أمام تمثال فرناندو بيسوا
فــاروق واديأمام تمثال فرناندو بيسوا أبدت شهد حرصاً شديداً، بعد ساعات قليلة من وصولي لشبونة ، علي أن يكون فرناندو بيسوا في استقبالي.فبعد أن توقف المترو في بايشيا ـ تشيادو ، محطته الأخيرة، وصعدنا السلالم الطويلة الطالعة من عُمق أرض تضج بالقاطرات الكهربائيّة والبشر، كان الشاعر الذي غادر الأرض منذ سبعين سنة وأكثر، ما زال جالساً في المكان، أمام مقهي برازيليا ، الذي تعوّد ارتياده. بدا بيسوا حقيقياً بجسده الناحل، وشاربه الرفيع، وبدلته الأنيقة، ونظارته الطبيّة المستديرة ذات الإطار الذهبي، وربطة الفراشة حول عنقه، وبرنيطته المستديرة التي لم أشاهد له صورة دونها. كان يجلس بوداعة وطمأنينة (وهو صاحب كتاب اللاطمأنينة )، فيبدد حضوره وحشة قاسية، وأحزاناً كثيرة عرفها في حياته: أرتدي ثياباً جميلةأضع حذائيوأذهب بين الناسللبحث عمّن لا أجده كان الشاعر، المتزمِّل بتمثاله البرونزي، يواصل جلسته المعتادة، يضع ساقاً فوق ساق، وبعينيه المعدنيتين، ما فتئ يتابع بحثه. إلي جانبه كرسيّ فارغ، وعلي طاولته الصغيرة يستلقي واحد من دواوينه، وثمّة أحلام غزيرة يمكنك أن تراها تطوف فوق رأسه وتبدد العزلة: إذا لم تمنحنا الحياة غير صومعة للانعزال، فلنحاول تزيينها بظلال أحلامنا يأتي عاشقان، شاب وصبيّة، هي تجلس علي الكرسيّ المعدنيّ الفارغ، بنقشه البديع، إلي جانب الشّاعر. وبأصابعها الناعمّة تلتقط الديوان من أمام صاحبه، مع حرص لافت علي إظهار قدرٍ عالٍ من التبجيل. تفتح الصبيّة صفحات لا علي التعيين. تطوف عيناها في غابة الكلمات، فيما العاشق يلتقط لها صورة تذكاريّة مع واحدٍ من أكثر الشخصيّات تأثيراًً في الذائقة الشعريّة البرتغاليّة (أو علي الأصح، الكونيّة) في القرن العشرين، وهو الذي أصبح، بعد موته، أكثر حضوراً منه في حياته، فغدا أيقونة الشعر البرتغالي الحديث، وربما احتل موقعه بعد لويس كامويس ، كاتب ملحمتها في القرن السادس عشر. ليس التمثال البرونزي للشاعر هو الشيء المختلف، وحسب، عن حضوره الجسدي هناك، في المقهي الأليف، وإنما ديوان الشعر نفسه الذي التقطته الفتاة. فبيسوا، الذي كتب الكثير في حياته، لم ينشر إلاّ ديواناً واحداً من شعره الباذخ. لكنه مع ذلك ترك، بخط يده، صندوقاً خشبياً ضخماً، يفيض بالشعر، ظلّ لسنوات طويلة، وربما للآن، النبع الثرّ لنهر من الشِّعر يتدفّق في المكتبات والبيوت وقلوب البشر.ہہہفنون عديدة تحالفت لتهزم موت فرناندو بيسوا، الذي صرعه تشمّع الكبد وهو في السابعة والأربعين. أوّل تلك الفنون، فنّه الشعري، الذي ملأ نحو عشرة مجلدات، أو أكثر، بعد رحيله. وثانيها، التمثال القائم في مكانه محجّاً لعشّاق الشِّعر والشّاعر، مؤكداً حضور بيسوا وسهره في المقهي القديم بعد أن تذهب المدينة إلي أحلامها. وربما أسهم البورتريه الشهير الذي صوّره فنان يبدو عاشقاً لشعر بيسوا، بدوره، في هزيمة موت الشّاعر! ثمّ جاء العمل الروائي الذي كتبه جوزيه ساراماغو عام وفاة ريكاردو ريس ، ليمنح حياة أخري لبيسوا. ففي هذه الرواية، يعيد الكاتب البرتغالي الكبير الحياة إلي أحد الأسماء الثلاثة المستعارة للشاعر (ألفارو دي كامبوس، ألبيرتو كايرو، وريكاردوريس)، حيث يواصل الاسم المستعار الأخير حياته بعد موت الشّاعر. هنا، يعود ريكاردوريس من غربته إلي لشبونة باحثاً عن قرينه الراحل فرناندو بيسوا. في اليوم الأوّل لوجوده في المدينة يذهب لزيارة قبر الشاعر، ويعود إلي أرشيف الصحف التي تؤكِّد موت بيسوا ودفنه. غير أن ذلك لم يكن سبباً كافياً يحول دون الشّاعر وعودته إلي الحياة، ليلتقي بالشخص الذي كتب باسمه (ريكاردوريس) وعاش من بعده، وليخوض معه حوارات عميقة في شؤون الحياة والثقافة والسياسة، قبل أن يذهب مع الشاعر الأصل إلي تراب نهايته.بيسوا، الذي قال أن لا شيء يبكيه سوي النثر، لم يكن يعلم أن قصيدة واحدة له، كتبها تحت اسمٍٍٍ من أسمائه المستعارة (ألفارو دي كامبوس)، وشغلت ديواناً كاملاً، غيّرت حياة الكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي ، الذي اعترف لأحد محاوريه: لقد منحني بيسوا الرغبة في الكتابة، وفي اكتشاف البرتغال، وأن أكون ما أنا عليه الآن . لقد ترك تابوكي دراسة الفلسفة وذهب لدراسة اللغة والآداب البرتغاليّة، وهو لم يكتف بترجمة شاعر البرتغال إلي الإيطاليّة، بل قرّر أن يقيم في المدينة التي تضمّ تمثال بيسوا وضريحه وأمكنته الأليفة. والغريب أن تابوكي، المدفوع إلي الكتابة بفعل قراءة أشعار بيسوا، لم يكتب الشِّعر، وإنما الرواية. وهو الآخر، مثل ساراماغو، كتب عملاً تخييلياً جعل فيه الأسماء المستعارة لبيسوا تأتي إليه علي فراش الموت لوداعه، علي اعتبار أن بيسوا وشخصياته التي اخترعها وكتب بأسمائها، كان رواية في حدّ ذاته، وهو الذي قال يوماً: نحن حكايات تسرد الحكايات !ہہہفي الليلة الأخيرة في لشبونة، وكنّا نهبط من الفاما ، الحيّ القديم المطلّ علي نهر التاجو وسحر لشبونة الهادئ، أبدت شهد حرصاً علي أن يكون فرناندو بيسوا في وداعي. أشارت إلي مبني قديم في شارع وسط المدينة الغافية، لا يبتعد مسيرة دقائق علي الأقدام عن مقهي برازيليا وتمثال الشّاعر، قالت: أنظر.. هناك، في ذلك البيت، كان يُقيم بيسوا!لمحت في العتمة نافذته المستوحشة، النافذة نفسها، التي وقف عندها ذات يوم، مطلاً علي غموض شارعٍ لا يكف عن الذهاب والإياب ، وكنت أصغي إلي صوتٍ بعيد يسيل في عتمة الليل: سأكون دائماً ذاك الذي ينتظرأمام جدارٍ بلا بابأن يفتحوا له الباب !كاتب من فلسطينQMK0