أمريكا والغرب بين لعنة الساسة ودفء الناس

حجم الخط
0

هل تختلف ضمائر الناس باخـــــتلاف أرضــــــهم؟ وهل تتغير القيم الإنسانية بتغير الجغرافيا والتضاريس؟ وهل قلوب الأمهات في أمريكا والغرب تختلف عن قلوب امهاتنا في بلادنا العربية؟
اعتقد جازما بأن الإجابة هي لا، إذا ما الذي يحدث؟ وكيف يرضى الناس في أمريكا والغرب عما يجري الآن في سورية؟ حيث يتعرض شعبها إلى إبادة جماعية على يد اشنع النظم الاستبدادية التي لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا لها، تلك الإبادة التي ما كان لها أن تحدث لولا تآمر ساسة أمريكا والغرب على شعب سورية وخذلانهم له وتغاضيهم عن إجرام النظام، رغم كل ما يتشدقون به من قيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان.
ولو اننا بحثنا بعين التحليل والنقد عن إجابة لهذا السؤال، لوجدنا من غير مشقة تذكر، أن السبب وراء ذلك هو تلك المنظومة الإعلامية المرعبة التي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني وطواغيت المال في تلك البلدان، والتي لم تفتأ تنقل الزيف والأكاذيب عن عالمنا العربي والإسلامي، مشوهة بذلك أجمل ما لدينا حيث يصور الحق باطلا والجمال قبحا.
إن المتابع للإعلام الأمريكي والغربي خلال الأزمة السورية، التي لا يزال لهيب نارها يحرق الأخضر واليابس في أرض الشام ، سوف يدرك أن ذلك الإعلام قد غيب عن الناس حقيقة ما يحدث هناك، حيث قام بتقزيم المأساة السورية وجعلها تبدو للناس على أنها حرب أهلية لا ثورة شعب ضد نظام مستبد، بل إنه اختزلها بعصابات متطرفة قد تهدد يوما أمنهم واستقرار مجتمعاتهم، متغاضيا عن ثورة عظيمة لشعب عظيم خرج من أجل حريته وكرامته وبقي في الميادين يحمل الورود واغصان الزيتون، التي امتزجت بدماء أطفاله ونسائه ولاكثر من ثمانية أشهر من عمر الثورة.
ومقارنة بين موقف طواغيت الإعلام في أمريكا تجاه الأزمة السورية وموقفهم من الغزو الأمريكي للعراق، فإننا نرى تشابها كبيرا، حيث سيس الإعلام إبان حرب العراق لمصلحة تجار الحروب وشركات السلاح بشكل يثير الاشمئزاز حقا.
ولو أجرينا استطلاعا بسيطا لرأي الناس البسطاء في أمريكا عن حرب بلادهم على العراق، فسوف نجد أن غالبيتهم على قناعة راسخة بأن بلادهم بذلت الغالي والنفيس لتخليص العراق من أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين، ولجلب الحرية والديمقراطية للشعب العراقي، فهم يجهلون حقا أن هدف ساستهم من غزو العراق كان النفط الذي حصلوا عليه بالفعل، وأن هدفهم كان تدمير ذلك البلد العربي الكبير إرضاء لإسرائيل، وهم بذات الوقت يجهلون أن ملايين العراقيين قد شردوا وأن مئات الآلاف قتلوا وأن اشعاعات اليورانيوم المنضب التي تسربت الى أرض العراق ومياهه سوف تبقى تشوه آلاف الأجنة ولمئات السنين، وأن العراق قد مزق وقسم وسلم لاحقا لإيران تعبث به كيف تشاء، والأخطر من ذلك كله أن الشعب الأمريكي وإلى الآن لا يعرف أن وزير الخارجية كولن باول كذب على العالم بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية (وقد اعترف لاحقا بما فعل) ولا يعرف عدد أبنائه الذين قتلوا في الحرب ولا حتى اسماءهم، حيث أخفى ساستهم وبشكل شديد تلك الحقائق، الى أن قام بكشفها أحد الناشطين الهواة، الذي سبب في ذلك الوقت أزمة كبيرة سارعت وسائل الإعلام إلى وأدها والتغطية عليها.
هل يخطئ الناس في أمريكا والغرب عندما يساندون حكوماتهم ويقومون بواجبهم تجاه بلادهم، حتى لو بقناعات خاطئة قد روج لها ساستهم وإعلامهم؟ لا اعتقد ذلك بل أعتقد أننا نحن العرب الذين اخطأنا وما نزال.
إن إدراك العرب لتلك المنظومات الإعلامية المرعبة التي تعبث بمصائرهم تشوه قيمهم وحضارتهم وحتى دينهم، وتنقل الزيف للناس لكي يتماهى مع مصالح الساسة ورغباتهم، من دون أن يحاولوا مواجهتها والتصدي لها، هو خطأ يرتكبونه بحق أنفسهم فحسب، بل بحق أطفالهم وأجيالهم القادمة.
إن العرب ينفقون المليارات في غير مكانها، حيث اهملوا مراكز البحث العلمي والأدبي وتخلوا عن المفكرين والأدباء لينشئوا فضائيات تقلد أسوأ ما انتجته الحضارة الغربية، لقد اهملنا القراءة حتى عن تاريخنا المشرق وحضارتنا العظيمة التي نشرت النور إلى ظلام أوروبا قبل حتى أن توجد أمريكا.
يخطئ العرب إذا اعتقدوا أن سياسة أمريكا يمكن تغييرها بالانحناء أمامها واستجدائها، فتغيير سياسة أمريكا ومن ورائها الغرب لن يكون إلا من خلال شعوبها، فهذه بلدان تتمتع بديمقراطية حقيقية وهي تصغي جيدا لما تريده شعوبها، وتلك الشعوب تمتلك من القيم الإنسانية الكثير وهي تحتاج الى من يخاطبها وينقل إليها الحقيقة، إنها شعوب اتقنت فن الاصغاء جيدا وتعلمت أن تحترم المفكرين والباحثين والعلماء.
إن شعوبا تسقط حكومات من أجل مصرع كلب بغير حق على أرضها لن ترضى عما يفعله ساستها إذا ما عرفت حقيقة مكرهم وزيف إعلامهم.
فإلى متى يبقى العرب والمسلمون متلقين غير فاعلين تتقاذفهم ومصائرهم طواغيت الإعلام الكاذب المسيس، من دون أن يكون لهم منبر يدافع عنهم وهم الذين يملكون خزائن الأرض وأهم ثرواتها؟
إن أطفال سورية اليوم في أمس الحاجة الى قلوب الناس وضمائرهم وليس الركوع عند أقدام ساستهم. ونخطئ خطأ فادحا عندما نضع طغاة ساسة الغرب في كفة ميزان واحد مع شعوبهم، وعندما نعتقد أن الكراهية هي الحل الوحيد لصراع الحضارات، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يمتلك القلوب الجدران.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية