رام الله ـ «القدس العربي»: في ذات الوقت الذي كان يطبخ فيه قرار المجلس الوزاري المصغر «الكابينت» الخاص بشرعنة تسع بؤر استيطانية في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، كانت مجموعة مسلحة من المستوطنين تهاجم أطراف قرية «قراوة بني زيد» غرب مدينة سلفيت وتقتل الأب مثقال سلمان ريان (27 عاما).
وفي منطقة «الرأس» الواقعة شمال البلدة الوادعة قام عشرات المستوطنين المسلحين بالرد على مقاومة شبان لهجمة مسعورة ومتكررة منهم.
وبالنسبة لمئات آلاف الفلسطينيين الذين يقطنون في مناطق قريبة من المستوطنات كما هو حال البؤر فإن كل مشروع شرعنة لبؤرة عبارة عن مشروع قتل فلسطينيين ونهب أراضيهم وتحويل حياتهم إلى جحيم.
رئيس بلدية قراوة بني حسان إبراهيم عاصي صرح لوسائل إعلام فلسطينية أن مجموعة من المستوطنين المتطرفين يشكلون خطرا كبيرا على أهالي البلدة، فيما شهادة صاحب المنزل الذي تعرض للهجوم فتدلل على كثافة عدد المستوطنين المهاجمين وكثافة السلاح القاتل (سلاح آلي من نوع إم 16 ومسدسات) الذي يحلمونه أيضا.
وقال مواطنون لـ«القدس العربي» إن هجمات المستوطنين تهدف منع البناء ومنع أعمال الزراعة أو إجراء أي أعمال إنشائية، فيما يقتلع المهاجمون الأشجار ويسرقون المواشي، بنية الاستيلاء على مئات الدونمات من أراضي البلدة.
وحسب مواطنين فإن المستوطنين يرصدون تحركات المزارعين والسكان عبر طائرات بدون طيار، وعبر دوريات مراقبة ومن ثم يهجمون بعد ان يستدعوا قوات جيش الاحتلال.
حادثة إعدام الأب مثقال الأعزل إلا من أحلامه بأطفاله الثلاثة كي يعيشوا بأمان أعادت إلى الأذهان شهر حزيران/يونيو من العام الماضي عندما هرع الشاب علي حسن حرب (27 عاما) من قرية اسكاكا شرق سلفيت لأرضه برفقته أقارب من أجل حمايتها من إنشاءات استيطانية فتعرض إلى طعنة مباشرة في القلب أودت بحياته، ولاحقا حصل القاتل على حكم براءة لعدم كفاية الأدلة.
الحكايتان المأساويتان لا يفصل بينهما أكثر من ثمانية أشهر، لكن ما يقلق بال المواطنين ويزيل السكينة عنهم هو أنهم يعلمون أن هناك شهيدا ثالثا ورابعا وخامسا أمام تضاعف هجمات المتطرفين. فيما أنباء الاعتراف بشرعية البؤر الاستيطانية في منطقة نابلس، كما عموم الضفة الغربية، مؤشر على زيادة التهديدات القاتلة.
مخاطر خطاب الشرعنة
وحسب الناشط الحقوقي والخبير في مجال الاستيطان غسان دغلس فإن مصادقة الكابينت الإسرائيلي قبل نحو أسبوع على شرعنة تسع بؤر استيطانية في الضفة الغربية ومن ثم بؤرة عاشرة في الخليل بادعاء الرد على عمليات مستوطنتي «نفيه يعقوب» و«راموت» في القدس المحتلة يحمل في طياته استدراج النقاش الفلسطيني والعربي والدولي إلى خطاب أو مربع أن كل المستوطنات في الضفة الغربية هي مستوطنات قانونية وشرعية، أما البؤر الجديدة العشر فهي «جديدة وبلا شرعية لكنهم يريدونها أن تصبح شرعية».
ويضيف في حديث مع «القدس العربي» أن منح الشرعية الاحتلالية يعني أن تتمتع البؤرة بنظام كبير من الخدمات الداخلية (وكأنها داخل الحدود البلدية) حيث توفر صفة الشرعية لتلك البؤر كل من خدمات الأمن والكهرباء والشوارع والمياه والاتصالات..الخ، والأخطر أيضا أن كل ذلك يتم على حساب المصالح والحقوق والأراضي الفلسطينية.
ويشدد دغلس أن دلالة اختيار البؤر التسع، وهي من بين ما طالب به وزير الأمن القومي الإسرائيلي ايتمار بن غفير، من أصل 77 بؤرة استيطانية غير «مرخصة» هي دلالة غير عشوائية، فالبؤر القريبة من منطقة الأغوار تهدف إلى تحقيق فعل قطع للتواصل الجغرافي ما بين مناطق الضفة الغربية ومناطق الضفة الشرقية في تعزيز مسألة حصار الضفة بعد أن أنجز الاحتلال قبل سنوات جدار الفصل العنصري الذي عزز فصل الضفة عن مناطق فلسطين 1948.
فهذه البؤر إلى جانب المستوطنات التي تحمل صفة الشرعية، والحديث للناشط دغلس، تؤسس لسلسلة استيطانية طويلة قاطعة ومانعة، أما البؤر في محافظة نابلس فتبدو مسألة شرعنتها أقرب للعطايا أو المنح أو الهبات، حيث منحتها حكومة الاحتلال لأعضاء كبار من تنظيم شبيبة التلال الإرهابي.
ويضيف: «تبدو للمتابع أنها عبارة عن منح للإرهابيين الذين ينفذون هجمات متتالية ويومية على الفلسطينيين».
ويقر دغلس وهو المتابع بشكل لحظي تجليات المشهد الاستيطاني في عموم الضفة وتحديدا شمالها حيث النشاط الاستيطاني على أشده، يقر أن الضربات التي يتعرض لها الفلسطيني في الضفة كبيرة للغاية، ومساحات النضال والمقاومة واسعة جدا ومتنوعة.
وشدد أنه في ضوء ذلك، وفي حال لم يحدث تدخل أو ضغط كبير من خلال لوبي عربي وإسلامي ودولي ضاغط ومؤثر على الحكومة الإسرائيلية المتطرفة فإن الحال سيكون غاية في الصعوبة.
وأمام ذلك يشير دغلس إلى وجود ملمح إيجابي يرتبط بطبيعة سياسة ونهج الحكومة الجديدة التي تعلن بصراحة عما تريده بدون مواربة، وهو أمر قد يساعد في تشكيل جبهة ضاغطة ضد السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية.
وكانت حكومة نتنياهو قد شرعنت يوم الأحد الماضي تسع بؤر وهي: شاحاريت، وجفعات أرنون، وأبيجيل، وأسايل، وجفعات هاريل، وملاخي، وهشالوم، ومتسبي يهودا، وبيت حجلة، وسدي بوعز. فيما كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن أن حكومة الاحتلال ستصادق قريبًا على ترخيص بؤرة «بني كيديم» المقامة شمال شرق الخليل بين بلدتي سعير والشيوخ.
خطاب لا يجدي
أما المحلل السياسي الفلسطيني نبيل عمرو فيطالب بضرورة قراءة ما يجري في مشهد الفعل الإسرائيلي جيدا، فكلمة تصعيد توحي وكأن ما كان قبل ذلك حالة من التهدئة، فيما الاحتلال يعلن مخططات وبرامج وحالة من القمع والتصعيد المستمر.
وهو يرى أن خطاب السلطة في مواجهة ذلك هو خطاب لا يجدي، في ضوء أنها تطالب حلفاء إسرائيل بذلك وهؤلاء لا يستطيعون ولا يبذلون جهدا حقيقيا، فالإدانة الدولية سواء أكانت أوروبية أو أمريكية تفتقد الجهد لمنع الفعل الإسرائيلي.
ووصف حالة السلطة بإنها تسير «باتجاه العبث».
وطالب السياسي عمرو بضرورة ترتيب البيت الداخلي من أجل ايجاد طريق لترتيب ما تبقى لدى الفلسطيني من قدرات صمود.
وبرأيه فأن المطلوب ترتيبا جديا للوضع الداخلي ينهي الانقسام ويستعيد دور المؤسسة الفلسطينية وذلك «كي لا نستمر بالدوران في حلقة مفرغة».
ويشدد أن الخطاب السياسي الفلسطيني الحالي غير مقنع، حتى عندما يجرى الحديث عن إحدى الردود الفلسطينية الذهاب إلى حوار وطني شامل وجدي ومعمق، وهو أمر يفترض بالفلسطينيين أنجزوه مرارا على مدى 15 عاما.
ووصف هذا الفعل بإنه حالة من الهروب من المسؤولية ومن معالجة الأمور كما يجب أن تعالج.
ويرى عمرو أن الحوار مطلوب، لكنه لا يحل مشكلة، فما يحلها هو القرار. فعندما يكون المنهج خاطئا لا يجب أن تتوقع نتائج صحيحة، فالحالة العامة كلها ارتجال ورد فعل.
ويقول إن الفصائل التقليدية عمليا قد «أحيلت على التقاعد» فقسم منها يعيش حول معارضة للسلطة فيما قسم ثان يعيش عبر البقاء حول السلطة، وهو أمر يجعلها بلا ثقل ولا إمكانيات لقيادة قطاعات جماهيرية واسعة.
ويرى أن كل البدائل عن الانتخابات بمثابة استمرار حالة التدهور، فأن «لا نعمل إلا ما توافق عليه إسرائيل يعني أنك لست حركة تحرير وطني».
الفزعة سيدة الموقف
وفي ذات السياق ينتقد دغلس الحالة النضالية في مواجهة شراسة الفعل الاستيطاني ومخططات الحكومة الحالية المعلنة مشددا على أن المقاومة الشعبية المناهضة للاستيطان ما زالت وفق نظام أو حالة الفزعة.
وينتقد صراحة أداء الفصائل الفلسطينية جميعها لكونها لا تقف عند حدود مسؤولياتها، «فإن تكون قائدا في فصيل تقليدي يعني حالة من البرستيج، في حين أن المطلوب أن تنعكس القيادة الفصائلية فعلا في الميدان ولا سيما ونحن أمام ملف وطني مرتبط بمقارعة الاحتلال».
ويضرب الأمثلة على تحرك الشارع الفلسطيني وسكان القرى التي تتعرض لهجمات استيطانية بما حدث قبل أيام في برقة قضاء نابلس عندما هاجم المستوطنون القرية، وهو أمر دفع بأن تتحرك جماهير البلدة لمواجهتهم، وهو الأمر نفسه الذي عاشته قرية جوريش قضاء نابلس قبل أسبوعين.
ويشدد دغلس أن متابعة الميدان تجعلنا ندرك أن المواطنين مستفزين ومستنفرين من هجمات المستوطنين في ظل أن حياتهم أصبحت مهددة لكن ما ينقصهم هو القيادة ذات المصداقية التي تخطط وتنظم فعل المقاومة الشعبية، «فالمواطنون بحاجة ماسة لمن يقودهم وفق برنامج سياسي ونضالي».
ويتابع: «موقف المواطنين في الميدان يرتبط بالقائد. في حال كانت الجماهير تثق بهذا القائد ويتمتع بالمصداقية ويمارس فعل القيادة بكل معنى الكلمة فإن المواطنين سيلتفون حوله ويلبون نداءه عندها يمكن أن يتحرك الشارع».
ويشدد ان البنية القيادية الفصائلية في البلدات والقرى الفلسطينية متكلسة، «فالوجوه ذاتها ولا تتجدد وهذه مشكلة حقيقية وعلى الفصائل بحثها وتجاوزها كي نكون أمام فعل جماهيري يشبه ما كان أيام الانتفاضة الأولى عام 1987».
ويرى الناشط دغلس أن هناك تشكيلات فلسطينية جديدة تتمتع بالمصداقية وهو ما جعلها تنال استجابة الشارع، وأكبر مثال على ذلك مجموعات «عرين الأسود» التي إذا دعت إلى موقف جماهيري نالت ما تريد وهو أمر تعجز عنه كل الفصائل الفلسطينية مجتمعة.
وحسب دغلس فإن السؤال الكبير والأساسي هو كيف تتحول المقاومة الشعبية إلى فعل مؤثر بحق الاحتلال ومستوطنيه؟ والجواب مرتبط بالميدان والرد الجماعي المؤثر على حياة المستوطنين.
ويضرب أمثلة بما حدث في بلدة حوارة وبرقة خلال العام الماضي حيث أن استمرار الفعل النضالي الجماهيري وقدرته على التأثير على حياة المستوطنين والجنود هو ما يقود إلى تراجع وتأثير حقيقي.
ويختم: «عندما يكون هناك موقف جماهيري يقود إلى إغلاق الشوارع أو إلقاء مستمر للحجارة على مدى ساعات فإن المستوطنين والجيش يطلبون التوقف ويتراجعون، وهذا يعني أن النضال يرتبط بممارسة جماعية جماهيرية ونفس طويل، أي فعل نضالي دائم وجماعي، وهذا ما يقدم لنا الحل المؤثر القادر على إشعار الاحتلال بالخسارة».
يذكر أن آخر التقارير التي صدرت أواخر العام الماضي عن معهد الأبحاث التطبيقية، القدس «أريج» أشار إلى وجود 243 بؤرة استيطانية منتشرة في أراضي الضفة الغربية منذ عام 1967. وأشار إلى أن انتشار ظاهرة البؤر الاستيطانية غير المرخصة بدأ في التسعينيات، «بعد أن خفضت إدارة رابين آنذاك معدل المصادقة على البناء في المستوطنات المقامة في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1993 وذلك لتسارع المفاوضات مع الفلسطينيين التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو».
وحسب إحصاءات فلسطينية فإنه يتوزع اليوم نحو 725 ألف مستوطن في 176 مستوطنة كبيرة و186 بؤرة استيطانية عشوائية بالضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.