القاهرة ـ «القدس العربي»: لا تمر ساعة من نهار إلا ويثبت الشعب الفلسطيني أنه الأحق بالحياة، إذ لم يكف كل من ولد ما بين البحر والنهر، منذ زمن النكبة عن النضال من أجل استعادة الحق المسلوب، بقرار دولي جائر وصمت عربي وإسلامي مهين. وبينما تشهد الأيام الأخيرة هجوما على المقاومة الفلسطينية من أصوات دأبت على أن تتلقى الأوامر من الخارج، عم الفرح والتقدير الجارف أوساط أنصار القضية، والمتألمين لمعاناة ما يزيد على مليوني غزاوي يواجهون الإبادة، بيقين لا يتزعزع وثقة في مراد الله بقرب كنس المحتل الصهيوني وداعميه وعودة فلسطين الأبية..
أما الفرح الذي بدد اليأس باستحالة هزيمة ذلك الشعب، مهما أرسل مجرمو الحرب في البيت الأبيض من عتاد لبرابرة الكيان فمرده، كشف النقاب عن العملية العبقرية التي نفذها مؤخرا المقاوم الفلسطيني أنس محمد شبانة، الذي كلفه والده قائد لواء رفح محمد شبانة بعملية نوعية، نجح خلالها الابن في القضاء على خمسة عشر جنديا إسرائيليا، ليضرب الابن مثلا على البسالة والفداء، والأب مثلا على التضحية بثالث أبنائه ضاربا القدوة بأن كل الفلسطينيين سواء في سبيل تحقيق الحلم الثمين. وتوقع العميد محمود محيي الدين الخبير العسكري، تطورا لافتا في مجريات المعارك على الجبهات كافة، وأشار إلى أن الضفة الغربية تشهد تصعيدا عسكريا إسرائيليا غير مسبوق، خلال الساعات الماضية، لافتا إلى اقتحام جيش الاحتلال 6 محافظات في الضفة، بما في ذلك رام الله. ولفت خلال تصريحات تلفزيونية الانتباه إلى سابقة جديدة لم تحدث من قبل تمثلت في قصف طائرة مقاتلة إسرائيلية لمبنى في الضفة الغربية، بزعم وجود ناشطين من الجهاد الإسلامي، وأوضح أن الضفة الغربية تعيش «أزمة كبيرة جدا»، دفعت السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس إلى حالة من الحذر الشديد، بسبب تحريض سموتريتش وزير المالية المتطرف في حكومة الاحتلال، وبن غفير وزير الأمن – وهما من أبناء الضفة الغربية – على احتلال الضفة الغربية. وأوضح أن سموتريتش وبن غفير يدفعان نتنياهو إلى تصفية اتفاقية أوسلو، وإنهاء ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، وإعادة احتلال الضفة الغربية بالكامل، مع تعيين حاكم عسكري وإدارة مدنية. ولفت إلى رفض وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي غالانت، إعادة احتلال قطاع غزة، نظرا لعدد السكان الكبير في غزة، كما أن المقاومة ستظل تقاتل حتى تحريرها، ولن يستسلم الفلسطينيون أمام الاحتلال. وأشار إلى ازدياد شعبية حركة حماس في الضفة الغربية، وفقا لاستطلاعات الرأي الوطنية، متجاوزة شعبيتها في قطاع غزة.
ومن أخبار الحكومة المعنية بمواجهة أزمة السكن: قال المهندس عبدالخالق إبراهيم مساعد وزير الإسكان، إن وزارة الإسكان في صدد دراسة إنشاء شركة بالشراكة مع القطاع الخاص لتنشيط ملف الإيجارات للوحدات السكنية المغلقة. وأشار مساعد وزير الإسكان إلى أنه توجد ملايين الوحدات الشاغرة غير المستغلة ما يستدعي الاستفادة منها.
أكاذيب أمريكية
كررت الولايات المتحدة ومعها دول غربية عديدة شعار ضرورة حماية المدنيين في قطاع غزة، وهو الشعار الذي كررته أمريكا بصيغ مختلفة قبل اجتياح إسرائيل لرفح، وطالبتها بحماية المدنيين، واعتبرت أنها لا تبذل الجهد الكافى لحمايتهم، وفي الوقت نفسه، وفق ما أوضح عمرو الشوبكي في “المصري اليوم”، رفضت أن تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية، أو أنها تتعمد استهداف المدنيين. التعبيرات الرقيقة والجمل التي من نوع مطالبة إسرائيل بمزيد من الحذر للحفاظ على أرواح المدنيين، أو ضرورة زيادة حجم المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، تبدو في الحقيقة شكلية ومنفصلة تماما عما يجري في الواقع من إبادة جماعية، ومن استهداف متعمد للمدنيين الفلسطينيين. أتفهم أن يكون هناك موقف أمريكي/ غربي داعم لفكرة هزيمة حماس وتفكيك قدراتها العسكرية، إنما أن يتفرج على مشروع إسرائيلي متكامل قائم على قتل المدنيين والانتقام والتنكيل من الأبرياء، وتكتفي أمريكا بشعار «بذل مزيد من الجهد لحماية المدنيين» أمر غير مقبول. خطورة هذا الموقف أنه لم يقتصر على انحياز سياسي معتاد لإسرائيل، وتحالف بين غرب له تاريخ استعماري مع دولة استعمارية جديدة، وإنما وصل إلى تمييز بين أرواح البشر على أساس حضاري وثقافي، تمثل في الفارق الهائل بين التعامل مع المدنيين الإسرائيليين الذين سقطوا في عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والتعامل مع المدنيين الفلسطينيين الذين بلغوا حتى الآن أكثر من 35 ضعف من سقطوا للجانب الإسرائيلي.
قمة وقاع
انتهى عمرو الشوبكي إلى تلك الحقيقة الصادمة: لقد قسمت أمريكا شعوب العالم إلى «أولى» تنتمي لمنظومتها الثقافية والسياسية، تستحق الحياة والحماية، و«ثانية» لا تنتمي لمنظومتها الحضارية والسياسية، لا تستحق الحياة وبلا حقوق، إلا من بعض شعارات إبراء الذمة مثل «بذل مزيد من الجهد لحماية المدنيين». أمريكا ومعها دول غربية كثيرة استعادت مع حرب غزة مخزونا ثقافيا غربيا استعماريا كامنا في أوقات السلم، لكنه يخرج في أوقات الحرب ويحمل فيه كثير من «أهل الغرب» نظرة دونية تجاه من هم خارج الحضارة الغربية، ويعتبرون دماء الرجل الأبيض سواء كان في إسرائيل أو أوروبا أو الولايات المتحدة «درجة أولى»، وأكثر أهمية وأكثر قيمة من دماء أصحاب البشرة الملونة «الدرجة الثانية»، سواء كانوا في افريقيا أو آسيا، أو حتى أمريكا الجنوبية، وهو أمر يتجاوز مسألة الدعم العسكري أو التحالف السياسي والاستراتيجي ليصل إلى نظرة تمييزية عميقة تجاه الشعوب والثقافات الأخرى. صحيح أن هناك من داخل الغرب من ينتقد هذه العقلية، ويسعى لتغييرها أو التخفيف من وقعها، وشاهدنا مظاهرات الرفض للجرائم الإسرائيلية، وأصوات الضمير التي يطلقها كتاب وفنانون وأدباء وسياسيون وطلاب في وجه هذه المنظومة السياسية الحاكمة، إلا أنها لم تنجح حتى اللحظة في تغييرها. سيبقى شعار حماية المدنيين الذي رفعته أمريكا منذ الشهر الثاني لحرب غزة تطبق إسرائيل عكسه في الواقع ودون أي محاسبة.
الكرسي دوار
بعض الناس أكبر من أي كرسى.. وبعضهم الآخر كبير جدا عليه الكرسي وخلي بالك من نصيحة يقدمها خالد حمزة في “المشهد”: الكرسى دوار وفي منه كمان نوع زي الخازوق، بس في ناس رغم كده؛ فاكراه بيلزق ومش حيطلع منه أبدا، والحقيقة أن الكرسي – أي كرسي – الآن زي التيفال.. لا يلتصق بالقاعدة أبدا؟ وطبعا.. هناك فرق بين الجالس على الكرسي، واللي طمعان في الكرسي، واللي كل شغلته في الحياة إنه ينافق أي جالس على الكرسي.. حتى لو كان كرسي حمام، والكرسي لعنة على صاحبه يجعله يعيش في خيالات وأوهام يقظة؛ لا تضره وحده.. بل تطول من هم تحت إمرته وابتلاهم الله به.. لحكمة ما. وقديما سألوا سيدنا عمر بن الخطاب أعدل خلق الله في تاريخ الإسلام: كيف تعرف أخلاق الناس.. وكيف تعرف أن فلانا يستحق.. وفلانا لا يستحق؟ قال: إذا أردت أن تعرف معدن الإنسان الحقيقي.. أجلسه على كرسي. والقائد السياسي البريطاني تشرشل؛ كان يردد دائما: المسؤولية هي ثمن العظمة. وأنت عظيم.. إملأ فراغ الكرسي الذي تجلس فوقه. وللراحل هيكل مقولة: الشخص هو الذي يصنع اسمه.. وليس العكس. ومرة انتقدت صحافية، الأسطورة مارلين مونرو، قالت إنها معندهاش ذوق في اختيار ملابسها: تلبس خيش أحسن؟ فما كان مِن مارلين إلا أن جاءت بشوال بطاطس؛ وفصلته بهيئة فستان؛ ولبسته أمام العالم كله. لتثبت إنه ليست الملابس الغالية ولا نوع القماش.. هما سر جمالها، والأهم شخصيتها وحضورها الطاغيين. وفي حفلة عشاء كان مدعوا إليها نابليون بونابرت؛ وصل متأخرا فجلس في مكان غير مكانه. صاحب الدعوة اعتذر وقال له: هنا ليس مكانك يا سيدي، مكانك على المنصة الرئيسية. فما كان مِن نابليون إلا أن قال: حيث يجلس نابليون.. تكون المنصة.
تخاريف إعلامية
يشهد بعض الصحف القومية جنوحا من بعض قياداتها للهجوم على المقاومة، ما أسفر عن غضب عصام كامل رئيس تحرير “فيتو”: قرأت مقالا للأستاذ محمود بسيوني رئيس تحرير “أخبار اليوم” على صدر الصفحة الثالثة السبت الماضي، تحت عنوان «جاهزون لكل الاحتمالات»، وقد جاء في مقال سيادته، ما لا يخطر على قلب بشر عهدوا وعرفوا ماهية الكيان الصهيوني ودوره في المنطقة، باعتباره قاعدة عسكرية أمريكية غربية، جاءت لكي تبقى وتتمدد إلى ما هو أبعد من فلسطين. يبدأ مقالته بما تذكره من قول السيد حسن نصر الله، بعد عدوان الكيان المحتل على لبنان الشقيق عام 2006، بأنه لو علم أن اختطاف جنديين إسرائيليين سيؤدي إلى كل هذا العنف ما أقبل على ذلك، وهكذا “يبان الجواب من عنوانه”، كما يقولون.. بداية انهزامية ومختزلة وساذجة. يدلل سيادته بافتتاحيته للمقال على أن «حماس» ارتكبت حماقة في ما فعلته، إذ أن ما فعلته أدى إلى ضحايا بالآلاف من الشهداء والجرحى وعودة دبابات العدو إلى رفح، التي خرجت منها قبل تسعة عشر عاما، ليصبح هناك واقع جديد، حسب رؤية سيادته. ويرى -لا فض فوه – أن فلسطين ضحية المتطرفين ممن حولوا مدينة السلام إلى هدف لحرب دينية، بين من يحاولون هدم المسجد الأقصى، ومن يطاردون اليهود ويقتلونهم على الهوية -أي والله قال كده- وهذا يعني أن سيادته يرى دفاع أهل بلد احتلته قوة غاشمة، نوعا من القتل على الهوية. لا أعرف من أين استقى الأستاذ محمود رؤيته، أو ما هي مصادره التاريخية “الخزعبلاتية” التي اعتمد عليها في بناء وجهة نظره، وهي الرؤية التي تساوي بين شعب زارته بليل قوة احتلال من عصابات مدعومة من الغرب لاحتلال بلاده، وهو يصور لنا الأمر باعتبار أن دفاع صاحب الأرض عن أرضه ضد محتل، قاتل يعتبر قتلا على الهوية.
المقاومة شرفنا
مضى عصام كامل هجومه على رئيس تحرير “أخبار اليوم” بسبب هجومه على المقاومة الفلسطينية: لا أعرف كيف سولت له نفسه أن يختزل تاريخ القضية على هذا النحو الساذج والسطحي، بأن هناك طرفين أحدهما جاء فقط ليهدم المسجد الأقصى “يا دوب” بينما كان واجبا على أصحاب الأرض أن يرحبوا به ويدعموه ويقدموا له فروض الولاء والطاعة وباقة من زهور صيفية لزوم الترحاب. الشعب الفلسطيني هو الذي دفع من دماء أبنائه الكثير دفاعا عن الأرض والعرض، وليس من أجل قتل اليهود على الهوية.. وبناء على الرؤية المدهشة للأستاذ بسيوني كان واجبا على جيش مصر أن يرحب بهم بدلا من أن يقاتلهم ويطردهم من أرضه. إن تناول قضية هي الأهم على هذا النحو الساذج، وفي صحيفة قومية يملكها القوم، يعتبر جريمة في حق نضالنا وتاريخنا وجهادنا، ويختزل مذابح على مرّ التاريخ، باعتبارها بين طرفين لكل منهما ضالته؛ فالأول “يا دوب جاي يهدم الأقصى”، بينما الثاني متطرف يقتل على الهوية. لم تتوقف جريمة التناول على هذا النحو عند المساواة بين محتل ومقاوم، بل إن سيادته ساوى بين نتنياهو وبن غفير، من ناحية، والسنوار والضيف، من ناحية أخرى، باعتبارهما طرفين متطرفين، وهي معادلة من العار، ساوت بين محتل ومقاوم، فالأول مرفوض قانونيا وأخلاقيا ودوليا، والثاني مجاهد ومناضل ودعمه فرض عين لا فرض كفاية. المصيبة أن بسيوني لم يفرق بين حسابات الشرف وحسابات العلف، فالأول هو ما دفع أهلنا في الجزائر الأبية إلى التضحية بمليون ونصف المليون شهيد من أجل التحرر، أما الذين يقيسون الأمر عند حسابات العلف، فإنك تراهم في عيادات أطباء التخسيس يعانون من سمنة مفرطة تودي بحياتهم إلى هلاك. الغريب أن الأستاذ كرم جبر سار على المنوال نفسه، مؤكدا أن فلسطين ضحية الهتافات الحماسية.. الفارق بين بسيوني وجبر، أن جبر أكثر احترافية في طرحه من بسيوني.
لا وجود لهم
يعتقد معظم البيض الأنكلوساكسون في الولايات المتحدة، أنهم أمريكيون أصليون بخلاف «الملونين» الذين يعتبرونهم مختلفين، يُهدَّد ازدياد عددهم ثقافة المجتمع الأصلي وهويته. ولا جديد في هذا الاعتقاد الموروث وفقا للدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام”، سوى أن قلق الكثير من البيض الأنكلوساكسون وتوترهم يزدادان بمقدار ما تقل نسبتُهم في المجتمع، بفعل ازدياد أعداد المهاجرين. وهذا أحد أهم مصادر الانقسام الذي يضرب المجتمع الأمريكي اليوم، ويضعه على حافة معركة تاريخية. انقسام ثقافي اجتماعي عميق تزداد تجلياته السياسية يوما بعد يوم، وقد يدفع المجتمع باتجاه مواجهاتٍ عنيفة بسبب تعصب فريقٍ يتخيل ما لا وجود له. خيال البيض الأنكلوساكسون يُصوَّر لهم أنهم أصحابُ أمريكا الأصليون، ومن سواهم غرباء أو دخلاء. وهم إما يجهلون أو يتجاهلون أنهم ليسوا أمريكيين أصليين، مثلهم في ذلك مثل من يرفضونهم. فما هم إلا أحفاد غزاةٍ مستعمرين اغتصبوا الأراضي التي توجد عليها الولايات المتحدة الآن من أصحابها الأصليين الذين سموهم هنودا حُمرا. هؤلاء الهنود هم السكان الأصليون. والباقون منهم هم وحدهم من يمكن اعتبارهم أمريكيين أصليين. لكن إبادة أغلبيتهم الساحقة لم تُبق لهم وزنا في مجتمع بُنى على الاستيطان الاستعماري الإحلالي العنيف والقاسي. ولا يُعرف بدقة كم كان عدد الهنود أو السكان الأصليين في آخر القرن الخامس عشر، عندما حطت طلائعُ الغزاة بقيادة كريستوفر كولومبس رحالها في ما كان يُسمى العالم الجديد. ولكن العدد الذي يُقّدره معظم دارسي تاريخ تلك المنطقة يتراوح بين 900 ألف ومليون. برر الغزاة همجيتهم بأن الهنود قوم غارقون في التخلف ويأبون أن يتطوروا. وهي كذبة تاريخية، والكذبة الأكبر هي ادعاء أنهم كانوا متوحشين، لأنها تناقضُ حقائق تاريخيةَ ثابتة مؤداها، أنهم كانوا مُسالمين عاشوا حياة بسيطة، ولكن الأرجح أنها كانت أكثر سعادة مما يعيشه أحفادُ قتلتهم الآن. ومما هو ثابت أيضا أنهم كانوا مضيافين كرماء استضافوا الغزاة وأكرموهم، وكان الغدر جزاءهم في حروب إبادة وحشية لم يُعرف مثلُها في بشاعتها وفظاعتها إلا في غزة الآن.
أضغاث أحلام نتنياهو
ما زال يراود إسرائيل حلم تحقيق النصر الكامل في الأراضي الفلسطينية، وتحديدا في قطاع غزة. ولهذا بادر الجيش الإسرائيلي، حسب سناء السعيد في “الوفد” باجتياح رفح في خطوة وصفت بأنها غير حكيمة، ويكفي أنها ستجلب كارثة جديدة لأكثر من مليون فلسطيني. وهنا يتساءل الكثيرون: هل يمكن لإسرائيل أن تحقق النصر الكامل في غزة؟ لقد أمر نتنياهو بالهجوم على رفح، رغم التحذيرات التي صدرت عما يمكن أن تخلفه من وقوع كارثة. وهو ما يحدو بالعديد من الإسرائيليين إلى أن يتساءلوا عن الثمن الباهظ الذي يجب دفعه مقابل تحقيق النصر الكامل. لقد هدد بايدن بأنه سيقطع إمدادات الأسلحة اللازمة لتحقيق هجوم كامل على مدينة رفح. وفي المظهر العام يمثل هذا أكبر تهديد أمريكي لمصلحة إسرائيل منذ عقود. غير أن إسرائيل مضت قدما في اجتياح رفح بذريعة تدمير أربع كتائب تابعة لحماس، وبادر خبراء إسرائيليون بالتشكيك في أن تغير العملية قواعد اللعبة، وبالتالي لن تخرج عن نطاق كونها تكتيكية لا أكثر. وفي معرض التعقيب قال مسؤول سابق في الموساد: (إنه وبمجرد انتهاء العملية ستبادر «حماس» بالتسلل من جديد إلى أجزاء أخرى من غزة كما فعلت في مرات سابقة). ولكن ما الذي دفع نتنياهو للمضى قدما في الهجوم على رفح، رغم التحذيرات الأمريكية؟ لقد رأى أن الهجوم على رفح ضروري لتحقيق النصر الكامل. ومن المفترض أن يعني تحرك إسرائيل صوب رفح تدمير قدرات حماس العسكرية وقدرتها على حكم غزة، وإعادتها للرهائن الإسرائيليين الذين تحتجزهم. وفي الوقت نفسه تدرك إسرائيل أن الحرب لم تؤد إلى تدمير حماس، كما أن سياسة «النصر الكامل» التي تنتهجها حكومة نتنياهو، أدت إلى عزلة عالمية هي الأكثر أهمية في تاريخ إسرائيل.
لا بد من وقفها
طرأت تغيرات على المشهد، اهتمت بها سناء السعيد، إذ أعلن بايدن تعليق تسليم أسلحة لإسرائيل، قبل أن يتراجع لاحقا وكانت كل من كندا وأستراليا قد أعلنت قبل إعلانه اتخاذ هذه الخطوة، كما بادرت كولومبيا بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وأعلنت تركيا فرض حظر تجاري عليها ليشكل كل هذا التهديد قنبلة اقتصادية ودبلوماسية للكيان الصهيوني. وفي الوقت نفسه تواجه إسرائيل في محكمة العدل الدولية اتهامات بارتكاب الإبادة الجماعية. كما يلوح في الأفق شبح أوامر الاعتقال ضدها الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى الاحتجاجات التي اشتعلت في جامعات أمريكا وبريطانيا وأوروبا ضد ممارساتها. في الداخل لا يزال أكثر من مئة ألف إسرائيلي مشردين، فالحرب تؤثر سلبا على دخل الناس وصحتهم العقلية، وفي كل يوم تفقد أسر إسرائيلية أبناءها في الحرب، من أجل تحقيق حلم إسرائيل في «النصر الكامل» الذي لن يتحقق أبدا. وربما كان الهدف تدمير حماس على أساس اعتبارها تجسد تهديدا عسكريا للمدنيين الإسرائيليين، والأراضي السيادية، ليكون ذلك مبررا في حد ذاته. غير أن حكومة نتنياهو لم تثبت بعد قدرتها على تحقيق هذا الهدف، بل إن الأدلة تشير إلى الفشل، فضلا عن هذا فإن إنهاء الحرب سيتطلب من إسرائيل وضع خطط واقعية لليوم التالي لقطاع غزة بالتعاون مع مجموعة من الحلفاء الغربيين والعرب. وهو ما تسعى الولايات المتحدة إلى دفعه وترتيب خطة متعددة الأطراف أكثر استدامة، من أجل إحداث تحول حقيقي في نموذج العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، بما في ذلك الاستقلال وتقرير المصير للفلسطينيين. اليوم لا بد من إنهاء الحرب، ولكن لا يمكن اختزال الفكرة في الألم الناجم عن الإذعان لحركة حماس، حيث إن إنهاء الحرب سيجلب أيضا قائمة طويلة من المكاسب للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
نسيناه جميعا
يبدو أن مأساة السودان غابت عن الأحداث في العالم، قليلا ما نسمع أو نقرأ شيئا عن أحداث السودان وكأنه سقط من الخرائط وتحول إلى كائن مجهول.. رغم أن السودان، حسبما ذكرنا فاروق جويدة في “الأهرام” من أكبر دول افريقيا ومن أكبر وأغنى الدول العربية، وما حدث في السودان كارثة إنسانية مزقت الشعب الآمن إلى فريقين، تجمع بينهما كل الروابط الإنسانية والتاريخية. إنهم أبناء وطن واحد وجذور واحدة وكانا في يوم من الأيام حراس الوطن ومصدر حمايته واستقراره. السؤال الذي يتردد الآن: هل يمكن أن يصل الخلاف إلى القتل والدمار؟ لقد هرب نصف الشعب والنصف الآخر لا يجد ضرورات الحياة؟ وكيف استشرت لعنة الكراهية بين ابناء السودان؟ وما ذنب ملايين البشر الذين يهربون من بيوتهم ويموتون جوعا؟ إن السودان من أغنى الدول العربية ومشروع الجزيرة الذي تبلغ مساحته 200 مليون فدان يكفي لإطعام نصف العالم العربي، وفي السودان حقول للغاز والذهب واليورانيوم، ومياه النيل التي اغتصبتها الحبشة وراء سد النهضة تكفي ملايين السودانيين الذين هربوا من بلادهم. كثيرا ما سألت أين حكماء الشعب السوداني وكانوا يوما يقودون سفينة الوطن، وهو يعيش أصعب اللحظات وأكبر التحديات؟ كيف تركوا السودان يعيش هذا الواقع الكئيب، بل أين الدول العربية التي تركت السودان غارقا في دماء شعبه؟ كيف تخلى العالم العربي عن السودان وترك صراع الأشقاء يدمر كل شيء فيه؟ هل نسى العالم السودان؟ لماذا غاب عن الإعلام واختفى من خريطة الأحداث، وما هي الأيدي الخفية التي دمرت الوطن الآمن وشردت شعبه بين البلاد.
لهذا يهاجموننا
منذ أيام وعقب إعلان مصر عزمها الانضمام إلى جنوب افريقيا في الدعوى القضائية أمام محكمة العدل الدولية، والصحف الإسرائيلية لا تتوقف عن الهجوم على مصر. ويرى ياسر شورى في “الوفد” أن الهجوم الصهيوني هو شهادة في حق مصر، وأكبر دليل على أن الموقف المصري الداعم للقضية الفلسطينية يؤرقهم تاريخيا، مصر كان لها دور مهم في الدعم والتضامن مع القضية الفلسطينية. منذ إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، وشهدت المنطقة صراعات متعددة وحروبا، كانت مصر تعتبر نفسها واحدة من الدول العربية القائدة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين. في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، شهدت العلاقات بين مصر وإسرائيل مراحل متعاقبة من التصعيد والتوتر. وفي عام 1967، خلال حرب الأيام الستة، حدث احتلال إسرائيل لأراض فلسطينية وعربية أخرى، بما في ذلك القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة. ردا على ذلك، شاركت مصر في حرب 1967، التي انتهت بالهزيمة وفقدان سيطرتها على شبه جزيرة سيناء. في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، الذي حكم مصر من عام 1970 إلى عام 1981، تم توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 برعاية الولايات المتحدة، وأدت هذه الاتفاقية إلى استعادة سيناء من قبل مصر، وإنهاء حالة الحرب الرسمية بين مصر وإسرائيل. ورغم أن الاتفاقية لم تحقق تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، إلا أنها أعطت بعض الأمل في تحقيق السلام في المنطقة.
رغم الصلح
منذ ذلك الحين، الذي زار فيه الرئيس الراحل أنور السادات الكيان الصهيوني شهدت العلاقات المصرية الإسرائيلية تحسنا تدريجيا، وحسب ياسر شورى تم العديد من المبادرات والمفاوضات للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، بمشاركة مصر في دور الوساطة والترويج للحوار والتفاوض. رغم ذلك، فإن مصر لا تزال تؤكد ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة السلام العادل والشامل في المنطقة. قد تختلف المواقف والتصريحات الرسمية للحكومة المصرية من وقت لآخر، حسب التطورات السياسية والأحداث الجارية في المنطقة. ومن المهم ملاحظة أن المواقف الشعبية والرأي العام في مصر قد تختلف بين داعمين للتسوية السلمية والتفاوض، وبين الذين يشددون على الحقوق الفلسطينية والمقاومة. ويمكن القول إن مصر تسعى للحفاظ على استقرار المنطقة وتعزيز الحل السلمي والعدل في القضية الفلسطينية، وتواصل العمل كوسيط بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتشجع على استئناف المفاوضات والتفاوض المباشر بين الأطراف المعنية. كما تواصل مصر دعم الشعب الفلسطيني من خلال توفير المساعدات الإنسانية والتنموية. مصر تاريخيا وحتى بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل مواقفها واضحة وداعمة للحق الفلسطيني مهما حاول المرجفون تصوير الأمر على غير ذلك. والصراخ الذي يصدر من داخل الكيان الصهيوني خير دليل على أن مصر هي رمانة الميزان ودونها لا حل ولا تفاوض ولا حتى حرب.
فرية قديمة
كان علي عبد الله في أحد المحلات، عندما رأي طفلا يطلب من أمه أن تشتري له أحد المنتجات، فقالت له الأم “عيب الحاجات مقاطعة عشان الحاجات دي سبب في موت إخواتنا”، تدخلت إحدى السيدات قائلة: “حرام عليكي تحرمي ابنك دول باعوا أرضهم”، كاد عقل الكاتب في “القاهرة 24” أن ينفجر من هذه الفرية، فأخذ في البحث عن الحقيقة “هل باع الفلسطينيون أرضهم”؟ ليعود بالزمن 120 عاما عندما عقد المؤتمر الصهيوني الأول، وكان أحد قرارته إنشاء صندوق قومي لليهود لجمع الأموال لشراء أرض في فلسطين، في ذلك الوقت 1900 كانت أرض فلسطين تحت الحكم العثماني، والحكم العثماني كان يمنع امتلاك الأجانب للأراضي في فلسطين، وكانت حيلة اليهود هي أن يعطوا أموالهم لليهود العرب لشراء الأراضي، ولم يكن لدى الفلسطينيين أي معرفة عن نوايا الصهاينة عن إقامة دولة لليهود. انهارت الخلافة العثمانية، وبدأ الانتداب البريطاني، وكان من أهم قراراته العمل بكل قوة لمساعدة اليهود في إنشاء وطن قومي لهم، وصدرت مئات القوانين التي تسهل هجرة اليهود لفلسطين، ووصل الأمر إلى الاستيلاء على أراضي فلسطين بالقوة وإعطائها لليهود، وكان ذلك الدعم رسميا من الحكومية حتى وصلت الرسالة التي أرسلها وزير الخارجية البريطانية عام 1917 إلى روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، والتي عرفت فيما بعد باسم وعد بلفور، هي أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على أرض فلسطين، وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدا بإقامة دولة لليهود في فلسطين، وفي أثناء احتلال بريطانيا لفلسطين كانت تعطي السلاح للعصابات الصهيونية وفي الوقت نفسه تعتقل أي فلسطيني يمتلك سلاحا، تمهيدا لوأد أي مقاومة فلسطينية ضد اليهود.
دافعوا عنها بدمائهم
منذ اللحظة الأولى للاستيلاء على أرض فلسطين بدأ الفلسطينيون المقاومة المسلحة ضد الإنكليز واليهود، حتى جاء عام 1947 لترفع بريطانيا، كما أخبرنا علي عبد الله ملف فلسطين إلى الأمم المتحدة، وكان القرار هو إعطاء نصف مساحة فلسطين لليهود، احتفل اليهود بهذا التقسيم ورفض الفلسطينيون ذلك القرار، ومع رفض الفلسطينيين ترك منازلهم وبيوتهم، بدأت عصابات اليهود في قتل أهل فلسطين وارتكاب أبشع المجازر وأشهرها مجزرة دير ياسين، كل هذه المجازر من أجل إخراج الفلسطينيين من أرضهم والاستيلاء عليها. ورغم كل محاولات اليهود شراء الأراضي ودفع الأموال والتحايل الذي استمر نصف قرن ومساعدة البريطانيين على سرقة واغتصاب أراضٍ وإعطائها لليهود، فإنهم لم يفلحوا في السيطرة إلا على 5% فقط من مساحة فلسطين حتى عام 1947، والسبب في خسارة مساحة أرض فلسطين هو مساعدة بريطانيا لليهود في الاستيلاء على أي أرض فلسطينية بقوة السلاح، وثانيها هي المجازر التي ارتكبها اليهود في حق الفلسطينيين، والسبب الثالث هو قرارات تقسيم الأمم المتحدة لأراضي فلسطين بين العرب واليهود، والسبب الرابع هو الاستيطان الذي استمر حتى اليوم، إذن لم يكن البيع سببا على الإطلاق في خسارة أي أرض، وحتى مساحة 5% التي كان يمتلكها اليهود حتى عام 1947 في الأصل ليست شراء، وإنما تم الاستيلاء عليها وسرقتها. والحقيقة التي وصلت إليها بعد بحث، أن المقولة في الأساس هي دعاية صهيونية بأن الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم، وأن اليهود اشتروها “بالحلال” من أموالهم، ومن هنا لا يستطيع الفلسطينيون أن يطالبوا بالعودة إلى أراضيهم مرة أخرى، لكن الفلسطينيين لم يتركوا أرضهم، ولم يفرطوا فيها، بل دافعوا عنها بدمائهم، وما نشاهده اليوم من مجازر وحشية في غزة واستماتة أهلها، خير دليل على تمسكهم بأرضهم وعدم تفريطهم فيها حتى بالدم.
سر الأهرام
يعتقد علماء أنهم ربما تمكنوا من حل لغز كيفية بناء 31 هرما في مصر، منها أهرامات الجيزة المعروفة على مستوى العالم، التي بُنيت منذ أكثر من 4000 عام. اكتشف فريق بحث من جامعة نورث كارولينا ويلمنغتون، أن الأهرام ربما، حسبما نقلت “الشروق” عن تقرير تلفزيوني تكون قد شُيّدت على طول فرع قديم لنهر النيل، لم يعد موجودا منذ زمن طويل، تغطيه اليوم الصحراء والأراضي الزراعية. لسنوات عديدة، اعتقد علماء الآثار أن المصريين القدماء استخدموا ممرا مائيا قريبا لنقل المواد مثل الكتل الحجرية اللازمة لبناء الأهرام بالقرب من النهر. لكن حتى الآن، “لم يكن أحد متأكدا من موقع أو شكل أو حجم أو مدى قرب هذا الممر المائيّ الضخم من موقع الأهرام الفعلي”، وفقا للبروفيسورة المصرية إيمان غنيم إحدى القائمين على هذه الدراسة. وفي جهد عابر للقارات، استخدمت مجموعة الباحثين صور الأقمار الاصطناعية الرادارية، والخرائط التاريخية، والمسوحات الجيوفيزيائية، والحفريات (وهي تقنية يستخدمها علماء الآثار لاستخلاص الأدلة من العينات) لرسم خريطة لفرع النهر، الذي يعتقدون أنه دُفن تحت وطأة الجفاف الشديد والعواصف الرملية منذ آلاف السنين. وقالت الدراسة، التي نُشِرت في المجلة العلمية Communications Earth & Environment، أو (الاتصالات – الأرض والبيئة) أن الفريق تمكّن من “اختراق سطح الرمال وإنتاج صور للمعالم المندثرة” باستخدام تقنية الرادار. وقالت البروفيسورة إيمان غنيم، إن من بين تلك المعالم “الأنهار المدفونة والهياكل القديمة” الموجودة تحت سفح الهضاب، حيث “تقع الغالبية العظمى من الأهرام المصرية القديمة”. وفي حديثها لـ”بي بي سي” قالت الدكتورة سوزان أونشتاين، إحدى المشاركات في الدراسة، إن “تحديد موقع فرع (النهر) الفعليّ والحصول على البيانات التي تظهر وجود ممر مائيّ، يمكن استخدامه لنقل الكتل الثقيلة والمعدات والأفراد وكل شيء، يمكن أن يساعدنا حقا في شرح بناء الأهرام”. وتوصل الفريق إلى أن فرع النهر، المسمى فرع الأهرام، يبلغ طوله نحو 64 كيلومترا (39 ميلا)، ويتراوح عرضه بين 200 و700 متر (656-2296 قدما).على شاطئ هذا الفرع، بني 31 هرما، قبل ما يتراوح بين 4700 و3700 سنة.