أما الأحبة فالبيداء دونهم

حجم الخط
0

د. علي الصكريا لهذا الشاعر الذي ابتلينا به .. كان سقيما فأسقمنا جميعا وكانت له ضجرات واختيارات فأضجرنا معه .. وكان على قلق كأن الريح تحته فأصابنا جميعا بالقلق المزمن وكان عيده كئيبا فنقل ألينا عدوى تلك الكآبة لحد الساعة فأخذنا نردد جميعا ـ صبيحة كل عيد ـ عيد بأية حال عدت يا عيد . لكن الفرق بين عيدنا وعيد المتنبي أنه يخشى أن يعود عليه العيد بما مضى فهو شاعر مجدد بمعنى الكلمة أما نحن فنخشى الجديد الآتي ونسأل الله السلامة منه وتشتغل عندنا النوستالجيا بشدة مع قدوم العيد ..ليته يعود بما مضى …بصوت أم كلثوم تنشد: يا ليلة العيد آنستيناليته يعود بدفء فراشنا ونحن نرهف السمع صباحا للتكبير في مسجد الحي .. فنقوم لنرتدي البدلات الجديدة التي باتت تحت مخداتنا منذ الليل .. بدلات بنفس اللون والطراز مع اختلاف وحيد في المقاس كان الأب قد اشتراها قبل ذلك بيومين كما كان يشتريها كل سنه من نفس السوق ومن نفس الدكان. في طريقه إلى البيت عائدا من صلاة العيد يكون الوالد قد وقف على كل أبواب الجيران صائحا بصوته الغليظ: عيدكم مبارك .. يجيبه البعض ولا يجيبه الآخر لا فرق عنده .. وصول الأب إلى البيت مبسملا محوقلا يعلن الافتتاح الرسمي لأفراح العيد .. نلثم يده الواحد بعد الآخر ليمدها في جيبه ليخرج العيدية: دراهم معدنية لامعة ما أن يضعها أحدنا في جيبه حتى يشعر كأنه أمير موناكو.. تأتي الوالدة بالصينية الكبيرة التي نكتظ حولها على طريقة سي السيد وأولاده. (كليجة) العيد محشوة بالجوز والسمسم ومعجونة بالسمن البلدي الفاخر نبللها بأكواب الحليب الساخن فتذوب حلاوة على أطراف شفاهنا .. لنذهب بعدها إلى (الساحة) حيث يعيد أبناء الفقراء .. ساحة متربة مكتظة تنتصب فيها عدة مراجيح نصبت على جذوع نخل بالية وشدت بالحبال . الباعة المتجولون يدورون بعرباتهم التي يذودون عنها أطنان الذباب … نعود ظهرا لنجتمع على نفس الصينية التي ستمتلئ رزا ولحما هذه المرة ..لا أحد يتخلف عن الجلوس إلى الصينية. 1 *أما الأحبة فالبيداء دونهم …أي بيداء يا رجل ليت بيننا بيداء واحدة أو عدة بوادي نطويها على ظهر بعير وديع كما كنت تفعل دون جواز سفر أو نقاط حدودية …أحبة الصينية اليوم بينهم بوادي ومحيطات وقارات ومطارات وفيزا تحصل عليها بعد أشهر ـ أو أسابيع – إذا كنت محظوظا ولم يلق بالجواز بوجهك مع تكشيرة الرفض .2 * تحول العيد بيننا إلى بروتوكول تلفوني فقط يطلب أحدنا الآخر صباح العيد فيجيبه بصوت لاهث متقطع (مع مراعاة فارق التوقيت وسعر الوحدات): عيدك مبارك. حتى الأموات كنا نزورهم في قبورهم عند العيد لنقول لهم اننا لم ننسكم في غمرة أفراحنا .. مات الأحبة اليوم ونحن في الغربة بل أن بعضهم ـ حيث أخذه الخاطفون – لم نعرف له قبرا فنزوره … لا ضجة في هذا العيد ولا دراهم لامعة ولا ساحة ولا مراجيحلا أحد يدق بابك فتتضاعف الغربة في الوحدة إذ تقفر الشوارع ويمضي كل ليعيد في بلدته وبين أهله فتغلق عليك الباب لتنشد: عيد متى تنتهي أيها العيد؟هامش 1 : يومها كان العراقي يخرج من بيته حيث يشاء فيعود سالما دون مخافة أن يقطع رأسه لأن اسمه فلان أو أنه من منطقة بعينها، فيومها لم يكن العراق قد عرف نعمة الفدرالية بعد ولم تكن كل محافظة إقليما وكل مديرية منطقة حكم ذاتي وكل شارع إمارة.هامش 2: ما أن يعرف العاملون في المطارات (وخصوصا مطارات الدول العربية الشقيقة) أن جواز سفرك عراقي حتى تتغير سحنهم وتكفهر وجوههم كمن يشم (..عفوا). في إحدى السفرات، وفي طريق عودتي إلى اليمن حيث أقيم أوقفني الموظف عند الكاونتر طويلا وراح يقلب صفحات الجواز بدقة ولما أحسست الورم في قدمي ونفد صبري تجرأت على سؤاله: عفوا عم تبحث لعلني أساعدك. أجاب دون أن يرفع عينيه: عن الفيزا. قلت له: لا فيزا أنا مقيم. أعاد لي الجواز بامتعاض قائلا: عجايب والله … أول مرة أسمع أن عراقيا يدخل بلدا دون فيزا. ali _ [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية