عباس واعدا بالعمل على تشكيل حكومة وفاق وطني
انقضى أسبوع آخر في فلسطين المحتلة ميزه هذه المرة بداية انخراط إدارة الرئيس الأمريكي الجديد بايدن وعبر وزير خارجيته أنتوني بلينكن بهموم المنطقة، جاء ذلك بعد انقطاع امتد لأكثر من خمس سنوات قضاها الفلسطينيون معزولين مرفوضين من إدارة سلفه ترامب.
هذا الحضور حمل أخبارا جيدة للسلطة الفلسطينية ولا سيما وأنه سبقه اتصال هاتفي بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس الأمريكي جو بايدن، بالإضافة إلى تصريح الأخير الذي تضمن مطالبة بأن يتم «الاعتراف بمحمود عباس رئيسا للسلطة الفلسطينية» حيث عد ذلك بمثابة التحول الأهم بالنسبة للسلطة في رام الله التي عاشت لفترة طويلة هادئة تراقب تآكل مشروعيتها وهو ما تعاظم في فترة العدوان الأخير على قطاع غزة.
زيارة وزير الخارجية الأمريكي لكل من إسرائيل ورام الله وعمان تخللها الكثير من التطورات على صعيد علاقة واشنطن مع السلطة الفلسطينية، ودورها في رعاية وقف إطلاق النار الذي نفذ عبر تحرك مصري، وحديث عن دور أمريكي في إعادة الإعمار لقطاع غزة، وأخيرا التمهيد لانطلاقة جديدة في ملف عملية السلام المتوقف منذ سنوات كثيرة.
في المؤتمر الصحافي المنعقد في مقر المقاطعة في مدينة رام الله قدم عباس رؤيته لما يريده من الإدارة الأمريكية الجديدة، فهناك مطلب تثبيت التهدئة في غزة ووقف إطلاق النار، بالإضافة إلى وقف اعتداءات المستوطنين المتطرفين المدعومين بقوات الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة في مدينة القدس المحتلة، ومنع الاستيلاء على منازل المواطنين الفلسطينيين وطردهم من أحياء مدينة القدس في الشيخ جراح وسلوان، وتقديم المساعدات للشعب الفلسطيني، من خلال بوابة السلطة، والعمل على تمهيد الطريق للبدء الفوري لمسار سياسي ينهي الاحتلال الإسرائيلي، تحت إشراف اللجنة الرباعية الدولية، وعلى أساس قرارات الشرعية الدولية.
في المقابل تعهد عباس بالتزام الجانب الفلسطيني بالمقاومة الشعبية السلمية ونبذ العنف بكافة أشكاله، واعدا وزير الخارجية بالعمل على مواصلة المساعي لإنجاز الحوار الوطني لتشكيل حكومة وفاق وطني تضم الجميع وتكون ملتزمة بالشرعية الدولية.
وزير الخارجية الأمريكي ركز على أهمية تثبيت وقف إطلاق النار والتعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة لدعم جهود إعادة الإعمار وخلق أفق سياسي، يلبي طموح الفلسطينيين والإسرائيليين والحفاظ بشكل متساو على كرامتهم وحريتهم وأمنهم، والتأكيد على حل الدولتين واحترام الوضع القائم في الحرم الشريف ومنع تهجير الفلسطينيين من القدس، ووعد بالعمل على تعزيز العلاقات الثنائية مع السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
حضور متأخر
المحلل السياسي خليل شاهين يرى في قدوم وزير الخارجية الأمريكي إلى رام الله ولقاءه محمود عباس إلى جانب لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي والملك الأردني عبد الله الثاني بمثابة مؤشر على سياسة أمريكية جديدة مختلفة عن تلك التي قاربها الرئيس السابق دونالد ترامب.
تأتي هذه السياسة بحسب شاهين بعد أن كانت هذه الإدارة ترى أنه «يمكن أن يتم تأجيل أو ترحيل ملف القضية الفلسطينية لاحقا. أي بعد العمل على تحقيق إنجازات أمريكية داخلية أو في الملفين الصيني والإيراني».
أمام سياسة التأجيل في التعامل مع القضية الفلسطينية يرى شاهين، الذي يعمل مدير البحوث والسياسات في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية «مسارات» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يتصرف ويقوم بالبناء على السياسات التي كرسها الرئيس الأمريكي السابق ترامب، أي على مبدأ «حسم الصراع وليس إدارته» وهو ما أجج الوضع وقاد لانتفاضة عارمة في عموم فلسطين المحتلة.
في ضوء ذلك فإن الحضور الأمريكي للمنطقة الذي جاء متأخرا فرض فرضا على الإدارة الأمريكية بفعل ضغوط ناتجة عن تحرك المجتمع الدولي ومجلس الأمن، وهو ما أحرج إدارة بايدن الديمقراطية التي تدعي أنها تدافع عن المبادئ الدولية وحقوق الإنسان بحسب شاهين الذي يضيف «الرئيس الأمريكي كان قلقا على إسرائيل وهو ما دفعه لمزيد من الضغط على نتنياهو للتهدئة التي أصبحت تصب في مصلحة إسرائيل».
فلسطينيا، جاء تحرك الإدارة الأمريكية بعد أن استمر تراجع شعبية محمود عباس وسلطته أمام تعاظم قوة حركة حماس وتزايد شعبيتها المرفوعة بالمطلب الشعبي للدفاع عن مدينة القدس، وبالتالي كان هدف التحرك الأمريكي «إيقاف عملية الفراغ السياسي، وتآكل شرعية السلطة الفلسطينية».
الدكتور مصطفى البرغوثي، أمين عام المبادرة الفلسطينية قال في تصريح صحافي أن هذا التحرك وكل مخرجاته ليس على قدر التطلعات ولا الآمال الفلسطينية، «فلا يمكن لأمريكا أن تكون وسيطا وبنفس الوقت طرفا منحازا للكيان الإسرائيلي وتدافع عنه».
تحرك من محاور أربعة
ويرى المحلل شاهين أن الواقع يقول أن الإدارة الأمريكية لم تبلور حتى اللحظة رؤية أو خريطة واضحة بشأن عملية سياسية ذات معنى، هنا يشترط البرغوثي أنه كي يتحقق ذلك فإن الإدارة الأمريكية مطالبة بالعمل على أن يكون مشروع عملية السلام قائما على أساس إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإلغاء نظام الفصل العنصري الممارس من دولة الاحتلال، ومن دون ذلك سنكون أمام تكرار واجترار لأخطاء سابقة.
ويرى شاهين أنه حتى لو كانت هناك خطة أمريكية متبلورة فإن الواقع السياسي في إسرائيل ومعطياته تقول أن التوقعات تدلل على أن الإسرائيليين في طريقهم لانتخابات خامسة في أيلول/سبتمبر المقبل، وعليه فإن نتنياهو سيرفض السير في تلك الخطة متذرعا بعدم وجود حكومة إسرائيلية شرعية، وهي نفس الحجة التي تذرع بها لمنع إجراء الانتخابات الفلسطينية التشريعية في مدينة القدس في حين أنه دخل حربا فعلية على قطاع غزة قبل أيام.
وعن توقعاته لما يمكن أن تقوم به إدارة بايدن على المدى البعيد يلخص شاهين ذلك في محاور أربعة أولها: استمرار الضغط على إسرائيل بعدم الذهاب إلى مزيد من الاستفزاز للفلسطينيين في القدس وغزة، وثانيا: العمل على ملف إعادة إعمار القطاع ومنح السلطة استثمارا سياسيا في هذا الملف، بحيث يمنح للسلطة في رام الله الكلمة الأولى في ملف إعمار القطاع وثالثا: إعادة ملف العلاقات مع السلطة الفلسطينية وهو ما يتطلب إجراءات قانونية واستئناف الدعم المالي وفتح القنصلية شرقي القدس. ورابعا: العودة لمقاربة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري (خلال فترة حكم أوباما) بالعمل للسعي لمفاوضات تقريبية من خلال التنقل بين الطرفين بحثا عن نقاط التقاء واكتشاف أماكن تهيئة الأجواء.
البرغوثي يرى أن هذه مقاربة خطيرة لكونها تتضمن دق «إسفين» بين القوى الفلسطينية، حيث تسعى المقاربة الأمريكية لملف إعادة إعمار غزة على سبيل المثال إلى عزل حماس بصفتها سلطة هناك ومنح السلطة في رام الله لملف إعادة الإعمار في تجاهل تام لمن يسيطر على المنطقة هناك.
ويضيف البرغوثي أنه لا يمكن النظر إلى أن هناك إنجازات مهمة في الملفات التي فتحها وزير الخارجية، لكونها تتجاهل أهم المسائل متمثلة بضم الجولان، والقدس المحتلة، وفتح السفارة هناك.
وكان وزير الخارجية بلينكن قد أعلن أنه سيقوم بفتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، وأنه سيعيد دعم ميزانية السلطة الفلسطينية عبر تقديم 75 مليون دولار مساعدات ومشاريع تنمية، ومبلغ 5.5 ملايين دعم إغاثي، ومبلغ 32 مليون دعم للأونروا.
وبالنسبة للسلطة بحسب شاهين فإنها ترى في المقاربة الأمريكية بمثابة «تغير إيجابي» فالسلطة اليوم عينها على «البقاء في السلطة» من خلال عدم الذهاب في مواجهة واسعة مع قوات الاحتلال، والاستمرار «بوهم إيجاد عملية سياسية» فما جرى في غزة أثمر لدى رئيس السلطة الذي زاره قبل أيام على سبيل المثال أكثر من سبعة ووزراء خارجية عرب وأجانب، وهذا ما يعتبر بمثابة مد في روح السلطة وتزويدها بالمزيد من الأوكسجين.
ويتابع شاهين «كل ذلك يشجع الرئيس الفلسطيني على استمراره القفز عن موضوع الانتخابات وتجاهله نهائيا في ضوء الموافقة الأمريكية وتراجع واقع فتح والسلطة في الضفة الغربية».
والبديل الذي يطرحه عباس الحديث عن حكومة فلسطينية جديدة، يشدد شاهين على أنها حكومة تقفز عن مسألة كونها «حكومة وحدة وطنية» إلى «حكومة توافق وطني» فالرئيس شخصيا لا يريد أي وزير لا يلتزم ببرنامجه، وهذا يعني أنه لا يريد شخصيات محسوبة على حركة حماس في أي حكومة جديدة، سيقتصر الأمر على اشراك حماس في مشاورات داخلية من دون أي انخراط حقيقي في عمل الحكومة.
أما عن السؤال الذي يطرح اليوم على إيقاع التحرك الأمريكي هو: هل تخرج الحالة الفلسطينية من عنق الزجاجة أمام سياسة إضاعة الوقت في انتظار وعود تجديد مسار عملية السلام الدخول بعملية تفاوضية جديدة تفرض أجندة على مكونات النظام السياسي الفلسطيني جميعها، من دون انتخابات فلسطينية وفي ضوء استمرار حكم حماس للقطاع والسلطة للضفة الغربية؟
استثمار الضغط الشعبي
يجيب المحلل خليل شاهين على هذا السؤال مؤكدا أنه من دون ضغط شعبي حقيقي وكامل لن يتم تحقيق ما يطمح الشارع إليه والمتمثل بحكومة وحدة وطنية «طرفي الانقسام حاليا غير مستعدين لدفع ثمن هذه الوحدة، وبالتالي ستسعى حماس للتعامل بمرونة في ملف إعادة الإعمار من دون التنازل عن سيطرتها على غزة بفعل انتصارها الأخير، وستلعب السلطة بالشرعية الخارجية وبكل ما يضمن لها البقاء إلى حين الدخول بعملية السلام».
أما البرغوثي فيؤكد أن كل ذلك سيعمق شق الصف الوطني الفلسطيني الذي وحدته الأحداث الأخيرة وأيام العدوان، والمطلوب اليوم هو الدعوة إلى اجتماع عام يضم الأمناء العامين لكل الأحزاب والفصائل الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية ليتحدد الموقف الفلسطيني وفق استراتيجية تقوم على المجابهة بقيادة موحدة من دون أن نسمح لأحد أن يفرض علينا شروطه وإملاءاته.
أما شاهين فيرى أننا نحتاج اتحاد قوى تؤمن بالتغيير وبالوحدة الوطنية، على أن يتم ترجمة ما تؤمن به من خلال حراكات ميدانية مختلفة ومتنوعة تضغط على القوى السياسية والحزبية والاقتصادية التي تتحقق مصالحها باستمرار الانقسام وبقاء الوضع على ما هو عليه حاليا.
من دون ذلك الضغط المتواصل لا يمكن أن يحدث اختراق بالحالة الفلسطينية الداخلية حيث تتبلور أطروحات الغير (الأمريكيين هنا) فيما الرؤية الفلسطينية الموحدة ستبقى الغائبة دوما، وسيستمر التعامل مع الحراك الأمريكي بصفته حالة إلهاء وتأجيل لكل ما يجب علينا مناقشته داخليا لنخرج به إلى العالم أجمع.