لندن ـ «القدس العربي»: «إسرائيل تمارس حرب الإبادة ضد الفلسطينيين»، «إسرائيل تعيد أساليب هتلر في قطاع غزة»، لم تكن هذه تصريحات حركات ثورية عربية أو أفريقية، بل هي تصريحات صادرة عن بعض زعماء أمريكا اللاتينية الذين لا يخافون سيف ديموقليس «معاداة السامية» الذي ترفعه الدول الغربية حماية للكيان الصهيوني.
وهذه المقارنة التي يجريها بعض قادة أمريكا اللاتينية بين وحشية النازية وهمجية الجيش الإسرائيلي ليست وليدة عملية طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر، بل تعود إلى عقود من الزمن. وكان أول زعيم من أمريكا اللاتينية الذي لجأ إلى هذه المقارنة هو الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو خلال ايلول/سبتمبر من سنة 1979 خلال أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة. قال في خطابه الشهير «نددنا بكل قوة بالإبادة التي تعرض لها اليهود على يد النازية، ونجد اليوم حالة مشابهة لما حدث في الماضي وهي إبادة الإمبريالية والصهيونية للشعب الفلسطيني».
كان ذلك الخطاب قويا ضد إسرائيل، لاسيما وأنه بالكاد كانت قد مرت أربعة عقود على جرائم النازية ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية، وكانت كل مقارنة بالمحرقة مع قضية أخرى بمثابة تابو في العلاقات الدولية. ونظرا لوزن كاسترو في صفوف اليسار العالمي، بدأ عدد من المنظمات بتبني موقفه هذا. وكان من ضمن سن دول أوروبية قوانين ضد معاداة السامية المقارنة بين ما جرى لليهود على يد هتلر بما يجري للفلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي.
وكان المنعطف الثاني هو مجيء زعيم يساري آخر، لا يقل كاريزما عن كاسترو، ويتعلق الأمر بالرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشابيس، أقدم سنة 2009 على قطع العلاقات الثنائية مع الكيان، وفي أكثر من خطاب كان يصف إسرائيل بالكيان الإرهابي قاتل الأطفال، كما جاء في خطاب له يوم 1 حزيران/يونيو من سنة 2010. وسار على نهجه رؤساء كثيرون خاصة من اليسار، وأبرزهم الرئيس البوليفي السابق إيفو موراليس. وكان رئيس الأكوادور السابق رافائيل كوريا من الرؤساء الذين شددوا على ضرورة إنهاء سياسة الكيل بمكيالين التي يتبناها الغرب.
الموقف البرازيلي والكولومبي
وفي كل أزمة، كانت أصوات أمريكا اللاتينية متميزة في الدفاع عن الفلسطينيين، وفي الغالب أكثر من عدد من الملوك والرؤساء العرب، وجاء المنعطف مع طوفان الأقصى وتجلى في موقفين هامين وهما: الموقف البرازيلي والكولومبي.
كانت كولومبيا تعتبر حتى الأمس القريب الحليف الرئيسي لإسرائيل في أمريكا اللاتينية، ويكفي أن هذا البلد الوحيد في العالم رفقة سيريلانكا الذي اشترى مقاتلات كافير الإسرائيلية. وحملت الانتخابات الرئاسية 2022 السياسي غوستافو بيترو الذي غير بشكل ملفت السياسة ضد إسرائيل. احتضن القضية الفلسطينية، وقال بعد همجية إسرائيل ضد الفلسطينيين «زرت معسكر الاعتقال أوشفيتز الذي أقامه النازيون لليهود في الحرب العالمية الثانية، والآن أرى نفس المعسكر في قطاع غزة». ولم يتردد لاحقا في مقارنة الأوضاع المأساوية التي تتعرض لها غزة بما تعرضت له مدينة هيروشيما اليابانية عندما قصفها الأمريكيون بالقنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية.
وبدورهِ، يكتسب موقف الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا منْ حربِ إسرائيل ضد قطاع غزة رمزية أخرى لا تقل أهمية عن رمزية كولومبيا، إذ تحدد البرازيل نسبيا السياسة الخارجية لعدد من دول أمريكا الجنوبية بحكم ثقلها الإقليمي. وندد الرئيس البرازيلي بالعدوان الإسرائيلي، غير أنه يوم 18 شباط/فبراير الماضي، أدلى بتصريحات قوية قائلا إن ما يجري في قطاع غزة هو حرب بين جيش مجهز جدا ضد أطفال ونساء «لقد حصل هذا مع هتلر ضد اليهود إبان الحرب العالمية الثانية». تصريحات لولا دا سيلفا كان وقعها كبيرا على إسرائيل والغرب، وطالب البيت الأبيض في اليوم الموالي من الرئيس البرازيلي الاعتذار عن تلك الكلمات، لكنه رفض وأصّر عليها. وركزت واشنطن على دا سيلفا وعيا بوزنه السياسي الإقليمي والدولي.
دولة الأبارتيد الجديدة
وتستمر فنزويلا في دعمها المطلق للقضية الفلسطينية. وخلال حرب الإبادة الحالية، لم يتردد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في وصف إسرائيل «بدولة الأبارتيد الجديدة». وحافظ رئيس بوليفيا لويسي أرسي على مواقف سلفه إيفو موراليس وأقدم على قطع العلاقات مع إسرائيل. وكانت بوليفيا أول دولة تعلن تأييدها للدعوى التي تقدمت بها جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية ضد جرائم إسرائيل المرتكبة في حق الفلسطينيين.
إضافة إلى مواقف الرؤساء، تعد دول أمريكا اللاتينية من أبرز المناطق في العالم التي تشهد تظاهرات مستمرة دعما للقضية الفلسطينية، لاسيما احتضان حركات اليسار لهذه القضية.
وعمليا، يعتبر قادة بعض دول أمريكا اللاتينية السباقين إلى كسر الموضوع المحرم في العلاقات الدولية والمتمثل في مقارنة ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين بممارسات النازية ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية.
ولا يمكن فهم موقف هذه الدول بمعزل عن التطورات السياسية العميقة التي شهدتها المنطقة منذ ثمانينات القرن الماضي، تطورات تتميز باستقلالية عن الغرب خاصة عن واشنطن في المواقف بشأن القضايا الدولية.
علاوة على هذا، لا يأبه رؤساء ومثقفو منطقة أمريكا اللاتينية بتهمة «معاداة السامية» إذ لم تشهد المنطقة تمييزا بين معتنقي الديانات السماوية الثلاث، وكما يقول النحويون تهمة «معاداة السامية» لا محل لها من الإعراب. وفشلت إسرائيل في تكرار تجربة توظيف «معاداة السامية» كما وظفتها في أوروبا والولايات المتحدة.
في الوقت ذاته، اعترفت معظم دول أمريكا اللاتينية بالدولة الفلسطينية منذ سنوات طويلة، وتأتي مواقفها المساندة لفلسطين متفقة مع هذا الاعتراف. وتشعر إسرائيل بالهزيمة الحقيقية في أمريكا اللاتينية، لاسيما وأن نفوذ هذه المنطقة يتنامى في العالم. وكانت دبلوماسية الكيان قد قدمت مؤخرا تفسيرا غريبا لهذا الموقف قائلة بأن «أمريكا اللاتينية تجهل الواقع الحقيقي في الشرق الأوسط».
وعموما، تعد القضية الفلسطينية من القضايا التي عززت بها أمريكا اللاتينية استقلاليتها السياسية والثقافية عن الولايات المتحدة. وهذا المعطى هو جزء من التغيير الحاصل في الخريطة الجيوسياسية العالمية لصالح الجنوب.