خضعت دول عربية عدة، منذ سقوط بغداد عام 2003 للنفوذين الأمريكي والإيراني بأشكال متفاوتة، تتراوح بين الاحتلال المباشر، كما في العراق، وحكم المليشيات والأنظمة الحليفة لإحدى الدولتين أو كليهما، كما في سوريا ولبنان واليمن.
حتى الدول التي بقيت بعيدة عن السيطرة المباشرة، اضطرت للتأقلم مع هذا الواقع في سياساتها الداخلية والخارجية. العلاقة المعقدة بين أمريكا وإيران في المنطقة، التي تشمل التعاون والصراع المباشر وغير المباشر، ملأت الفراغ الذي خلّفه سقوط نموذج دولة الاستقلال العربية، وهو سقوط ساهم الطرفان في تسريعه، إلا أن العصر الأمريكي-الإيراني لا يمكن اختزاله بالجوانب السياسية والعسكرية، بل له جوانبه الثقافية التي لا بد من تتبعها، لمعرفة التأثير الذي خلّفه هذا النمط الجديد من الاحتلال.
تاريخيا ساهمت عمليات الاحتلال والغزو والإخضاع بنقل المعارف والقيم الثقافية وأنماط الحياة، أو إنشاء تركيبات ثقافية جديدة، ناتجة عن التفاعل بين ما هو محلي في المناطق الخاضعة، وما هو وارد مع الفاتحين الجدد. يمكن اعتبار الحضارة الإنسانية في شكل من الأشكال، نتيجة شديدة التعقيد لسلسلة طويلة من التفاعلات التي لم تكن سلمية دائما. في حالة النفوذين الأمريكي والإيراني يصبح من الصعب فصل المحلي عن الوارد، لأن الطرفين اعتمدا غالبا على جهات محلية، ساهما في تصليب هويتها الطائفية أو العرقية. الإغراق في المحلية هو الطريق المعتاد للتواصل مع عالمية هاتين الدولتين. وأن تكون شيعيا، سنيا، زيديا، علويا أو كرديا أكثر، يعطيك ميزة لدى واضعي السياسات فيهما.
بالتأكيد لم تخترع أمريكا أو إيران الطائفية، ولا يمكن لومهما حتى على انفجار الصراعات في المنطقة، وتدهورها السياسي والثقافي الشامل. فلو كان نموذج الدولة العربية قابلا للاستمرار، لما وصلت الأمور لهذه الدرجة من التحلل. كما أن دول الاحتلال تعمل دائما على مادة محلية لها ظروفها الخاصة، ولا يمكنها أن تخلق من العدم الظواهر والتوجهات الاجتماعية والسياسية. الحرب الأهلية الدائمة كامنة في قلب البنى الاجتماعية، ونمط الدولة في المشرق العربي على الخصوص، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن رصد التأثير الثقافي للنفوذ الأجنبي المعاصر في العالم العربي؟ وما هي النتائج المترتبة عليه على المدى الطويل؟
لم تخترع أمريكا أو إيران الطائفية، ولا يمكن لومهما حتى على انفجار الصراعات في المنطقة، وتدهورها السياسي والثقافي الشامل. فلو كان نموذج الدولة العربية قابلا للاستمرار، لما وصلت الأمور لهذه الدرجة من التحلل.
ثقافات الإخضاع
تعجز المدارس النقدية للظاهرة الاستعمارية، خاصة في مراحلها الكولونيالية والإمبريالية، على البرهنة على قضيتين: الأولى هي وجود حيز داخلي، بشروط خاصة، تعمل فيه البنى المحلية باستقلال عن الهيمنة والإخضاع والمركزية الغربية. كل الدراسات عن «التقليد الإسلامي الأرثوذوكسي»، أو «خصوصية التشريع الإسلامي» على سبيل المثال، تتجاهل أن التقليد والتشريع نفسهما خضعا دوما لإعادة بناء تاريخية، لعبت فيها مختلف المؤثرات والقوى، بما فيها القوى الاستعمارية الحديثة، دورا كبيرا. من الصعب مناقشة الوهابية أو «الصحوة الإسلامية» أو التطورات في العقائد الشيعية، بما فيها ولاية الفقيه، وهي من أشد الاتجاهات تأثيرا في الحاضر، بدون مراعاة الجدل المعقد بين ما هو داخلي وخارجي فيها. أما الحديث عن تقليد سابق وأكثر أصالة ونقاء مما هو قائم حاليا، فلا يمكن اعتباره أكثر من محاولة لإنتاج نماذج نظرية، يصطنعها باحثون بناء على تصورات أيديولوجية مسبقة. ضمن هذه التصورات يظهر «الخارجي المهيمن» أشبه بخطيئة أصلية، لا بد من التطهر منها، والبحث في ما وراءها عن ذات أصيلة، ورغم ضرورة النمذجة النظرية، فإن هذا النوع من النماذج يبدو مفيدا لبناء أيديولوجيا مغلقة ومبسّطة، قد تكون لها أهمية سياسية ما، ولكنها لا قيمة تفسيرية لها للإحاطة بتعقيد الظواهر التاريخية أو المعاصرة.
القضية الثانية غير المبرهنة بشكل كاف، هي أن الاستعمار والهيمنة الأجنبية يؤديان بالضرورة إلى تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للخاضعين، أو إلى «سياسات نهب وإفقار» للمستعمرات، ورغم كثافة التنظير اليساري في هذا الخصوص، إلا أن كثيرا من البيانات التجريبية تناقض هذا التصور. كما أن باحثين ينتمون للتقليد الماركسي، مثل بيل وارن وجون سيندر، أظهروا دور الاستعمار في التحديث ورفع المستوى المعاشي للسكان، وخلق الشروط لانتشار نمط الإنتاج الرأسمالي في المستعمرات، بعد تحطيم البنى الأبوية، التي تتسم بضعف الإنتاجية والركود المستمر. ما يمكن أن يؤدي على المدى الطويل إلى تجاوز التبعية. كما في الحالة الصينية مثلا، ولعل هذا الموقف أقرب لوجهة نظر ماركس نفسه.
بناء على هذا فإن المشكلة مع النفوذ الأمريكي والإيراني ليست في مجرد كونهما قوى أجنبية، بل في الأنماط السياسية والاقتصادية والثقافية، التي ساهموا في تحفيزها وإعادة صياغتها. من الصعب الحديث عن استغلال اقتصادي ما، تمارسه هاتان الدولتان، فوجودهما في المنطقة تزيد كلفته المادية عن فوائده، وهذا ما قاله بوضوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويظهر أيضا في التململ الداخلي الإيراني من أثمان المغامرات الخارجية للنظام. ربما لا تكون الدول العربية أكثر من ساحة لصراع استراتيجي، قلّت أهميته بالنسبة للأمريكيين، في حين يحاول الإيرانيون ملء الفراغ الذي يتركه الانسحاب الأمريكي التدريجي، متجاوزين حدودهم بعض الأحيان، ما يؤدي لاندلاع صراعات فرعية جديدة. عدم الاهتمام بربط المنطقة بالمنظومة العالمية بشكل فعّال، يجعلها تنحدر تدريجيا لتصبح أسوأ نسخة ممكنة عن نفسها، سبق لباراك أوباما، بعد انتهاء ولايته الرئاسية، إظهار نفوره من الصراعات اللانهائية في المنطقة العربية، واهتمامه بالفرص المستقبلية التي تحفل بها دول شرق آسيا. وربما يكون محقا من زاوية ما.
يجعل هذا الوضع نشوء حركات تحرر ضد الهيمنة الأجنبية صعبا. سبق لنا ذكر دور المؤسسات الاستعمارية في تأسيس نخب وطنية، إلا أن نمط الهيمنة الحالي يجعل من المتعذر ظهور هذا النوع من النخب.
إهمال ثقافي
الوجود الأجنبي في المنطقة لا يسعى إذن إلى تطويع بنى محلية لربطها عضويا باقتصاديات الدول صاحبة النفوذ، وهذا يؤدي إلى عدم الاهتمام بتطوير المؤسسات السياسية والثقافية في البلدان الخاضعة، وباستثناء محاولة شكلية من روسيا لصياغة دستور سوري جديد، فلا يمكن في أيامنا رصد أي إسهام سياسي هيكلي أجنبي في العالم العربي. في المجال الثقافي لم تعد أمريكا مصرّة حتى على دعواتها السابقة لـ«مكافحة الجذور الثقافية للإرهاب». وما تقوم به بعض الدول في هذا المجال، مثل السعودية وقطر والإمارات، يأتي بناء على مبادرة ذاتية من حكامها لتعزيز شرعيتهم خارجيا، أكثر من خضوعهم لضغط أجنبي. أما السعي لـ«نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان» فقد بات من مخلفات فترة حكم المحافظين الجدد، الحراك الاجتماعي العربي لأجل الديمقراطية تمّ في ما بعد، بدون دعم أمريكي جدّي.
بالنسبة لإيران فإن الضخ الديني المستمر مكرّسٌ لأغراض الشحن المذهبي، الذي يساهم في بناء وسط اجتماعي منتج للمليشيات ومقاتليها. وعلى الرغم من افتتاح فروع للجامعات الإيرانية في عدة دول عربية، فضـــــلا عن بعض دور النشـــر والمراكز الثقافية النشيطة، فإن التــأثير الثقــــافي الإيراني يبدو هزيلا خارج الإطار الديني البحت. القوى والأحزاب السياسية التي تُحسب على إيران تبدي تقدما على مستوى التنظيم المليشياوي، ولكن من العبث مقارنة كوادرها بالنخب السياسية العربية القديمة، التي نشأ قسم كبير منها في المؤسسات التعليمية والسياسية للاستعمار الأوروبي، وحملت في ما بعد مشاريع الاستقلال والتحرر الوطني. لم يسع أي طرف لإعادة صياغة المنطقة على مستوى مؤسساتي لتتناسب مع سياساته ومصالحه، بل تُركت وشأنها لتتحلل بناها الاجتماعية تدريجيا، ضمن سياق الحروب المحلية والنزاعات الدولية التي لا تنتهي.
تعذّر الاستقلال
يجعل هذا الوضع نشوء حركات تحرر ضد الهيمنة الأجنبية صعبا. سبق لنا ذكر دور المؤسسات الاستعمارية في تأسيس نخب وطنية، إلا أن نمط الهيمنة الحالي يجعل من المتعذر ظهور هذا النوع من النخب. في حين لا توجد أسس فعلية لتأسيس دولة استقلال عربي جديدة، لأن المشاريع الاستقلالية لم تكن إلا نتيجة جدلية للحالة الاستعمارية نفسها. فضلا عن أن دول الاستقلال قامت أساسا على ما خلّفه الحكم الأجنبي من بنى سياسية وأنماط تنظيمية وقانونية. وإذا ظهرت «دولة مستقلة» ما، على أساس ما خلّفه النفوذان الأمريكي والإيراني، فستكون على الأغلب أشد تعثرا مما كانت عليه دول الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي. إلا أن طرفية الدول العربية في المنظومة العالمية لها بعض النتائج الإيجابية. ضعف الهيمنة الثقافية، المحلية والأجنبية، والانهيار الاقتصادي والسياسي، ساهم بجعل العالم العربي يشهد حراكا اجتماعيا لم ينقطع لأكثر من عقد من الزمن، وإذا كان النفوذ الأجنبي لم ينتج مؤسسات جدية، فقد أدى هذا لحالة من السيولة، قد تحمل فرصا سياسية وثقافية على المدى الطويل. لا يمكن تخمين ما ستنتجه حالة السيولة هذه، ولكن الاحتجاج على حالة التدهور العام، التي خلّفها النمط الحالي من النفوذ الأجنبي، أدى لأشكال واعدة نسبيا من النزعة الاستقلالية، كما في الحالة العراقية. ربما كان العمل على تطوير حالة الاحتجاج هذه، وما تنتجه ثقافيا وسياسيا، هو الإمكانية الوحيدة المتاحة حاليا.
٭ كاتب من سوريا