أمريكا والعالم الثالثہ (1 من 2)

حجم الخط
0

أمريكا والعالم الثالثہ (1 من 2)

كنت أبيع الكوكا ـ كولا في معهد مومباسا الإسلامي وشهدنا استعمارها للعالم كنموذج لأمركة الإنسانيةأمريكا عديمة الحساسية للثقافة المحلية.. وإذا كانت متحررة عرقيا ودينيا فكيف نفسر تناقض سياستها الخارجية؟أمريكا والعالم الثالثہ (1 من 2)بروفسور علي الأمين المزروعيہہترجمة زيد أبو العلاہہہحـوار الطرشـانتري النظرية الأولي في هذا الفصل، أن الأمريكيين مبلغون رائعون، لكنهم مستمعون سيئون، وتقود نتيجة ذلك إلي النظرية الثانية. فلأن الأمريكيين يستطيعون التوصيل بفاعلية فقد تأمركت الإنسانية إلي حد ما، وبالمقابل، ترفض علاقات الأمريكيين الخارجية الأنسنة لأنهم مستمعون سيئون. بعبارة أخري، بينما يتأمرك العالم ثقافيا ترفض أمريكا السماح لأخلاقها بأن تصبح أكثر إنسانية. دعنا نستكشف هذه الفرضيات بتفصيل أكثر.أعطت الثورة الإيرانية مثالا توضيحيا ممتازا لهذه الحركة وحيدة الاتجاه، وبدا كأن الثقافة الأمريكية فتحت مكبرات الصوت باتجاه إيران، بينما أغلق العم سام سماعته الخاصة وأدار آذانا صماء للإسلام، فقد حاولت إيران التحول نحو الأمريكيين والأوروبيين بالاحتجاج، ولم يسمع العم سام الاعتراض إلا بعد فوات الأوان، وسنعود إلي موضوع الإسلام وسياسة أمريكا الخارجية، ولنتفحص أولا طبيعة الإعلام الأمريكي الفعال قبل تفحص آذان العم سام الصماء.اللغـات الست للسياسـة الأمريكيـةينبغي التمييز بين وسيلة الإبلاغ التي تستخدمها الولايات المتحدة وبين الرسائل الحقيقية المنقولة، إذ تستخدم الولايات المتحدة عددا من اللغات المختلفة في اتصالاتها مع العالم، أولها لغة الإنتاج. ولأن الاقتصاد الأمريكي هو الأكبر في العالم، فإنها تستطيع استخدام قوة منتجاتها كوسيلة للاحتجاج أو الاستنكار، وهذا ما فعله الرئيس جيمي كارتر عندما فرض الحظر علي مبيعات الحبوب للاتحاد السوفييتي بعد احتلال السوفييت لأفغانستان، وتم تحييد الرسالة الأخلاقية عبر حظر كهذا حين غزت الولايات المتحدة جرينادا بعد أربع سنوات (1983) وأثارت الرعب في نيكاراغوا. مرة أخري، فالولايات المتحدة قادرة علي إيصال رسالتها الخاصة عن عدم موافقتها علي سلوك الاتحاد السوفييتي، لكن العم سام لم يكن معنيا بالالتفات إلي الأبعاد الأخلاقية لاستنكار الولايات المتحدة غزو السوفييت لجارة صغيرة.يتوفر للولايات المتحدة وسيط آخر للاتصالات العالمية هو لغة المستهلك، فهي السوق الأكبر في العالم لسلسلة عريضة من السلع، ويستقطب العم سام الاهتمام كمستهلك قوي. فعندما ترأس عيدي أمين السلطة في أوغندا، تنبهت الولايات المتحدة أخلاقيا بما يكفي لفرض الحصار علي مشتريات القهوة الأوغندية، إلا أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة رفضت بثبات فرض عقوبات اقتصادية علي نظام استبدادي أطول دواما من الديكتاتور عيدي أمين مثل جمهورية جنوب إفريقيا، ومرة أخري عمل العم سام علناً وبشكل مدو ضد استبداد السود، لكنه بدا كمن يدير أذنا صماء لضرورة التصرف ضد استبداد البيض في إفريقيا.الشكل الثالث من اللغة المتاحة للولايات المتحدة هي لغة النقود فضلا عن السلع، ولغة السيولة المالية فضلا عن البضائع. يملك العم سام قوة تأثير هائلة علي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنوك التجارية في العالم الغربي بشكل عام، ولأن إدارة ريغان لم تستمع بانتباه إلي عويل فقراء العالم، أقرت خفض موازنة جمعية التطوير العالمية. وغالبا ما ساعدت الجمعية أفقر الفقراء، ويدل إضعاف فاعليتها علي نموذج شاذ لانعدام الحساسية. لقد استخدمت أمريكا قوة كيس النقود ضد المعدمين. من جهة أخري، منحت الولايات المتحدة ديونا كبيرة إلي جمهورية جنوب إفريقيا، في حين عارضت الإقراض لواحدة من أكثر فقراء شعوب العالم تركيزا وهي الهند ، واستخدمت قوة كيس النقود كوسيط لإيصال رسائل الأيديولوجية الأمريكية بينما بقيت متعالية ولا مبالية تجاه الرسائل الأخلاقية من بقية العالم.الشكل الرابع من اللغة المتاحة للعم سام هي قوة المهارة، والمتعلقة بالتفوق الأمريكي التقني، وقد استخدمت هذه القوة بوجه عام بشكل أكبر ضد العالم الثاني (الدول الاشتراكية المتقدمة) ثم ضد العالم الثالث (الدول النامية). فالعقوبات ضد بولندا تحت الحكم العسكري، وضد أنبوب الغاز السوفييتي، بالإضافة إلي الحظر الدوري علي تصدير التقنية الإلكترونية، هي أمثلة علي العقوبات التقنية التي فرضتها الولايات المتحدة. بالنسبة إلي العالم الثالث، تميل الولايات المتحدة إلي نسج مؤامرة من الصمت النووي وفرض حظر علي تصدير التقنية النووية. ففي هذه الحالة، قررت الولايات المتحدة قطع الاتصال بالعالم الثالث رغم أن هذا الصمت بحد ذاته يجسد تعبيرا عاليا عن عدم الثقة. في مواجهة هذه المؤامرة من التكتم النووي، يبدو أن باكستان حسبما يقال، قد طورت إستراتيجية من التجسس الصناعي، ولا يمكن تقسيم العالم إلي طبقة نووية عليا وطبقة لا صلة لها بالذرة. ينبغي أن يتم نزع التسلح الذري علي المستوي العالمي، وإلا فإنه لا يمكن الدفاع عن امتلاكه لفترة طويلة. والولايات المتحدة مشغولة بإعلان رسالة الاحتكار النووي لأولئك المالكين سلفا، لكن العم سام لا يستمع إلي شكاوي غير المالكين للذرة، ولا يبدو أن الولايات المتحدة مدركة حتي لجوهر عدم استقرار نظام الطبقة النووية من النوع السائد حاليا. فليس من الممكن وقف الانتشار النووي لوقت أطول ما لم يتحقق نزع الأسلحة النووية للقوي العظمي في القريب العاجل. فهل يصغي العم سام؟لقد انتقلنا سلفا من قوة المهارة إلي قوة الأسلحة في الحقيقة، والأخيرة هي أيضا لغة أخري متوفرة للولايات المتحدة، فأمريكا الوسطي ـ خاصة نيكاراغوا ـ هي الميدان الأخير الذي استعرضت فيه الولايات المتحدة عضلاتها كمزاج من الاتصالات القتالية. مرة أخري يبدو العم سام كمن يدير آذانا صماء لمحاولات السعي إلي الحكم الذاتي والعدالة الاجتماعية في العالم الثالث، وكل ما يسعي إليه العم سام مقابل الاتصال هو قدرته الذاتية علي التنبؤ ضد السوفييت وضد كاسترو، بينما يغلق أذنيه إزاء هموم العالم الثالث. اللغة السادسة المتاحة للولايات المتحدة هي بالطبع اللغة الإنكليزية؛ الكلام الأكثر سهولة للفهم في التاريخ الإنساني. لا تملك الإنكليزية طبعا، العدد الأكبر من المتحدثين بها في العالم، ويفوق عدد الصينيين عدد الأفراد المتحدثين بالإنكليزية. ساهمت بريطانيا العظمي في تحديد عدد الدول التي قبلت الإنكليزية كلغة رئيسة للأعمال الوطنية، غير أن الولايات المتحدة حاليا، هي المساعد الأساسي في تحديد كيفية اختيار المزيد من الأفراد لتعلم اللغة الإنكليزية. مرة أخري ينجح العم سام في استخدام اللغة الإنكليزية المتاحة لنقل الرسالة الأمريكية إلي بقية العالم، أكثر من نجاحه في استخدامها للاستماع إلي همسات البقية من البشر.إذا كانت الوسيلة هي الرسالة، فمن الصعب بالتأكيد فصل المغزي من الاتصالات الأمريكية عن الرسائل الأمريكية، وينبغي علينا أن نكون أكثر وضوحا حول بعض الرسائل التي تحاول الولايات المتحدة إيصالها إلي بقية العالم علي الأقل.رسائـل مـن أمريكـاهناك ادعاء تنافسي واحد بين الرأسمالية والديمقراطية الأمريكية، لكن الولايات المتحدة أنجح في نقل الرأسمالية منها في نقل الديمقراطية بشكل عام. الرأسمالية هي مذهب في التنافس الاقتصادي، ناجم عن قوي السوق، والديمقراطية التحررية هي معتقد من التنافس السياسي ناتج من التعددية السياسية. قررت إدارة كارتر التشديد علي تصدير الديمقراطية التحررية، فوضعت مكافأة كارتر الخاصة من أجل حقوق الإنسان كجانب من السياسة الخارجية. وأكدت إدارة ريغان علي تصدير الرأسمالية، مع مكافأة علي المشاريع الخاصة وأسعار مريحة للمزارعين، في السياسة الخارجية الأمريكية.عندما تؤكد الولايات المتحدة علي قدسية الحقوق الإنسانية بثبات، فالأرجح أن تلك أخبار جيدة للإنسانية، وهي تعني أن سياستها الخارجية قد بدأت تتأنسن، وحين تؤكد علي قدسية حافز الربح فالأغلب أن تلك أخبار سيئة للإنسانية، لأنها تعني أمركة الجنس البشري بدلا من أنسنة أمريكا. حين تحاول الولايات المتحدة تعزيز الحقوق الإنسانية بإخلاص، فينبغي أن تقلل من دعمها لأنظمة القمع في العالم الثالث، ومع ذلك، فحتي الرئيس كارتر أظهر حساسية أقل تجاه المظلومين من شاه إيران. وعندما تخرج الولايات المتحدة لتقوية الرأسمالية في العالم، فنادرا ما تقع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ضمن أولويات حسابات العم سام، وهي تقفل سماعة أذنيها أمام العالم عندما تباشر المهمة الرئيسة لتصدير الرأسمالية الأمريكية أكثر مما تقفلها عندما يرتبط الهدف الرئيسي بنشر الديمقراطية الأمريكية، ولم تكن الرأسمالية والديمقراطية التحررية هي الرسائل الوحيدة التي حاولت بنية الاتصالات الأمريكية نقلها إلي بقية العالم، فهي تنقل أنماط الحياة الأمريكية علي نحو أكثر فاعلية في أربعة أركان الكون. لهذه الجوانب ينبغي أن نلتفت الآن.تجري المنافسة في العالم الثالث علي نفس التقاليد الغربية السائدة إلي حد ما داخل قوتين تناضلان لبلوغ مرتبة الأفضلية العالمية، وثمة منافسة بين ثقافة الأجداد الأوروبيين وبين التعديلات الثقافية الأمريكية، بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وهي في قبضة التنافس الثقافي المحموم لأسر روح العالم الثالث. كسبت أوروبا الغربية المعركة فيما يتعلق بالملابس الرسمية، فالبذلة الأوروبية هي الرمز الأكثر تألقا في تفوق الثقافة الغربية في العالم، ولكل رجل نوعان من الملابس الثقافية ـ لباسه الخاص واللباس الغربي ـ (وللرجل الغربي نوعان من الملابس التقليدية انصهرا في واحد) ولا ينظر أحد باستهجان إلي الياباني في البذلة الأوروبية أو إلي العربي مع ربطة عنق غربية نظرة تنافر ثقافي، لكنه يُصدم عندما يري يابانيا في البذلة العربية المميزة، أو عربيا يرتدي الزي الياباني، لقد أصبحت البدلة الأوروبية عالمية حقا بشكل استثنائي.تختلف الصورة تماما في حالة الملابس غير الرسمية، إذ تسيطر موهبة الملابس الأمريكية وتأسر القمصان المشجرة غير الرسمية والقمصان بأكمام قصيرة (تي ـ شرت) وسترة وسروال القطن (بذلة الجينز) وما شابه ذلك خيالات العالم الثالث. وأنا أتلقي مرة تلو الأخري طلبات من إفريقيا لإحضار الجينز و(التي ـ شرت) كهدايا مميزة، لأبناء الجيل الإفريقي الجديد بشكل خاص، حيث يتوق الشباب الإفريقي إلي الجينز الأمريكي كهدية لعيد الميلاد. وماذا بعد! يساعد السائحون الأمريكيون علي نزع الصبغة الرسمية عن قواعد اللباس في الفنادق والمطاعم السياحية عبر العالم. لقد عرفت مطاعم اعتادت الإصرار أيام الاستعمار علي أن يرتدي زبائنها السترة وربطة العنق لتناول العشاء، وقد خُففت القيود في عهد ما بعد الاستعمار لاجتذاب السائحين الأمريكيين.تجلت البراعة الأمريكية في موضوع الغذاء بالأكلات السريعة ـ وقد بدأت ثورة الهمبرغر تخترق إفريقيا ـ في حين يستمر الأوروبيون في تغليب التقاليد الغربية للمطبخ والعشاء الرسمي. أصبح لدي بعض المدن الإفريقية فعل واحد من مطاعم كنتاكي أو مطاعم بيتزا الأمريكية الأسلوب علي الأقل. فنفاذ صبر الأمريكيين، وسبق سرعة الامتلاك، جزء من انتصار هذا الطعام السريع. (دعنا نرحل، بني! حان الوقت! عندما لا تجد الوقت الكافي لوجبة طعام، تناول الطعام الأمريكي، وحين تتوفر لك فسحة من وقت للدلال، في النساء، تناول الطعام الفرنسي). ثمة تنافس في المشروبات بين الغرب الأوروبي والولايات المتحدة، وتسمو قواعد المشروبات الروحية الأوروبية في العالم الثالث علي الأقل، فالنبيذ الفرنسي والسكتش ويسكي والبيرة التشيكية والألمانية منتصرة حقا، أما نظائرها الأمريكية فتصنف شعبيتها في الدرجة الثانية أو الثالثة فقط. فإلي أي حد نجح إعلام أمريكا بفاعلية في حقل المشروبات الخفيفة!! كنت شخصيا أبيع الكوكا ـ كولا في معهد مومباسا للتعليم الإسلامي في كينيا مبكرا في الخمسينيات، ولم أجد أي معادل أوروبي حقيقي سواء للكوكا أو للبيبسي. لقد شهدنا استعمار الكوكا للعالم كنموذج أكثر اتساعا لأمركة الإنسانية. الكلمة المطبوعة حقل آخر من المنافسة، وما تزال أوروبا متفوقة في عالم الأدب والفن، غير أن للولايات المتحدة أولوية تعيين القيادة في حقل العلوم والمجتمع، فالروايات والمسرحيات الأمريكية العظيمة غير معروفة في إفريقيا مثلا، أما بالنسبة إلي العلوم الطبيعية، والعلوم التطبيقية والعلوم الاجتماعية، فالأثر الأمريكي واضح لا يمكن تجاهله، كما أن هناك علي المستوي الأكثر شعبية، انتصار لمجلات الأخبار الأمريكية – خاصة التايم والنيوز ويك- وقد قاد هذا النجاح إلي التقليد، حيث صدرت عدة مجلات إخبارية في لندن تقلد التايم والنيوزويك في بنيتها حول العالم الثالث، وأصبحت المجلات الأمريكية هي الأكثر عرضة للمحاكاة في تاريخ الصحافة. من جهة أخري، تعتبر الصحف الإخبارية الأمريكية ذات تأثير أقل بين النخب الإفريقية والآسيوية من تأثير الصحافة الأوروبية، وذلك لأسباب عدة، أولها: كون الصحف الأمريكية أقل انتشارا وطنيا في بلادها ذاتها من الصحف الأوروبية في بلدانها. ثانيا: إن أفضل الصحف الأمريكية (مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست) أضخم حجما بكثير وأصعب لجهة التصدير من مثيلتها الأوروبية. ثالثا: للصحافة الأمريكية سمعة بكونها ضيقة الأفق ومحدودة التفكير في تغطية أخبار العالم الثالث، أكثر من نظيرتها الأوروبية. رابعا: النسبة العالية من الطلبة الأفارقة والآسيويين الدارسين في بريطانيا، مثلاً، يقرأون التايمز والغارديان بانتظام أكثر علي الأرجح من نظرائهم الدارسين في الولايات المتحدة الذين يحتمل قراءتهم للنيويورك تايمز أو الواشنطن بوست، لأن تكلفة الصحف البريطانية متساوية في كل أنحاء بريطانيا وكذلك اللومند في فرنسا، لكن النيويورك تايمز أغلي كثيرا بالنسبة للطلبة في معظم الولايات المتحدة الأمريكية بالتالي فجرأة نخب العالم الثالث الافتراضية للدارسين في الولايات المتحدة، أقل احتمالا لتذوق طعم الصحافة الأمريكية من نظرائهم في بريطانيا وفرنسا، وللصحافة الوطنية البريطانية والفرنسية نكهة يمكن أن تصبح إدمانا مفيدا.يبدو التأثير الأمريكي في حقل التعليم في آسيا وإفريقيا، علي المستوي الثالث (الكليات والجامعات) أكثر منه علي المستوي الابتدائي والإعدادي، وبدأ إدراك الفكرة الأمريكية عن دورات الفصل الطويل في إفريقيا الناطقة بالإنكليزية، وصارت الأوراق الفصلية تحسب من الدرجة النهائية بدلا من اعتماد الدرجة علي الامتحان النهائي كليا، واحتل اللقب الأمريكي (أستاذ مساعد) مكان اللقب البريطاني القديم محاضر في غالبية المستعمرات البريطانية السابقة.اقتصر التأثير الأمريكي في الموسيقي، علي التشكيلة الشعبية من الموسيقي الغربية، وبينما استمر الأوروبيون بتولي القيادة في التخوم الغربية التقليدية فقد أصبح مايكل جاكسون شخصية عالمية وليس مجرد أسطورة أمريكية. من جهة أخري، لا يحتمل أن يعرف الكثيرون من محبي الموسيقي الكلاسيكية في العالم الثالث الكثير عن الملحنين ولا عن المبدعين الأمريكيين في هذا الحقل، وتتفوق الولايات المتحدة في التقنية بشكل خاص في أمرين معا: لقد مارس التنوع الأمريكي في ترويض التقنية والنجاح في التقنية العالية تأثيرا ملحوظا علي بقية العالم، وأصبحت الاستخدامات الآلية الأمريكية المنزلية ـ من غسالات الأطباق إلي المكيفات ـ جزءا من أسلوب حياة النخبة في العالم، كما أعطت الخبرة الأمريكية في الفضاء والأقمار الاصطناعية وفي الطيران المدني بالذات للولايات المتحدة، تفوقا في التنافس علي احتلال مكان في مجال التقنية المتقدمة في السوق العالمية.تبدو الولايات المتحدة متقدمة في حقل الحواسيب علي أجزاء من أوروبا وبقية العالم ما عدا اليابان، وهم بالذات ما يزالون في البداية فقط من تعميم الحواسيب، ويبدو مندوبو المبيعات الأمريكية كسارقي الأضواء علي امتداد أوروبا. تتابع الولايات المتحدة المحافظة علي رؤيتها العالمية العالية في السينما والتلفزيون بالرغم من تراجع هوليوود، ولمسلسلات المال الأمريكية مثل داينستي ودلاس جمهور واسع من مومباسا إلي ميونخ، ومن سنغافورة إلي سان جون. إذ ينتظر الأسيويون والأفارقة وسكان أمريكا اللاتينية الأسبوع القادم لمتابعة مآثر (ج، ر) في مسلسل دلاس باهتمام كبير، لكن (ج، ر) نفسه يختزل أمريكا بشخصه ـ لأن (ج. ر) مبلغ عظيم للرسائل، لكنه مستمع سيء. وتكتسح برامج التلفزيون الأمريكية شاشات العالم، لكن برامج التلفزة العالمية نادرا ما تعرض علي الشاشات الأمريكية باستثناء القنوات ذات التخصص العالي لما يدعوه الأمريكيون بثا شعبيا ، وهذه أقل القنوات شعبية بمقياس عدد المشاهدين، ما عدا لأولئك الممولين للدعارة. أما فن الرسم الأمريكي الراقي، فهو أكثر غموضا من ثقافة الفرشاة الأوروبية العالية، ولا يوجد نظير أمريكي لأسماء الأوروبيين مثل رامبرانت ومايكل انجلو وبيكاسو في معظم أنحاء العالم. علي الجهة المقابلة، هل يوجد نظير أوروبي لوالت ديزني؟ تتكشف الموهبة الأمريكية بصرامة في أفلام الكرتون أكثر من معارض الرسم الفنية. مرة أخري، فإن الولايات المتحدة تابع لأوروبا في فن الرسم الراقي لكنها القائد المطلق في شعبية فن الكرتون، وتعتمد البراعة الأمريكية في معظم مظاهر الحياة علي شكل الفن الجماهيري بدل فن النخبة المتخصصة، وعلي تدخل الجمهور بدل الرعاية الأرستقراطية. وكما أشرنا، فموسيقي الجاز الأمريكية معروفة أكثر من الموسيقي الكلاسيكية، ومجلات الأخبار الأمريكية أكثر انتشارا من الروايات، والملابس الأمريكية غير الرسمية أكثر شعبية من الملابس الرسمية الأوروبية، والأطعمة الأمريكية السريعة أكثر قبولا من المطبخ الرسمي الأوروبي، والمشروبات الخفيفة أكثر تذوقاً من المشروبات الكحولية الأمريكية، ومسلسلات المال الأمريكية أكثر تقديرا من البرامج الوثائقية، وهكذا حتي أسفل القائمة. وسيشعر ألكس دو توكوفيل بأنه محميّ بقوة لأن أمريكا هي الجمهور الغربي الديمقراطي الأول في النهاية، فلماذا لا تكون ثقافتها الشعبية دعوة لبقائها الكوني الأول؟ نقطة الضعف الوحيدة في هذه المقارنة، هي أن أمريكا عديمة الحساسية للثقافة الشعبية في باقي أنحاء العالم، وبراعتها الشاملة لشعبية الإبلاغ متقدمة عن الاستماع الشامل. اعتاد العالم الرقص علي موسيقي الولايات الأمريكية، وعلي أمريكا أن تسمع كونسرتو العالم. فما هي القوي الأساسية خلف هذا التناقض الظاهر في الحالة الأمريكية؟ لماذا تبرع أمريكا بفاعلية كمبلغ، وتفشل كمستمع؟ لماذا يصبح العالم أكثر أمريكية في حين ترفض أمريكا أن تصبح أكثر إنسانية؟ يعتمد جزء من الإجابة علي تناقض ظاهري ثالث. فقد ولدت الديمقراطية الأمريكية من تزاوج بين تسامح ديني وبين عنصرية غير متسامحة. وعلينا الالتفات الآن لهذا التناقض الثالث.الحريـة الدينيـة والتعصـب العنصـري الأعمـيحين تطرّف الآباء الحجاج دينياً أكثر من المضطهَدين الهاربين من أوروبا، اتجهت الفترة الأطول في التاريخ الأمريكي في الواقع، نحو تسامح ديني أعظم، فحــــين وُضع الدستور الأمريكي سبقــــت الولايات المتحدة أوروبا في الفصل بين الكنيسة والـــــدولة، وأقنع الدستور الجديد هيئته التشـــــريعية بالعدول عن وضع القوانين التي قد تُخـــــل بحرية العبادة، أو تعزز المكانة السياسية لطـــــائفة واحدة علي الأخريات، وظهرت الدولة العلمانية في التاريخ الغربي. وأمريكا التي تعلمت التسامح الديني أكثر من أوروبا، هي ذاتها التي تعلمت في نفس الوقت التراجع في تسامحها العرقي أكثر من أوروبا التي حصرت أمريكا في نهج واحد داخل تلك الحالة العنصرية تماما، فقد شيدت تجارة العبيد الأوروبية المخصصة لمستعمراتها الأمريكية عبر الأطلسي، المسرح للعنصرية في النصف الغربي للكرة الأرضية، وفي الوقت الذي انشغلت فيه أمريكا بتأسيس دولة لا دينية، فقدت قدرتها علي تأسيس مجتمع غير عنصري، وأتاحَ مبدأ منفصلين لكن متساويين فرصة لنشوء المجتمع العنصري، مثلما أتاح مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة ظهور علمانية الدولة، وذلك هو التنافس بين الإله والعبقريات. أرادت الديمقراطية الأمريكية إبقاء الإله خارج السياسة لتحتفظ بالعبقريات داخل العملية السياسية، والديمقراطية الأمريكية أكثر علمانية وأقل عنصرية معا من نظيرتها الأوروبية. ولدت الديمقراطية الأمريكية ذاتها من قوتين علي الأقل: العلمانية، والانعزالية الأمريكية. علّمت العلمانية الأمريكيين فضائل التسامح، وعلّمتهم الانعزالية ميزات الفردية، والديمقراطية التحررية في أمريكا هي انصهار للتسامح الاجتماعي وشظف العيش الفردي، فالتسامح الاجتماعي امتداد للعلمانية، والفردية المفرطة هي امتداد للانعزال الجغرافي، وربما تتكئ الثقافة السياسية الأمريكية في الواقع علي هذا الأساس الثنائي عبر الزمن والفضاء. استمر النظر إلي أبراهام لنكولن علي نطاق واسع كرمز للشفقة المسيحية والحساسية الديمقراطية بين الشخصيات السياسية الأمريكية. وحولته تقواه الدينية إلي مناهضة العبودية، غير أنه كان للنكولن آراؤه العنصرية المسبقة، والتي جعلته معاديا لأي شيء يقترب من المساواة بين البيض والسود أيضا. صهر أبراهام لنكولن نفسه روح الرؤية الأمريكية ووميض العنصرية من فضيلة الدين الأمريكي ورذيلة العرقية صهرا مثيرا. وبذلك التناقض الحاد رمزَ لنكولن لعذاب بلده. ففي خطابه في الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) 1858 في شارلستون، عاصمة ولاية إلينوس أوضح أبراهام لنكولن بقوة أنه مع تحرير العبيد ، لكن ليس ليعانقوه. قال لنكولن نعم لحرية الزنوج، لكن لا لمساواتهم: أنا لا أريد امرأة زنجية لاستعبادها، وأريدها للمتعة بالضرورة (ضحك وتشجيع) …. سأبقي حتي اللحظة الأخيرة، إلي جانب قانون هذه الدولة الذي يمنع السكان البيض من التزاوج مع الزنوج. … ثم سأقول لكم بأنني لم ولن أكون أبدا بأي حال إلي جانب المساواة الاجتماعية والسياسية بين الجنسين الأبيض والأسود (تصفيق) لم ولن أكون أبدا لصالح جعل المصوتين أو المحلفين من الزنوج، ولا مساواتهم في تقلد المناصب ولا التزاوج مع السكان البيض . وهكذا استمر المأزق الأمريكي بين غاية الأخلاق العليا والإجحاف العنصري، بين المثالية الديمقراطية والخصوصية العرقية، وبقي هذا المأزق جزءاً من الضعف الأمريكي في الاستجابة إلي العالم الأوسع، وجزءاً من ظاهرة صَمَم العم سام. إذا كانت أمريكا متحررة دينيا ومتعصبة عرقيا، فكيف يتكشف هذا التناقض في السياسة الخارجية؟ إجابة قد نحتاجها للمقارنة بين دولة تشارك أمريكا في اتجاهها الديني السائد وبين دولة أخري تشاركها في العرق. لا توجد أمثلة دقيقة في الحقيقة، ومن وجهة نظر السُود، يمكن أن تصح المقارنة باعتدال بين وضع ليبيريا ووضع إسرائيل في السياسة الخارجية الأمريكية. تتشارك المؤسسة الاجتماعية والسياسة الليبيرية مع التيار الأمريكي السائد في الدين المسيحي، وتختلف معها في العرق. ويتشارك التيار الأمريكي السائد مع المؤسسة الاجتماعية والسياسية الإسرائيلية الأشكنازية بأصولها الأوروبية ويختلف معها في الدين، ويمكن القول بأن إسرائيل أقرب إلي أمريكا عرقيا منها دينيا؛ وأن ليبيريا أقرب لأمريكا دينيا منها عرقيا، فأي نوع من القرابة لأمريكا أكثر احتسابا؟ باختصار، هل الدين أم العرق هو الموضوع البارز في السياسة الخارجية الأمريكية؟7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية