مع تداول مقاطع من قصيدة للسيدة المتوّجة أميرةً للشعراء، في البرنامج المعروف «أمير الشعراء»، حسِبَ المرء، لوهلة، أنه أمام محاكاة ساخرة للشعر الحديث، على غرار محاكاة زياد رحباني (المأسوف على شبابه) في إحدى مسرحياته، عندما قال أحد ممثليه:
«تأخر القطار،
تأخرتُ عن عرس الفحم
لكنني مهما مهما
سأنجب لك ولداً أخضر يا سنونوتي
وأبعثه عميقاً في البلاد
عفواً سنونوتي
لا تسأليني، فليس لكل سؤال
جواد»
وإن كنا نعثر، في المحاكاة الرحبانية على شيء من الطرافة، والبراعة في التلاعب بالكلمات (ليس لكل سؤال جواد)، فإننا في قصيدة الشاعرة العُمانية، الأميرة المزعومة، عائشة السيفي لا نجد سوى صور أقرب إلى «عرس الفحم»، بافتعالها وهزلها.
تردّد أمامنا، في فضاء الفيسبوك، صدى كلمات تقول، على سبيل المثال:
ياما مرّ شعراء لهم وقفتهم على المنابر، لهم جمهور، ومطبّلون، وجوائز، لكن إن دققتَ لن تجد سوى قصائد تقول: «من أنتم؟»
«قط يطير برجلين
بحر على تلة يجلس القرفصاء
وما حاجتي للرخام
إذا كنت زوجة هذا التراب»
إلى آخر القصيدة، التي تراوحت بين صور عادية، مثل «وما حاجتي للبكاء/ وقد عبّأ الله في دمعةٍ كربلاء»، إلى صور غيرها غرائبية وتستعصي على العاقل، شاعراً كان أم غير شاعر. تردد الكلام بصوت الشاعرة، فهرعنا، حيث الأداء الممسرح بشكل لافت كان هو ما لوى الأعناق. من دون ذلك كان يصعب أن يتوقف سكان الفضاء الأزرق عند كلام مكرر بلا هوادة يصادفهم يومياً، على غرار «الشاي ليس بطيئاً» (عنوان مجموعة لشاعر سوري).
استمعنا إلى أداء الشاعرة، وكلنا أمل أن تكون مجرد مزحة، لأن المرء يشفق حقاً إن كانت المرأة جادة في قصيدتها وفي أدائها.
أداء مشفق بالفعل. شاركه كثيرون للدعابة، فما كان من مجموعة فيسبوكية إلا أن نشرت القصيدة مكتوبة دفاعاً عن الشاعرة، إذ كتبت في تقديمها: «انتشر مؤخراً فيديو يعرض مقتطعاً من قصيدة للشاعرة عائشة السيفي يتعمّد الاستخفاف بكلماتها وعدم استحقاقها للإمارة، لذلك نقدم لكم القصيدة كاملة». وهرعنا مرة أخرى، ولم يكن الكلام مكتوباً أقل هزلاً، ولم تكن القصيدة لتستحق أن تعطى عرش إمارة الشعر.
وبالمناسبة؛ لا أعرف أحداً ممن مرواً على البرنامج يستحق الإمارة فعلاً. الشعر خارج كل هذا تماماً. وليس كل ما هو خارج البرامج شعراً أيضاً، ياما مرّ شعراء، لهم وقفتهم على المنابر، لهم جمهور، ومطبّلون، وجوائز، وكتب، لكن إن دققتَ في ما يكتبون (دعك من ضجيج المنابر، وأضواء الاستديوهات) لن تجد سوى قصائد لا تقول لقرائها سوى عبارة واحدة: «من أنتم؟»
الشعراء كثر، كما نرى جميعاً، والشعر قليلٌ قليل.
يستحق المذيع السوري أحمد ريحاوي كل التضامن إزاء توقيفه من قبل السلطات التركية إثر برنامج تلفزيوني على قناة «الأورينت» تعرّضَ بالنقد لانتهاكات تركية تجاه السوريين.
انتهاكات أردوغان بحق الأتراك قبل السوريين تكاد لا تحصى، وهو كَشَفَ خلال العشرية الأخيرة عن مزاج ديكتاتوري ومهازل تفقأ عين كل من يحاول تبرير سياساته وانتهاكاته.
الحمد لله أنه قد أُطلق سراح مقدم البرنامج ريحاوي وزميله معد البرنامج، لئلا يختلط الأمر، فيُظَنُّ أن انتقاد مهنيته يعطي الحق للسلطات التركية باعتقاله وانتهاك حقه، وحق القناة التي يمثلها، بالقول وحرية التعبير، لا سمح الله.
جزء من عمل الإعلامي، خصوصاً في برامج الحوار، أن يتوقع ويتعامل ويتحمّل أشد الأفكار تطرفاً، وما أكثر ذلك!
الضيف، الذي حاوره ريحاوي بغيض بأفكاره، عنصري بوضوح تجاه مضيفه وتجاه السوريين، وردد حرفياً عبارة القذافي الأشهر: «من أنتم؟»، وفي خلاصة قوله تبرير لقتل السوريين على الحدود. لكن، مع كل ذلك، لا نجد أن من اللائق، مهنياً قبل كل شيء، أن يقوم مقدم البرنامج ريحاوي بطرد ضيفه من المقابلة، مع العلم أن المقابلة مسجلة، أي ليس الأمر أن الرجل فلتت أعصابه على الهواء وبات تصرفه خارج السيطرة، هو إصرار على خرق مهني، وربما استند في ذلك إلى حادثة مشابهة لفيصل القاسم على قناة «الجزيرة»، عندما طَرَدَ أحد ضيوفه، في حادثة ما زالت تحتفظ بها الـ«سوشال ميديا» وتكررها إلى اليوم. وهي إن أثبتت شيئاً فليس سوى قلة الاحتراف، وقلة المهنية، والاطمئنان لجمهور سيطبّل على كل حال لنجومه المعبودين.
جزء من عمل المذيع/ الإعلامي، خصوصاً في برامج الحوار، أن يتوقع ويتعامل ويتحمّل أشد الأفكار تطرفاً، وما أكثر ذلك! تصوّر، أخي المذيع، أن يكون هذا سلاحك الأقرب كلما واجهتَ تطرفاً أو كلاماً بغيضاً!
الكلام البغيض، التطرف، العنصرية، مساندة الأنظمة الديكتاتورية، الأفكار الشيطانية، كلها أشياء متوقعة ويومية في عمل الإعلامي، ومن البديهي أن يكون المرء جاهزاً للتصرف إزاءها. صعبة؟ نعم. قاسية، جارحة، ومؤذية، وما كل ذلك إلا من مصائب المهنة، من أعراضها الجانبية، وما مواجهتها، وتحمّلها، سوى أقل الأثمان التي يدفعها المرء في سبيل مهنيته.
يستمر بعض المسؤولين اللبنانيين بالتحريض على اللاجئين السوريين في لبنان. هذه المرة يتحدث محافظ بعلبك الهرمل، في فيديو متداول، مطلقاً كذبة تقول إن راتبه أقل من راتب النازح السوري: «وظيفة المحافظ هي أعلى وظيفة إدارية في الدولة اللبنانية، فيما راتبي هو أقل من راتب النازح السوري في لبنان». مضيفاً: «السوري يحصل على تقديمات لا يحصل عليها اللبناني، ولا يمكن أن يكون هذا النزوح إلى الأبد».
بين عبارة وأخرى يكرر المحافظ بشير خضر أن كلامه ليس من قبيل العنصرية، وكأنه يعرف بالضبط أن كلامه لا يمكن إلا أن يكون كذباً ومحض عنصرية وطائفية. يعرف بالضبط أن محافظاً لبعلبك الهرمل لا يمكن أن يقول كلاماً غير الذي قاله. قل لي مَن الحزب المسيطر في منطقتك، قل لي أياً من الأحزاب تمثّل، باسم من تحكم، أقل لك ما الذي بوسعك قوله عن النازح السوري.
٭ كاتب من أسرة تحرير «القدس العربي»