أمريكا تنسحب من سوريا إلى شمالها الكردي

حجم الخط
1

كشفت حادثة قصف طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة موقعاً لقوات الأسد في دير الزور، عمق الخلاف، حول التعاون مع روسيا في الصراع السوري، بين المؤسسة العسكرية الأمريكية والبيت الأبيض الذي يستعد باراك أوباما لإخلائه بعد أشهر قليلة.

الاعتذار الذي سارعت واشنطن إلى تقديمه، مع إعلان الاستعداد لتقديم تعويضات مالية لذوي ضحايا القصف، أراد الحد من تداعيات هذا الخلاف الذي لم يعد خافياً على أحد، على التفاهمات “السرية” مع موسكو حول الهدنة، ومن خلالها مصير سوريا عموماً.

القصف الأمريكي – البريطاني – الأسترالي المشترك لموقع قوات النظام قرب مطار دير الزور، استهدف، إذن، قبل كل شيء، التعاون العسكري – الاستخباري بين واشنطن وموسكو وفقاً لتفاهمات كيري – لافروف، ذلك التعاون الذي يعاند العسكريون الأمريكيون في عدم الانخراط فيه. وجاء الرد الروسي سريعاً من خلال قصف الطيران الروسي – الأسدي لقافلة المساعدات الأممية في الأتارب غرب مدينة حلب. كان من شأن هذه الجريمة الموصوفة أن تنهي اتفاق الهدنة بصورة نهائية، الأمر الذي أعلنه النظام الكيماوي بعد أسبوع لم يلتزم فيه بمتطلباتها يوماً واحداً، لولا إصرار جون كيري، وأوباما من ورائه، على “إعادة الروح” إليها.

الاتفاق الأمريكي – الروسي الذي تم الإعلان عنه، في التاسع من شهر أيلول، باحتفالية الفودكا والبيتزا الشهيرة، شغل الإعلام في الأيام اللاحقة بوصفه اتفاقاً “تاريخياً” أو “الفرصة الأخيرة”، اتضح أنه أكثر هشاشة بكثير من البهرجة الإعلامية التي رافقته. فهو يقوم على تسليم أمريكي كامل لـ”الرؤية الروسية” القائمة على “الحل الشيشاني”: إضعاف الفصائل العسكرية المعارضة بجميع الوسائل الممكنة وصولاً إلى استسلامها، مع حرب استئصال ضد أقوى فصائلها: جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) مع حلفائها من أحرار الشام وغيرها من الفصائل التي لم تعلنها واشنطن، بعد، “إرهابية”. وذلك من خلال تكريس قطع خطوط الإمداد في الكاستيلو شمالاً والراموسة جنوباً، مع حرب إبادة روسية – أسدية ضد حلب المحاصرة.

وعلى رغم الأخبار المتواترة عن تعزيزات روسية وميليشيات شيعية حليفة، لإطلاق معركة جديدة للسيطرة على حلب الشرقية المحاصرة، من الصعب توقع سقوط سريع لها بيد النظام وحلفائه. ومن المحتمل أن يطبق على شرقي حلب ما سبق تطبيقه في داريا وحي الوعر في حمص، من تهجير جماعي مدني – عسكري، أو هذا ما يأمل النظام وحليفه الروسي بتحقيقه في الوقت الضيق المتبقي قبل رحيل إدارة أوباما. هذا يعني أن الترتيبات بخصوص حلب التي احتلت جزءاً كبيراً من وثائق التفاهم الأمريكي – الروسي، وقامت أساساً على الرؤية الروسية، أفشلت من قبل الروس أنفسهم، بمعية تابعه في دمشق، لإفراغها من أي عناصر “إيجابية” كإدخال المساعدات الإغاثية عن طريق الكاستيلو. وربما أغرى القصف الأمريكي لقوات الأسد في دير الزور والاعتذار الذي تلاه، فلاديمير بوتين باستغلال الخلاف الداخلي بين البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية الأمريكية، ومشهد الضعف الناتج عنه، لكسب مزيد من النقاط الميدانية من خلال الفوز بالجائزة الكبرى المتمثلة في السيطرة على حلب. فإذا أضيف هذا إلى إفراغ داريا، وآخر بقايا المعارضة في مدينة حمص (حي الوعر) تمكن الروس من وضع خارطة جديدة للصراع في سوريا أمام الإدارة الأمريكية القادمة، جمهورية كانت أم ديمقراطية.

لا تملك إدارة أوباما أي خطة بديلة، في مواجهة فشل التفاهم مع موسكو، باستثناء الانسحاب كلياً من المسألة السورية.

الانسحاب إلى أين؟

إلى الشمال..

هذا ما تخبرنا به التطورات الميدانية والسياسية في الريف الشمالي لحلب، والشمال الكردي الممتد إلى الحدود السورية – العراقية – التركية. فما يحدث في هذه المناطق يبدو منفصلاً تماماً عما يحدث في العمق السوري، وكأننا إزاء أرض منفصلة تعالج مشكلاتها بمنطق مختلف. هنا القوى الفاعلة هي تركيا والقوات الكردية المقنَّعة بقناع “قوات سوريا الديموقراطية” وداعش وفصائل معارضة مسلحة تنسق عملياتها مع الجيش التركي، و.. الولايات المتحدة!

لم يكن رفع العلم الأمريكي فوق عدد من المباني (اختصر لاحقاً إلى علم واحد) في بلدة تل أبيض الحدودية الواقعة تحت سيطرة الحزب الكردي حدثاً عادياً. فبعد تصريحات متضاربة، اعترف الأمريكيون أنهم هم الذين رفعوا العلم فوق مبنى تستخدمه قواتهم الخاصة المتواجدة هناك لدعم قوات سوريا الديموقراطية. إنها رسالة متعددة إلى الأتراك والروس وتابعه السوري معاً.

تخاطب الرسالة الأتراك ليكتفوا بما حققوه في جرابلس والراعي، ولا يفكروا بالاقتراب من المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات، وربما للتوقف عن التوسع خارج الجيب الذي احتلوه بين جرابلس وإعزاز، باتجاه منبج و/أو الباب، على حساب “سوريا الديموقراطية” المحمية من واشنطن.

ويبدو أن موسكو سلمت للأتراك بالشريط العازل، وللأمريكيين بشمال البلاد عموماً. في وثيقة التفاهم الأمريكية – الروسية التي تم تسريب نصها إلى الصحافة، بندٌ نشاز، وهو الوحيد، بين بنود الوثيقة، الذي يأتي على ذكر “الميليشيا الكردية”:

“في الجانب الشرقي من الكاستلو في الخارطة المتّفق عليها، ستتحرّك المعارضة اعتماداً على الإجراءات التي ستتخذها وحدات المليشيا الكردية: إذا تواجد الأكراد جنوب الكاستلو؛ فستبقى المعارضة في مكانها، وإذا تراجع الأكراد 500 متر جنوباً؛ فسيتمّ تحديد المنطقة المخلاة كمنطقة “منزوعة السلاح”، وستتراجع مجموعات المعارضة، بدورها، 500 متر إلى الشمال من الكاستلو.”

ففي الوقت الذي يتفق فيه الطرفان الأمريكي والروسي على تدابير محددة، بشأن ممر الكاستيلو، على قوات النظام والمعارضة الالتزام بها، يترك أمر القوات الكردية، في المنطقة، لاحتمالات “إذا.. وإذا”! هذا يعني أنها غير معنية بالالتزام بترتيبات الهدنة، وهي التي تقرر مدى انسحابها من قرب الكاستيلو، تسهيلاً لإدخال المساعدات التي اتضح أن الروس والنظام لن يسمحا بمرورها إلى حلب التي يعدان العدة لاحتلالها.

الورطة التركية

لا يعرف، إلى الآن، أفق للعملية العسكرية التركية المسماة “درع الفرات”: متى تعتبر تركيا أن قواتها “أنجزت المهمة” فتنسحب إلى داخل الحدود التركية، أو تحتفظ بقواعد عسكرية دائمة في الداخل السوري؟ فتصريحات الساسة الأتراك والمعلومات المتداولة في الإعلام تتحدث عن أهداف متباينة كالسيطرة على منبج وطرد القوات الكردية منها، أو الهجوم على داعش في الباب، أو المشاركة في معركة تحرير الرقة، بشرط استبعاد القوات الكردية منها، أو حديث الرئيس أردوغان عن هدف توسيع منطقة السيطرة التركية في العمق السوري بما يصل إلى خمسة آلاف كيلومتر مربع..

تتحدث التقديرات عن وجود نحو أربعة آلاف مقاتل لتنظيم الدولة (داعش) في مدينة الباب قرب حلب، وعن تحصينات قوية أقامها التنظيم حولها. لذلك من المحتمل أن تتردد أنقرة كثيراً قبل اتخاذ قرار بالهجوم على الباب، بمعية 1800 مقاتل فقط من فصائل المعارضة المتعاونة معها. فهذا القرار المتهور قد يتطلب دخول قوات برية تركية لتعديل الخلل بين قوة داعش المتحصنة في المدينة وضعف الفصائل المهاجمة، الأمر الذي يتطلب بحد ذاته اتخاذ قرار صعب. فمعركة جرابلس السهلة التي انسحب فيها داعش بلا قتال، كلفت الجيش التركي تدمير أو إعطاب ست دبابات، في المراحل التالية التي شهدت بعض معارك الكر والفر بين فصائل المعارضة المدعومة تركياً وداعش، وبينها وبين القوات الكردية. هذا يعني أن التقدم نحو الباب قد يكلف الأتراك وحلفائهم السوريين خسائر كبيرة جداً. فمن المحتمل ألا يقتصر قتالهم على داعش، بل أن يشمل، من جهة أخرى، القوات الكردية.

أضف إلى ذلك أن تقدم القوات المدعومة تركياً باتجاه الباب و/ أو منبج، سيترك فراغاً في الخلف يمكن لقوات داعش أن تعود إلى ملئها، كما حدث أكثر من مرة، منذ معركة بلدة الراعي. هذا يتطلب أيضاً انخراطاً للقوات البرية التركية، بأعداد كبيرة، لتأمين ظهر القوات المتقدمة، بالنظر إلى قلة عدد مقاتلي المعارضة المشاركين في “درع الفرات”، بعد انشقاقات شملت عدة فصائل كانت مشاركة في العملية، احتجاجاً على دخول قوات أمريكية مع القوات التركية. بل إن أخباراً جديدة تتواتر عن ضغط أمريكي، هذه المرة، على بعض الفصائل، للانسحاب من العملية. فإذا صحت هذه الأخبار، فهي تعني ضغطاً من واشنطن على أنقرة لتحجيم دورها في شمال محافظة حلب، ولإزالة أي أوهام تركية بصدد التقدم نحو الباب أو منبج.

موقف حزب الاتحاد الديموقراطي

كان لافتاً تصريح رئيس الحزب صالح مسلم التي قال فيه إنه لا نوايا لدى الحزب بإنشاء دولة كردية في شمال سوريا! بدا هذا التصريح وكأنه يهدف إلى طمأنة بعض القوى والجهات الفاعلة، كتركيا والنظام السوري والمعارضة السورية وإيران. ذلك لأن الحزب لم يطرح سابقاً فكرة الدولة المستقلة، فضلاً عن أنها غير واقعية. بل اكتفى بإعلان الفيدرالية لمنح سيطرته العسكرية غطاء سياسياً. فإذا قرأنا هذا التصريح الغريب مع زيارة صلاح الدين دمرتاش – رئيس حزب الشعوب الديموقراطي في تركيا – إلى أربيل، وطلبه من رئيس الإقليم الفيدرالي مسعود البارزاني التدخل لدى تركيا لإعادة الحياة إلى العملية السياسية، أمكننا القول أن حزب العمال الكردستاني الذي تلقى ضربات موجعة من الجيش التركي، داخل تركيا وفي جبال قنديل معاً، وأصبح يتلقى انتقادات من قاعدته الاجتماعية في المجتمع الكردي، بات يبحث عن التهدئة مع الأتراك، على الأقل في الداخل التركي.

أما في الموضوع السوري، فقد غيرت الحكومة التركية أولوياتها في سياستها السورية، فأصبحت قابلة لبقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، وتركز كل جهدها الآن على تأمين حدودها الجنوبية وإبعاد شبح “الكوريدور الكردي المحمي أمريكياً”. من المحتمل أن حزب صالح مسلم قد سلم، بدوره، بالإسفين التركي الفاصل بين عفرين وكوباني. لكن من شأن تقدم قوات تركية باتجاه منبج أو الباب أن يعيد الصدام بينها وبين القوات الكردية. الأمر الذي من شأن واشنطن وحدها أن تحسم من الجهة المسموحة بسيطرتها في تلك المناطق.

من المحتمل، أخيراً، أن القوات الكردية التي أحست بخذلان حليفها الأمريكي، بعد بداية عملية درع الفرات، لن تكون متحمسة للمشاركة في معركة تحرير الرقة. فما الذي يغريها بتقديم تضحيات كبيرة، إذا كان مصيرها مغادرة المدينة وتسليمها لقوى أخرى؟

الخلاصة

اتفاق كيري – لافروف الذي ما زالت بعض فصوله سرية، بناء على طلب الطرف الأمريكي، هو تسليم أمريكي شبه كامل لروسيا برسم مصير سوريا، مقابل إمساك واشنطن بتفاعلات الشمال بين القوات الكردية والتركية والفصائل المعتدلة وداعش، في استراتيجية تقصر اهتمامها على “محاربة الإرهاب”، وتجد في القوات الكردية حليفها الميداني الأكثر أهلاً للثقة. أما الجانب المتعلق بإقامة غرفة عمليات مشتركة أمريكية – روسية لمحاربة داعش والقاعدة، فهذا ما يبدو بعيد المنال لكل من بوتين وأوباما معاً، بسبب الموقف الصارم للمؤسسة العسكرية الأمريكية في رفض أي تعاون عسكري – استخباري مع الروس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية