هيثم عرنكي اتفق بشكل كامل مع الدكتور فايز رشيد بأن الذي يحكم فعلياً في الولايات المتحدة هو المجمع الصناعي ـ العسكري – الرأسمالي وذلك في المقال المنشور له في عدد ‘القدس العربي’ ليوم الخميس 29 آذار 2012 على الصفحة الثامنة عشر بعنوان: اسرائيل… امريكا… من يحكم من؟ ولكن اختلف معه عندما يقول بان العلاقة بين اسرائيل وامريكا ليست علاقة فرض اوامر، واستطيع ان اقول بأنه في الوقت التي ترغب فيه الولايات المتحدة بفرض الاوامر على الطرف الاسرائيلي فإنه بامكانها فعل ذلك وهي صاحبة الامر والنهي في نوع العلاقة وطبيعتها عندما يكون المجمع الصناعي ـ العسكري – الرأسمالي الحاكم الفعلي في امريكا مضطراً لفعل ذلك. إذا كنا نتفق بأن الحاكم الفعلي في الولايات المتحدة هو المجمع الصناعي ومن ضمنه شركات النفط، والعسكري ومن ضمنه الجيش والقوى الامنية الاستخبارية، والرأسمالي ومن ضمنه المؤسسات المالية، فإن كل ما تبقى من مراكز إدارية، وتشريعية، وتنفيذية، وإعلامية، ولوبيات على اختلاف انواعها هي ليست اكثر من مؤسسات وظيفية تنفذ سياسات وتوجيهات واوامر هذا الحاكم الفعلي المتمثل في المجمع المذكور. إن المجموعة التي تتسلم البيت الابيض كل اربع سنوات يطلق عليها الادارة الامريكية وهذا بحد ذاته يدل على مهمتها الوظيفية وان هناك من يوفر لها الوصول لهذه الوظيفة وبغض النظر عن العملية الانتخابية التي يتم انتاجها واخراجها فان هذا المجمع الحاكم يستطيع ان يجلب المجموعة التي يريد لإستلام البيت الابيض باستخدام المال والاعلام وصناعة الرأي العام الذي يضمن ذلك. استطيع ان اجادل بأن إدارة الرئيس بوش الاب التي سقط المعسكر الاشتراكي خلال عهدها، والتي استطاعت ان تبني وتقود تحالفاً عالمياً حقيقياً لشن الحرب على العراق، جعلت من الرئيس بوش مؤهلاً لان يفوز بولاية ثانية بكل تأكيد، إلا انه لم يفلح في الفوز، وقد علل الكثير من المحللين بان اللوبي الصهيوني هو الذي اسقطه كون ادارته كانت قد ربطت في العام 1992 منح العشرة مليارات دولار للكيان الصهيوني بموافقة الحكومة الصهيونية انذاك على الحضور لمؤتمر مدريد للسلام.
الحقيقة هي ليس اللوبي الصهيوني مَن اسقط بوش بالرغم من كل ما فعل من اجل ذلك، وانما خوف المجمع الصناعي العسكري الرأسمالي من ان يحتل رئيس قوي ومؤثر البيت الابيض لأربع سنوات قادمة يستطيع فيها ان ينفذ ما يريد من سياسات لن يرضى عنها هذا المجمع، هو الذي ساهم في إسقاط بوش. لقد دلت المعطيات على ان إدارة بوش كانت ستعمل على ترتيب الوضع في الشرق الاوسط حسب تصنيف الغرب من خلال حل كان رابين قد اقتنع بتنفيذه من الجانب الصهيوني، ولهذا تم اغتيال رابين ومن ثم اسقاط بوش الاب ولكي يتمكنوا من إسقاطه وهو الخيار المفضل للمجمع المذكور في مرحلة لن يستطيعوا فيها اغتيال رئيس للولايات المتحدة كما فعلوا مع الاخوين كندي، فعملوا على شق الحزب الجمهوري من خلال ظاهرة المرشح روس بيرو الذي تلاشى بعد ذلك، وفي نفس الوقت وظفوا صناعة الرأي العام من خلال ماكناتهم الاعلامية للحديث عن حالة الاقتصاد وبهذا وصل حاكم ولاية مغمور اسمه بيل كلينتون ليدير البيت الابيض لحساب المجمع المذكور. للولايات المتحدة الامريكية سياسة خارجية لا تتغير بتغيير الادارات الامريكية لأن هذه السياسة هي لتأمين مصالح ذاك المجمع الصناعي العسكري الرأسمالي، وما دامت هذه المصالح مؤمنه وليس هناك ما يعكر مسارها فان السياسة الامريكية الخارجية حيال القضايا العالمية تبقى دون تغيير. فمن الممكن ان تحصل مرونة وتغيير في سياسة الولايات المتحدة بخصوص قضايا عديدة حول العالم وتبقى الحقيقة التي لا يجادل فيها احد هي ان سياسة الولايات المتحدة تجاه اي قضية تخص العرب ترجح لصالح الكيان الصهيوني دائماً والسبب ليس قوة اللوبي الصهيوني وانما لأن مصالح الولايات المتحدة عند العرب لا تتأثر مهما كانت سياستها مناهضة تجاههم. شركات السلاح، وشركات النفط، وشركات إنتاج السلع الاستهلاكية الامريكية والتي اتفقنا على انها العناصر المكونة لهذا المجمع الحاكم الفعلي في الولايات المتحدة، هذه الشركات تسرح وتمرح على اتساع ساحات البلاد العربية دون ان تكون مطالبة بتصحيح سياسات اداراتها نحو القضايا العربية. وكما اسلفنا سابقاً فان هذا المجمع يوظف كل ما لديه من ادوات لكي يستمر في ممارسة الحكم والتحكم ويأتي الكيان الصهيوني كأداة من الادوات التي تؤدي وظيفتها لخدمة هذا المجمع في منطقة له فيها مصالح حيوية لن يفرط فيها بسهولة. وما دام الكيان الصهيوني هو تجسيد لمشروع يستهدف شرذمة وتخلف وتبعية العرب، ويؤدي خدماته لصاحب القرار الامريكي فسيبقى اللوبي الصهيوني وكيانهم في فلسطين مستمرين في ممارسة نشاطاتهم واستعراض عضلاتهم في الولايات المتحدة دون رادع. ولكن عندما تتعارض نشاطات هذا اللوبي مع مصالح اصحاب القرار في الولايات المتحدة او اذا تعارضت مع رؤية بعض حلفائهم حول موضوع ما، فان الحجم المسخ لهذا اللوبي سيظهر على حقيقته وقد حصل هذا في قضية الجاسوس الصهيوني جوناثان بولارد الذي لم ولن يستطيع ايً من رؤوساء الولايات المتحدة من اصدار عفو اخراجه من السجن، لا بضغط من اللوبي الصهيوني ولا باستجابة لكل روؤساء وزراء الكيان الصهيوني منذ اسحق رابين وحتى نتنياهو. امريكا هي التي تحكم وتتحكم وليــــس للكيان الصهيوني أوما يتبع له من كيانات في الولايات المتحدة إلا ما يسند لهم من ادوار لتعزيز المصالح الامريكية التي اصبح القسم الاكبر منها محصوراً بما يملكه العرب بعد تحرر امريكا اللاتينية من سطوة الهيمنة الامريكية، وبعد تعاظم منافسة الصين واوروبا لهذه الهيمنة في القرن الافريقي. إن الكرة اليوم في مرمى الامة العربية لو ارادت نصرة قضاياها في هذا العالم الذي لا يفهم غير لغة المصالح.’ كاتب فلسطيني