موقع غارة جوية روسية في خاركيف. 24 يوليو 2025. رويترز
لندن- “القدس العربي”: هل بدأت كييف الرهان على مفاوضات مباشرة مع موسكو على مستوى رئيسي البلدين وتقديم تنازلات لإنهاء الحرب، بعد فرض روسيا واقعًا جديدًا، وهو الاستمرار في الحرب لسنوات أخرى مقبلة، في ظل تراجع الدعم العسكري الغربي؟
في أعقاب المفاوضات التي جرت بين الوفد الروسي والأوكراني في إسطنبول التركية، الأسبوع الجاري، صرح رئيس وفد كييف أنه سيكون من الأحسن عقد اجتماع بين الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، مستطردًا أنه من المناسب جدًا مشاركة كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتركي طيب رجب أردوغان في القمة المنشودة لإنهاء الحرب.
بدأت كييف تركز كثيرًا على ضرورة لقاء بين رئيسي البلدين المتحاربين، لأنها ستكون الطريقة الوحيدة التي ستنهي هذه الحرب المكلفة
وخلال الشهور الأخيرة، بدأت كييف تركز كثيرًا على ضرورة لقاء بين رئيسي البلدين المتحاربين منذ فبراير 2022، لأنها ستكون الطريقة الوحيدة التي ستنهي هذه الحرب التي كلفت الجانب الأوكراني خاصة خسائر تاريخية تتطلب عقودًا من الزمن لاستعادة الوضع على ما كانت عليه في السابق.
وهناك عدد من العوامل التي تدفع الرئيس زيلنسكي إلى الرهان على حل مع بوتين بدون شروط مسبقة، أي الانسحاب الروسي من شرق أوكرانيا. وهذه العوامل تتجلى في:
أولًا، تراجع الدعم العسكري الغربي، إذ لم تعد القوات الأوكرانية تتوصل بأسلحة نوعية بكثافة، كما كان الشأن منذ بداية الحرب وحتى نهاية السنة الماضية، أي قبل مجيء دونالد ترامب. وكانت ألمانيا قد وعدتها بصواريخ تاوروس، ولكنها لم تفعل حتى الآن. في الوقت ذاته، مختلف الصواريخ النوعية، مثل هيمارس الأمريكية، وستورم شادو البريطانية، لم تغير من الوضع الحربي نهائيًا. واشترط الرئيس ترامب تقديم أسلحة إلى أوكرانيا على أساس أن تتولى الدول الأوروبية دفع الفاتورة. وكتبت جريدة “إكسبرس” أونلاين، ضمن كبريات الجرائد الأوكرانية، أن لا أحد من الاتحاد الأوروبي أعلن نيته بشكل واضح تأدية الفاتورة. وتضيف أنه ينقص الدفاع الأوكراني 60% من الأسلحة.
ثانيًا، تدرك كييف صعوبة طرد الروس من الأراضي التي احتلوها منذ بداية الحرب في فبراير 2022، بل يحدث العكس وهو خسارة مزيد من الأراضي تدريجيًا، حيث تقترب الأراضي التي تخضع للسيطرة الروسية بشكل مباشر أو غير مباشر ربع البلاد، بعدما كانت 20% منذ سنة. وعليه، تريد كييف احتواء الوضع قبل فقدان ثلث البلاد.
ثالثًا، بدأ فاعلون دوليون ومحليون يضعون مصداقية وشرعية الرئيس فلاديمير زيلنسكي على المحك. وكانت البداية مع الرئيس دونالد ترامب الذي شكك في استمرار زيلنسكي وطالبه بانتخابات. في الوقت ذاته، شهدت أوكرانيا، هذا الأسبوع، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، تظاهرات خاصة في العاصمة كييف ضد قرار الرئيس تقليص صلاحيات وكالة محاربة الفساد والنيابة العامة المختصة في محاربة الفساد. وتنشر الصحافة الأوكرانية والدولية أن عدد المتظاهرين كان، يوم الثلاثاء من الأسبوع الجاري، أكثر من ستة آلاف، وقارب في اليوم الموالي العشرين ألفًا.
وانخرط أعضاء بارزون من مجلس الشيوخ الأمريكي في الحملة ضد قرار زيلنسكي، حيث حذر كل من السيناتور ليندسي غراهام الجمهوري وجين شاهين الديمقراطية من خطورة التحكم في الهيئات التي تحارب الفساد في أوكرانيا. وبدورها، حذرت مفوضة عملية التوسع الأوروبية، مارتا كوس، ليلة الثلاثاء، من أن إقرار القانون 12414 (للتحكم في وكالات محاربة الفساد) يمثل “خطوة خطيرة إلى الوراء” في مسيرة أوكرانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
خبراء: القوات الأوكرانية لا تمتلك السلاح لشن أي هجوم مضاد كبير ضد القوات الروسية
وسط كل هذه التطورات، ترفع موسكو من قوة القصف بطائرات مسيرة وصواريخ فرط صوتية لإجبار زيلنسكي على الاستسلام المقنن من خلال قبول الوضع الحالي، أي التخلي عن أراضي شرق أوكرانيا كمقدمة لإنهاء الحرب.
وكتبت جريدة “كييف بوست”، في عدد الخميس من الأسبوع الجاري، أن عمليات القصف الأخيرة كانت عنيفة للغاية وتستهدف حتى التراث التاريخي، كما حدث في قصف أوديسا، فجر هذا الخميس. وتعترف جريدة “إكسبرس” أونلاين الأوكرانية نقلاً عن خبراء محليين أن القوات الأوكرانية لا تمتلك السلاح لشن أي هجوم مضاد كبير ضد القوات الروسية.
إن وعي كييف باستعداد روسيا الاستمرار في الحرب لسنوات أخرى، وأمام تراجع الدعم العسكري الغربي، جعلها ترى في مقترح اللقاء بين بوتين وزيلنسكي الحل الأفضل لإنهاء الحرب وتأجيل ملف استعادة أراضي الشرق.