عقد هذا المؤتمر استقبل بمفاجأة نسبياً. صحيح أن سبقته مسيرة ضد الضم نظمتها الفصائل في قطاع غزة بمشاركة الآلاف، لكن فتح وحماس كانتا حذرتين من إعطاء هذا الإعلان بعداً احتفالياً. فهم يعرفون أن طريق تنفيذ الوعود طويلة.
أمين سر اللجنة المركزية في “فتح”، جبريل الرجوب، ونائب رئيس المكتب السياسي لحماس، صالح العاروري، استخدما في الحقيقة مصطلحات مختلفة قليلاً، لكن الرسالة كانت متشابهة: الضم -حسب رأيهما- سينهي أي خيار سياسي للتسوية. وتصريحاتهما حول التعاون في المستقبل وطرح جبهة موحدة، ظهرت صادقة. ولكنها لم تؤثر بشكل خاص على الرأي العام الفلسطيني. خلال الـ 13 سنة منذ حدث الانقسام، سمع الفلسطينيون مئات التصريحات من زعماء الطرفين عن إنهاء الانقسام وعن تفاهمات في جميع المجالات. لقد ملوا من التصريحات ومن البيانات المنمقة، حتى لو أضمرت نوايا حسنة. الشعب الفلسطيني يعرف أن الامتحان الحقيقي هو امتحان النتيجة، وما زالت الفصائل حتى الآن تحوز علامة راسب.
يمكن لحماس وفتح أن تعرضا موافقات على كل المسائل الرئيسية، بما في ذلك القضايا السياسية. ويمكن أن يشكل هذا قاعدة للتعاون، إذا كانت هناك رغبة حقيقية لفعل ذلك. في العقد الأخير، وافق الطرفان على خطة لإقامة دولة في حدود 1967، وعلى النضال الشعبي غير العنيف، وعلى دمج حماس والجهاد الإسلامي في م.ت.ف. ولكن عندما جاء الجانب العملي، لم يتم تنفيذ الخطط لانعدام الثقة ورغبة كل طرف في التنازل عن تمسكه بالسلطة.
هذا الأمر وجد تعبيره في الصراع العلني والعنيف للسلطة الفلسطينية ضد حماس في الضفة الغربية، وبالعكس، في غزة. إضافة إلى ذلك، اعتماد الطرفين اقتصادياً على دول خارجية، وشبكة العلاقات المركبة التي يديرانها على المستوى الإقليمي، مثل علاقة حماس مع إيران وتركيا وقطر من جهة، وميل السلطة إلى التوجه إلى السعودية ومصر ودول أوروبية من جهة أخرى – كل ذلك قلص هامش المناورة وزاد الضغوط الإقليمية. وهذه منعت أي تقدم حقيقي في محادثات المصالحة. وقد ساعد على استمرار الانقسام مصلحة إسرائيل في الحفاظ على الوضع القائم وعلى الفصل السياسي بين الضفة والقطاع.
في الوضع الحالي، هناك ثلاثة احتمالات أمام الفلسطينيين. الأول هو حل مؤسسات السلطة وخروج القيادة خارج الضفة، مع كل تداعيات هذه العملية. هذا سيناريو يعارضه معظم الفلسطينيين، ولن يحظى بدعم دولي. وربما لن يؤدي في المدى القريب إلى تقدم سياسي. ولا حتى في الساحة الفلسطينية الداخلية.
الثاني هو العودة إلى سيناريو الانتفاضة الثانية – نضال مسلح أو إرهاب، بمصطلحات إسرائيل، بما في ذلك نشاطات في عمق إسرائيل. هذه الخطوة ستؤدي إلى عملية عسكرية واسعة، وسفك دماء وتحطيم البنى التحتية الفلسطينية. هذا السيناريو ثبت في السابق أنه غير فعال ولن يحقق أي هدف سياسي. وهو أيضاً سيمنح إسرائيل رواية وكأنها تدافع عن مواطنيها، وسيعزز ادعاءات اليمين التي تقول بأن ليس هناك من نتحدث معه.
السيناريو الثالث هو استغلال المناخ والتصريحات من أجل ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي. أي إجراء انتخابات جديدة، بما في ذلك انتخابات رئاسية وبرلمانية وانتخابات لمؤسسات م.ت.ف، وإنهاء الانقسام بصورة حقيقية من خلال وضع إستراتيجية موحدة تقوم على النضال الشعبي غير العنيف الذي يمكن لكل طرف التعايش معها.
ثمة كثير من الخطط منذ سنوات، بما في ذلك برنامج عمل للنضال الشعبي الذي هدفه العلني هو إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 على قاعدة مبادرة السلام العربية، ومبنية بالأساس على نشاطات غير عنيفة. هذا يمكن أن يتلخص بإغلاق شارع في الضفة من قبل نساء وأطفال أو مسيرة صغيرة نحو قاعدة عسكرية – هذه أساليب ستحصل على تأييد وتعاطف دولي، حتى في أوساط كثيرين في إسرائيل. ولكي تنجح مطلوب نقد داخلي وقرار إستراتيجي وبرنامج عمل منظم للطرفين. فالتصريحات والنوايا الحسنة كما عرضت أمس، لن تكون كافية.
بقلم: جاكي خوري
هآرتس 3/7/2020