مطاع صفدي
العالم يتغير. هل تسبق متغيرات المحيط هذه المرة متغيرات المركز، القارة العربية الإسلامية مُقْدِمة على تمزيق خارطتها الإستعمارية القديمة. كل الغرب المتخبط في حقبة النزع لرأسماليته المتهالكة، لا يدري بعد كيف يمكنه أن يتدبّر انفلات هذه الغارة من تحت يده، في الوقت الذي يعجز عن ابتكار شباب آخر ما بعد شيخوخته المزمنة.
يدرك العقل الغربي أن إمبراطوريته العسكرية عفا عليها الزمن، وطولُ التوغّل في دمار الشعوب الأخرى، وأن قائدته العظمى أمريكا مشغولة برهان إمكانية البقاء لما بعد انسحاب خارطتها العسكرية عن وجه ثلثيّ الكرة الأرضية، وأنه لا أمل كذلك ببقاء إمبراطورية أخرى بديلة للغرب موصوفة بالمدنية، تُفاخر بها بقية الإنسانية وتُعزّي شعوبها الضعيفة بالإستتباع الطوعي لسلطانها الشفاف، لكن بعض الفكر الأوربي له رهان آخر معتمداً على الفلسفة القائلة: أن الهيمنة المدنية ليس شرطها بقاء الهيمنة العسكرية، بل الأمر على العكس، فان امتحان الأصالة للهيمنة المدنية هو في قدرتها على ابتكار سلطتها المعنوية من ذاتها، ضداً على كل قهر عنفي مادي. وقد لا يأتي هذا الامتحان من صميم المدنية الغربية الرافضة حتى اليوم تجاوزَ شرنقتها العنصرية؛ هنا تأخذ الثورة العربية الوليدة زمام المبادرة فيما أنجزته حتى الآن من تجارب مبدعة تتعلّق بإمكان إنتاجٍ لقانونها ضداً على مختلف الضرورات الواقعية المترسّخة في بنية مجتمعاتها وسلطاتها الحاكمة. فقد باشرت عصرَها المختلف بالبرهنة اليومية على أن للمقاومة المدنية عنفَها الإنساني القادر على دحض العنف الدموي الفالت من كل عقال أخلاقي أو قانوني. قد لا تتهاوى جميع عروش مركّب الاستبداد/الفساد، بين عشية وضحاها. لكن الثورة، بالحرف الكبير، أَفقدت هذه العروش حتى الثقة بقلعتها الأمنية. فما يعنيه استنفاد أو استهلاك الحل الأمني هو أن الطغيان لا حماية له في محصّلة الصراع السياسي، الذي سوف تفرضه عليه قوى جماهيرية غاضبة، غير قابلة أصلاً لمنطق القوة، وإن كان يتهدد حياتها. ذلك أن الحل الأمني لا يفقد جدواه عربياً فحسب، بل ربما هي نهاية حقبة كونية كاملة من تراكم أشكال العنف في العلاقات الدولية والمجتمعية الداخلية، تحت سطوة القهر الاقتصادي الذي دأبت على تسويغه وتسويقه إقليمياً وعالمياً الليبراليةُ التي تصف نفسها بالجديدة، وهي في حقيقتها ليست سوى ردة عمياء إلى قانون الغاب، وإن كانت تتسمَّى بقانون السوق وحدانياً فحسب.
الاعتراف بأنه العصر الإنساني للثورة، المتميزة بجمهورها الطليعي من الشباب، هو اليوم مفتاح الفهم لاستراتيجية دولتية على مستوى المعمورة، لم يكتبها أحد، إذ تنبع من تحولات التاريخ الكوني عينه. إنه عنصر الشباب الذي يُمسك بزمام المبادرة، فهو المتحسّس أولاً بهزات الزلزال قبل تعميم انفجاراته. وقد اهتزت الشوارع الخلفية لعاصمة المال العالمي لندن بالموجات الغاضبة الأولى من الشبيبة العاطلة عن العمل، والتي تحرمها سياسة التقشف من فتات المساعدات الحكومية التي كانت تبقيها على قيد الحياة. اتهمت الدولةُ الغاضبين بأنهم من العناصر الملونة الطارئة، لكن كشفت كاميرات بعض الإعلام، أن العنصر الأبيض الأشقر كان مخالطاً لزملائه السود والسمر؛ فأوربا (الرسمية) ترفض مقدماً التوقعات الاجتماعية حول الحراك الطلابي المنتظر مع العودة القريبة إلى الجامعات والمعاهد العليا في معظم مدن القارة العجوز، حيثما سينتقل الرد على الجولة الجديدة لأزمة الاقتصاد المالي الافتراضي، من أوساط الساسة والخبراء الفاشلين، إلى جماهير الشعب، بدءاً من الطلائع الطلابية التي سترافقها النقابات العمالية منذ البداية، مما يجعل هذه الإنتفاضة مختلفة عن سابقتها ورائدتها، ثورة الثامن والستين الفرنسية، إذ بقيت هذه الحركة الأولى طلابية إلى مدى بعيد، قبل انضمام شرائح متزايدة من الطبقة المتوسطة.
قال بابا ‘روما’ معنّفاً قادة أوربا: إنهم لا يزالون يختلفون حول سعر الفائدة، بينما يكاد ينهار النظام المالي كلياً على أغنيائه وفقرائه معاً. وإن كان لأغنياء هم صانعو الأزمات والمستفيدون الأوائل من (فوائد) أعطالها، في الحسابات الأخيرة.
إذن، هو الغرب بضفتيه من الأطلسي، يعاني راهنياً من الاستحقاقات الواقعية المترتبة على الهرولة نحو الليبرالية الجديدة المجنونة، لكنه، وهو في أوج الذروة القصوى، من هذه المعاناة ليس مستعداً للتنازل شبه المجاني عن قارته الأخرى السمراء، فهي مستودع احتياطه الدائم في أحوال السرّاء والضراء، من ذخائره التقليدية في الثروة والسلطان ومشاريع الهيمنة على مجريات التاريخ العالمي.
لكن القارة العربية الإسلامية تشرع في تبديل مادتها البشرية، من طغيان فئات الشيوخ، إلى الصاعدين من الأفواج الفتية التي أصبحت تشكل الغالبية في مجتمعاتها، الجديدة؛ فلن يبقى نظام الأنظمة العربية الحاكمة حكراً على طبقة العَجَزَة من أصحاب كروش الاستبداد والفساد. فإن تساقط الطاقم الرئاسي الجمهوري الزائف من هذه الطبقة، ليس سوى المدخل إلى بيت العنكبوت الأصلي، حيثما يعتصم الطاقم الآخر المؤسس لديمومة التخلف العربي، من رموز السلطة القروسطية المستديمة. فالعصر الشبابي العربي ليس مصطلحاً شعرياً، إلا أنه علامةُ التبدل للمادة البشرية نفسها، حيثما يقع نوع التناقض الجذري، للمركب الحيوي الأنطولوجي، مابين القالب السلطوي المؤطر للمجتمع، ومابين محتواه من طبيعة المادة البشرية عينها؛ ذلك هو تعليل ديموغرافي لم يعد يمكن إهماله في فهم وتحليل قانون التغير التاريخي، لكلٍ من نموذجيْ التقدم والتخلّف من مجتمعات الألفية الثالثة. وقد يكون العلم الغربي متنبهاً إلى هذا المنعطف الذي تعبره غالبيةُ إنسانيةِ المعمورة غير البيضاء، بينما يواجه الغرب مرحلة الاستعصاءات شبه المطلقة في مختلف مشاكله المادية والروحية. مثلاً، حين يتولَّى قادة الدول العظمى، في واقعة لا سابقة لها، إصدار أمر الارتحال إلى حاكم دمشق ما بعد حاكميْ القاهرة وطرابلس. هذا يعني أن الغرب قرر أن يمزق خارطة الشرق الأوسط التي رسمها بقلمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، إن لم ترجع إلى الحرب الأولى في أصلها. فإذا ما تمَّ انسحاب الاحتلال الأمريكي من العراق وأفغانستان، خلال العامين القادمين، هذا معناه أيضاً أن مجمل القارة العربية، حتى عمق حدودها الإسلامية في قلب آسيا، قد ترُكت مئاتُ ملايين البشر شبه المعدمين، إقتصادياً حضارياً، لمصائرها الذاتية، لأول مرة منذ سقوط الدولة العباسية في بغداد؛ لكن من يقول أن الغرب حزم أمره حقاً على إغلاق أبواب مستودعه من احتياطي الثروة والهيمنة، وأنه رمى مفاتيحها إلى المصير المجهول من ذاته، قبل سواه. هناك في هذا الغرب العتيد، بعضُ أهل الثقافة الحرّة يعتقدون أن أوربا لن تحقق ثورتها الشبابية على شيخوختها إلا بقدر ما يتحرر الشرق من هيمنتها. ولذلك أسبابٌ موضوعية صرفة. أولها أن المال والنفط العربيين لم يعودا حاجة حيوية واحتياطية عظمى إلا للبعض من أسياد الرأسمالية المترسخة، بل ربما أمست هي العقبةَ الكأداء، أمام حتمية التغيير المجتمعي الكلي، الذي صار هو رهان عودة الفُتوّة لمدنيةٍ غربية عالمية، خالصة من توأمها البربري الملاصق كالجسد الآخر، لمختلف تطوراتها الحافلة بنقائض الخير والشر.
الغرب أصبح يردد بالفم الملآن بعضَ أسرار مصائبه، مُقَنَّنةً بأرقامها الفلكية الرهيبة. ما يقال عن ثرواته القومية الجبارة، يصرّح الإعلامُ ان ثمانين في المئة منها، هي ملكية خاصة لحفنة معدودة من فِيَلَية الرأسمالية، المصرة على إبقاء كل خطوة للمدنية نحو الأمام، محكومةً سلفاً بـ ‘قوانين’ جاهلية الغاب لما قبل تاريخها، بحجة إطلاق المنافسة الحرّة. فكانت النتيجة أن شعوب أمريكا وأوربا مع دولها، أصبحوا مديونين جميعاً لكبار أغنيائهم. ومع ذلك فهؤلاء الدائنون الجبابرة، بآلاف المليارات، ليسوا سعداء تماماً. فلقد اقتنصت بورصات المال حرياتهم الشخصية؛ صاروا عبيداً، افتراضياً، لأحدث سلطة استبدادية هي سلطة الأرقام الفلكية، شبه المتنقلة والمستقلة تقريباً عن إرادة أصحابها، متنقلةً في لحظات ‘الزمن الواقعي’، هذا المصطلح المفترس لمسافات الزمان والمكان، والمكثف في اللمعات الضؤئية الخاطفة على سطوح الشاشات الإلكترونية، حيثما تكاد تتساوى لانهائيات الأرقام القصوى بلانهائياتها الدنيا. كأنما هو الاستبداد الضوئي، المرآوي، سيكون هو الموروث الأبقى والأخطر، بعد انحدار سلالات الاستبدادات السياسية بكل أشكالها وأطوارها، إلى مزبلة التاريخ.
من وجهة النظر هذه يمكن فهمُ العجز الأمريكي والأوربي المستفحل، عن فرض ضرائب تصاعدية جديدة على الصفقات المالية الخيالية؛ ذلك ان سلطة السوق لا تزال تفرض على الحكومات أن تتابع ابتزاز شعوبها كيما تغطي بعض الديون المتراكمة، المفجرة لمسلسل الأزمات (الكونية) المتلاحقة. فالعالم يشتغل ويكدح من أجل حفنة من أثريائه.. هؤلاء الذين أمسوا بدورهم أسرى لسماسرة البورصات، المتلاعبين الفعليين بمصائر الشركات الكبرى، والدول العظمى أخيراً، المشرفة على الإفلاس. هذا الوضع الاقتصادي المتأزم يحكم السياسة الدولية، ويدفعها إلى ارتكاب تنازلات جذرية، قد يصبّ بعضها في صالح الشعوب المستضعفة، من حيث أن تسلّط القوي على الضعيف بات يكلّف صاحبه ما فوق طاقته. لعلّ عالمنا العربي والإسلامي سيكون من أول المستفيدين إن أحسن شبابه الصاعد قراءةَ هذه التحولات. بمعنى أن انحسار التسلّط الغربي عن هذا العالم، ربما يؤذن بانقضاء حقبة الاستبداد المحلي المشتغل لحساب قانون الهيمنة الاستعمارية. فقد تعرف قريباً أوطانُ قارة العرب والإسلام وجهاً مجهولاً للحرية كادت تنسى ملامحه منذ عصور.
أخيراً هذا المشهد السريالي:
دول الهيمنة الغربية التقليدية تصدر أوامرها المتلاحقة بتنحي أباطرة العهد الاستعماري المشؤوم، واحداً بعد الآخر. لكن الشعوب (المتحررة) هل ستعرف كيف ستتمتع بالشمس المشرقة الجديدة قبل أن تعصف بها غيوم التزييف من كل جانب..’ مفكر عربي مقيم في باريس