ليس صحيحا أن ما يأتي من جانب أمريكا هو الشّرّ ذاته. ولم يعد صحيحا أن أمريكا ‘تغوّلت’ على العالم و’تغوّطت’ على جغرافيته، فنشرت الحروب وأجّجت ‘جهنّم’ المآسي الإنسانية.. هناك صورة ‘ملائكيّة’ لأمريكا غير تلك الصوّر التي تتزاحم في الذاكرة العربية، من صورة الشيطان الذي يضرب بصولجان لعنة الفيتو على ‘رأس’ القضية الفلسطينية منذ عقود، وصورة ذلك الوحش الذي يزرع الخراب في أفغانستان، وصورة الوحش الذي تفنّن في إهدار القيمة الإنسانية للإنسان في العراق، وصورة.. فقد أصدر في أمريكا ‘ المركز القومي للتشرد الأسري’ تقريره بتاريخ الثالث عشر من شهر ديسمبر، تحت عنوان ‘أصغر المنبوذين سِنّاً في أمريكا سنة 2010’، حيث جاء أن ‘واحداً من كل 45 طفلاً أمريكياً، يعيش حياة التشرد بعيداً عن الاستقرار العائلي. . وأن عدد الأطفال المشردين، وأغلبيتهم دون سن السابعة، ازداد منذ سنة 2007 بنسبة تفوق 50′ في أكثر من 15 ولاية أمريكية’. ويؤكّد التقرير أنه على الرغم فظاعة القضية وارتباطها بالطفولة تحديدا فإن التخطيط والسياسات العامة المتبعة في معظم الولايات الأمريكية محدودة للغاية وتهوّن من حجم القضية الحقيقي. ويورد التقرير إيجازا للنتائج التي توصّل إليها، وهذا بعض ما ورد:- هنالك 6 .1 مليون طفل أمريكي مشردون، أو واحد من خمسة وأربعين، خلال سنة واحدة.- يعادل ذلك أكثرَ من 30 ألف طفل كل أسبوع، وأكثر من 4400 كل يوم.- يعاني الأطفال الذين يعيشون التشرد، من الجوع، واعتلال الصحة الجسدية والعاطفية، وفقدان فرص التعليم.
وحتى ندرك حجم التضحية التي تقوم بها أمريكا من أجل أطفالنا وشعوبنا، على حساب أطفالها ممن هم دون سن السابعة، لنقرأ ما كتبته صحيفة ‘كريستيان ساينتس مونيتور’ عن ايلين باسوك، رئيسة المركز القومي للتشرد الأسري، في نيدهام، بماساتشوستس، قولها: ‘إن كنتم مؤمنين بأن الأطفال هم مستقبل بلادنا، فينبغي أن يساوركم القلق لأن هؤلاء الأطفال المشردين، أصبحوا شيئاً فشيئاً جزءاً بارزاً من عالم ثالث آخذ بالبزوغ في أفنية منازلنا’. أمريكا ليست قلقة على أطفالها ‘المشرّدين’ ولكنها في منتهى القلق على أطفال أفغانستان.. فمن قال أن أمريكا التي أنفقت في العراق أكثر من 800 مليار دولار حسب مراكزها الرسمية وأكثر من 3.5 تريليون دولار حسب مصادر أمريكية غير رسمية.. من قال أن أمريكا تعمل من أجل مصالحها، أليست المصلحة الأمريكية في مواطنيها، ولا أعتقد أن أمريكا التي تُحرّر الشعوب من الديكتاتوريات تحقيقا لمواطنة إنسانية عادلة، تقيم تفرقة بين مواطنيها.. إلا إذا كانت أمريكا تعمل لمصالح أمريكا أخرى متخفية وبعيدة عن كشافات الإعلام والصحافة.. والأكيد أن ما أنفقته أمريكا في الحروب على جغرافية العرب والمسلمين كانت أكثر من كافية لإعمار أكثر من نصف قارة إفريقيا، وأيضا كانت كافية ليس فقط للقضاء على التشرّد في أمريكا بل للقضاء على كل أنواع التشرّد والفقر الأمريكي، فهناك إحصائيات غير رسمية ‘تزعم’ أن أكثر من 40 مليون أمريكي يعيشون أفظع حياة التشرّد، أي ما يقارب ضعف تعداد سكّان العراق، ومع ذلك اختارت أمريكا ‘تحرير’ شعب العراق من الديكتاتور ولم ‘تقلق’ على أكثر من 40 مليون أمريكي يحيون تحت وطأة أكبر ديكتاتور عرفته البشرية (التشرّد، الضّياع، الأمراض..). ربما أن مشكلة أمريكا ليست في مشرّديها بل مشكلها في التشرّد الأمريكي ذاته.. وفهم دواعي ‘التضحية’ الأمريكية بأطفالها وشبابها من أجل العرب، يجب أن يكون من داخل مختبرات علمية مُطهّرة من ‘السياسة’.. ولا أملك إلا القول: كم ظلمناك أيتها المسكينة.. أمريكا.
محمد ياسين رحمة