أمة بأسرها في قسم الطوارئ !
جواد البشيتيأمة بأسرها في قسم الطوارئ ! حذاريكَ اللعب بالنار فقد تحترق أصابعك!ولكن، ماذا عسانا أن نقول لـ القابض علي جمرة ؟!و الجمرة ، بحسب تصريح صحافي أدلي به د. أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس المصري حسني مبارك، كناية عن السلطة ، فالقابض علي السلطة في مصر، أي في عالمنا العربي، بحسب رأي الباز، كالقابض علي جمرة. ولا شك في أن معاناة الحاكم ستكون أعظم وأشد إذا ما كان مُحْكِما قبضته علي السلطة ـ الجمرة !وأقول لكل عربي محكوم: حذاريكَ حَسْدَ حاكمكَ! ، فالسلطة ليست بنعمة حتي تتمني تحولها منه إليكَ، أي حتي تحسده عليها. إنها نقمة عليه، ومسؤولية تنوء بحملها الجبال، ولن يضطلع بها إلا المضحِّي بنفسه وماله ووقته وعائلته.. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِن شَرِّ مَا خَلَقَ.. مِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ .سنصدِّق؛ لأن لا خيار لنا إلا أن نصدِّق. وكل من يشكِّك في صدق هذا الأمر إنما يساهم، عن وعي أو عن غير وعي، في بقاء تلك الحال التي لا تسر الحاكم ، والتي عاقبتها الحتمية هي تشديد الحاجة إلي العمل بمقتضي قانون الطوارئ ، فالمعارضون السياسيون، وذوو الرأي والفكر المخالف، إنما هم من أصحاب النفس الأمارة بالسوء، الذين بينهم وبين الإرهابيين و تجار المخدرات قرابة إما من جهة الأب وإما من جهة الأم.لقد قرَّر البرلمان المصري، أي ممثلو الشعب، تمديد حالة الطوارئ مدة عامين، ليبلغ عمرها، بالتالي، 27 عاما، مع أن الأسباب الدستورية والقانونية الموجبة لإعلان واستمرار وتمديد حالة الطوارئ كالحرب والكوارث الطبيعية المدمِّرة لا وجود لها البتة، ومع أن استمرار حالة الطوارئ مع انتفاء أسبابها الشرعية يخالف المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقعتها مصر، وتعهدت فيها باحترام القانون والدستور وحماية الحريات العامة الأساسية التي لا بد لها من أن تختفي مع ظهور حالة الطوارئ .إنَّ لكل قاعدة استثناء.. وإذا كانت القاعدة هي الحكم في طريقة يتأكد عبرها احترام الحاكم للدستور والقانون والحريات العامة الأساسية فإن حالة الطوارئ هي الاستثناء ، ولكن الحُكم في عالمنا العربي، الذي تقدِّس حكوماته الإصلاح السياسي والديمقراطي النابع من الداخل ، والمراعي لـ الخصوصية ، يقوم علي قاعدة أخري هي قاعدة تحويل القاعدة إلي استثناء، وتحويل الاستثناء إلي قاعدة ، فـ دولة القانون عندنا ليست سوي سحابة صيف إنْ قُيِّض لها الظهور. أما الدولة الأمنية ، التي جاءت إلي الدنيا بحد السيف والتي تقطر دما من رأسها حتي أخمص قدمها، فلا تستمر، وليس في مقدورها أن تستمر، علي قيد الحياة إلا بـ قانون الطوارئ ، الذي لن يموت قبل أن يري وريثه الشرعي وهو قانون مكافحة الإرهاب الذي يتوفرون علي إنجازه. ومع ذلك يراد لنا نظل أسري وهم جديد هو أنَّ نفي الدولة الأمنية يقوم علي المزاوجة بين قانون مكافحة الإرهاب و الإصلاح السياسي والديمقراطي الذي يُنْجِب الحكم الرشيد ، أو يُنْجِبَه الحكم الرشيد . يراد لنا ذلك مع أن التاريخ يُعْلِمنا، ويُعلِّمنا، أن الحكومات لا تذهب إلا بالطريقة ذاتها التي جاءت بها! النظام الرئاسي إنما هو شكل من أشكال عدة لنظام الحكم في العالم. أما في عالمنا العربي فـ حالة الطوارئ إنما هي شكل لـ نظام الحكم الرئاسي ، فالدستور يُكتب ويُقر ليُعطَّل العمل به علي الفور، وكأنه حفل افتتاح لـ حالة الطوارئ ، التي تستمر ما استمر الرئيس حاكما، والذي يستمر حاكما ما استمر علي قيد الحياة. وحتي لا نقيم، بعد سنتين، الأفراح والليالي الملاح، أقول إن روح قانون الطوارئ ستغادر هذا الجسد لتحل في جسد جديد هو قانون مكافحة الإرهاب ، الذي لن تجرؤ الولايات المتحدة علي الاعتراض عليه، فهو التجسيد لروحها الإمبريالية الجديدة. وأحسب أن شعوبنا ومجتمعاتنا تحتاج إلي أن تواجه قانون الطوارئ الذي تَحْكُم به حكوماتنا بـ قانون طوارئ مضاد ، فصلوات الكاهن لا تقدر أبدا أن تدرأ عنه خطر صاعقة انقضت عليه من السماء، فمانعة الصواعق خير وأجدي. و قانون الطوارئ المضاد إنما يستمد شرعيته من حقيقة واقعة لا يشوبها وهم أو خرافة هي أن كارثة تاريخية، سياسية واجتماعية واقتصادية، تحدق بنا من كل حدب وصوب. ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8