بغداد ـ «القدس العربي»: أصدر القضاء العراقي، الخميس، مذكّرة قبضٍ ،بحق الكاتب والمحلل السياسي العراقي، سرمد الطائي، إثر تصريحات أدلى بها خلال استضافته في برنامج سياسي يُعرض على القناة «العراقية» الرسمية، ووجّه فيها انتقاداً لاذعاً لرئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، في وقتٍ انتقد مرصد حقوقي، تعامل سياسيين وأعضاء في البرلمان، مع الصحافيين، بشكلٍ «معادٍ لحرية التعبير».
ماذا قال الطائي؟
قال الطائي، خلال مشاركته في البرنامج، إن «أي شخص يعترض على دور القضاء حالياً يُعتقل، حتى إن الوضع بات أخطر من فترة نوري المالكي وقاسم سليماني».
وأضاف: «نحن أمام ظهور ديكتاتورية جديدة، ولذلك فإن فائق زيدان في مواجهة التحولات الفكرية للشباب». وأكدّ أن «فخامة العراق أكبر من خامنئي، كما أن القاتل سليماني ذبحنا في انتفاضة تشرين، وفائق زيدان يمارس انقلاباً سياسياً وأمنياً».
وليلة الأربعاء، قررت شبكة الإعلام العراقي الحكومية، منع ظهور الطائي في برامجها وأخبارها، بعد ما وصفتها «إساءات» صدرت منه إزاء القضاء وشخصيات أخرى، كما قررت الشبكة إلغاء برنامج (المحايد) الذي يقدمه الصحافي، سعدون ضمد، في «قناة العراقية» الحكومية.
وأمس، جاء في كتاب رسمي عن رئاسة محكمة استئناف بغداد / الكرخ، وموجه إلى نقابة الصحافيين العراقيين، «نود إعلامكم، إن الممثل القانوني عن رئاسة محكمة استنناف بغداد الكرخ الاتحادية، قدّم طلب إتخاذ الإجراءات القانونية بحق الإعلامي (سرمد عبد الستار عبد الله معتوق الطائي) لارتكابه جريمة وفق أحكام المادة (226 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969) لتعمده إهانة المؤسسة القضائية في برنامج (المحايد) الذي بثتة قناة العراقية بتاريخ الأول من حزيران /يونيو الجاري».
وعدّ كتاب القضاء، أن «ما بدر من الطائي خارج إطار حرية التعبير عن الرأي المكفولة بموجب الدستور العراقي» مبينا أن «بالنظر لمجهولية محل إقامته وصدور مذكرة قبض بحقه بتاريخ 2014/1/8 من المحكمة المختصة بقضايا النشر والإعلام (الملغاة) في حينها فقد قررت هذه المحكمة إصدار مذكرة قبض بحقه بدل مذكرة الاستقدام وفق المادة المذكورة».
«إضعاف ثقة المواطنين بالقضاء»
وخاطب زيدان، أمس، «شبكة الإعلام العراقي» قائلا في وثيقة «يحرص مجلس القضاء الأعلى على حماية حرية التعبير عن الرأي والإعلام المكفولة بموجب المادة (38) من الدستور عبر التعميمات على كافة المحاكم بضرورة مراعاة معاملة الإعلاميين معاملة تنسجم مع طبيعة عملهم ضمن الإطار الدستوري».
إلا أن المجلس، حسب زيدان «يأسف لنهج قناة الدولة الرسمية (العراقية) بالإساءة إلى مجلس القضاء الأعلى كمؤسسة وشخوص القائمين على إدارتها بتعمد إضعاف ثقة المواطنين بالقضاء، وما يصدر عنه عن طريق استضافة من لديهم رأي سلبي (متطرف) بالقضاء».
وتابع «هذا النهج غير المسؤول، مفضوح للمتخصص ولا يليق بقناة تمول بشكل رسمي من أموال الشعب، في ظرف يحتاج تكاتف جميع المخلصين على العراق (فعلا لا قولا) لتجاوز الأزمات التي للأسف كان جزء منها بعض المحسوبين على وسائل الإعلام ممن اعتادوا على إشاعة الأكاذيب والفوضى في المجتمع».
موقف النقابة
وردّاً على طلب رئيس مجلس القضاء الأعلى، استنكرت نقابة الصحافيين العراقيين، «الإساءة» لمجلس القضاء ورئيسه، فيما أكدت أنها ستتخذ الاجراءات المناسبة، بحق كل من يتجاوز أو يستهدف القضاء في العراق.
وقالت، في بيان صحافي، «نستنكر ما تقوم به بعض وسائل الإعلام والبعض من الإعلاميين عبر التناول الإعلامي، في الإساءة أو استهداف مجلس القضاء الأعلى ورئيسه، الذي يؤكد دائما عن دعمه لحرية الرأي والتعبير ويحرص على معاملة الإعلاميين معاملة تنسجم مع طبيعة عملهم».
وأضافت أن «البعض الذي يستهدف القضاء العراقي ورموزه لا يعبر عن وجهة نظر الصحافيين والإعلاميين الذين يقدرون عاليا مواقف مجلس القضاء الأعلى ورئيسه تجاههم الذي وقف في أكثر من مناسبة لصالح الصحافيين والإعلاميين».
وتابعت: «نؤكد من جديد أن القضاء الأعلى يجب أن يحظى من الجميع بالتقدير والاحترام، باعتباره الملاذ الحقيقي للوطن والمواطن، وسوف لن تتهاون النقابة مع كل من يحاول الإساءة المقصودة للوطن من خلال استهداف مجلس القضاء الأعلى ورئيسه، الذي يقف دائما مع المظلومين والمحرومين، وإنها ستتخذ الإجراءات المناسبة بحق كل من يتجاوز أو يستهدف القضاء في العراق».
حملة «ممنهجة»
كذلك، انتقدت جمعية القضاء، ما وصفته بـ«الحملة الممنهجة» لاستهداف القضاء واستقلاله.
وقالت، في بيان صحافي أمس، إنه «بعد أن أيقنا بأن هناك حملة ممنهجة ومخطط لها ومستمرة لاستهداف القضاء العراقي، وبعد ما أطلعنا عليه من إساءة كبيرة ومتعمدة إلى القضاء وإدارته والقائمين عليه ومحاكمه عبر قناة العراقية الفضائية، فقد اجتمعت جمعية القضاء العراقي (أمس)».
وخرج الاجتماع، وفقاً للبيان، بجمّلة ملاحظات، من بينها أن «القضاء العراقي يؤمن إيمانا مطلقا بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، ومنها حرية التعبير عن الرأي، إلا أن، وبذات المستوى، يؤمن بوجوب تقييد تلك الحريات إلى الحد الذي يمنع خرق المبادئ الدستورية الثابتة التي تقوم عليها الدولة، ومنها، وفي مقدمتها استقلال القضاء، كما يجب تقييد تلك الحقوق والحريات، إذا ما تعارضت مع المصلحة العامة العليا للبلد». وأشار إلى أن «استضافة مثل هؤلاء الأشخاص وإطلاقهم تلك الآراء دون تعقيب من المقدم يدل على نية مسبقة وعمل ممنهج يهدف إلى تقويض استقلال القضاء، كما يدل على جهل مطبق بأحكام القانون عندما يتهمون القضاء بالدكتاتورية، فهل يعتقد أولئك أن القضاء يجب أن يكون ديمقراطيا في عمله وأحكامه؟».
قال إن «البلد أكبر من خامنئي والقاتل سليماني ذبحنا في انتفاضة تشرين»
وأضاف أن «الدول المتقدمة، إنما بُنيت على دكتاتورية القانون لا دكتاتورية السلطة، والتي تعني التطبيق الصارم للقانون على الجميع سلطات وقوى سياسية وافراد دون تمييز، وأن اعتقاد أولئك أو محاولتهم، إيهام الرأي العام أن عدم اتخاذ الإجراءات القانونية على من يعتدي على مؤسسات الدولة ويحاول أن يقوض من استقلال القضاء يعتبر ضربا من ضروب الديمقراطية يُعد خرقاً واضحاً لاحكام الدستور والقانون وطبيعة عمل القضاء ودوره في بناء الدول».
«سقوط للدولة»
وتابع: «كان القضاء العراقي المؤسسة الوحيدة التي حافظت على كيان الدولة العراقية بعد إنهيار مؤسساتها كافة في عام 2003، ويعتبر القضاء الحصن الأخير والموثوق به الذي يلجأ إليه الجميع، سلطات ومؤسسات وأفراد، ويجب على الجميع الحفاظ عليه والدفاع عن استقلاله لأن سقوطه أو إضعاف الثقة به لا سمح الله سيكون سقوطا للدولة وعدم إمكانية نهوضها وبنائها مجددا».
ودعت، السلطات والقوى السياسية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمواطنين كافة إلى «التصدي لهذه الهجمة الممنهجة على القضاء، حفاظا على ما تبقى من أسس بناء الدولة، كما ندعو جميع الزميلات والزملاء القضاة وأعضاء الادعاء بأخذ دورهم في المطالبة بما تضمنه هذا البيان او بما يَرونه مناسباً من اجراءات قانونية، وبما يحفظ او يضمن الحفاظ على هيبة القضاء واستقلاله وعدم السماح بالنيل منه».
في المقابل، أصدر «مرصد الحريات الصحافية» الحقوقي، جملة من التوصيات والتوضيحات بشأن طبيعة التعاطي الأمثل للسياسيين والمشرّعين، مع الصحافيين، خلال اللقاءات التلفزيونية، أو الحوارات الصحافية، وذلك بعد حادثة انسحاب النائبة مديحة الموسوي، من حوار متلفز.
وجاء في بيان صدر عن «المرصد» أنه تابع «وقائع المشادّة الكلامية التي دارت في حلقة الزميل محمد قيس من برنامج كشف حساب على شاشة تلفزيون (عراق 24) والتي انتهت بانسحاب النائبة مديحة الموسوي، عضو لجنة الخدمات والإعمار النيابية في مجلس النواب العراقي».
وأشار إلى «جملة نقاط بهذا الصدد، ووضعها في عناية النائبة الموسوي وأعضاء لجنتها وكتلتها وبقية زملائها من النواب الفائزين في الدورة البرلمانية الخامسة».
وأضاف: «يظهر الحوار سؤالاً تقدم به الصحافي، للنائبة، يتعلق بميزانية الخدمات وعلاقتها بقانون الأمن الغذائي، وهي علاقة وثيقة وفي صلب مسؤولية اللجنة التي تنتمي إليها النائبة» لافتاً إلى أنه «استخدمت النائبة في ردها عبارات لا تنتمي إلى أجواء تعامل المسؤول مع الصحافة والرأي العام العراقي، من قبيل (ما أحبه، ما أحب أستُغفَل، هذا ما يمشي وياي (معي). أنا مديحة الموسوي، لا أنتَ ولا غيرك يخليني (يضعني) بموقف مُحرج، أعرف ويامن (مع من) تتحدث».
وأضاف: «ندعو المسؤولين، وخاصة المرتبطين بتحالفات على صلة بجماعات مسلحة، إلى ضرورة ضبط لغة الحوار مع الصحافيين، تجنباً للتسبب بالتباس، كما في الحلقة المذكورة، حيث شعر الصحافي أنه يتعرض لتهديد على الهواء مباشرة بعد عبارة (أُعرف ويامن تتحدث) التي أطلقتها النائبة، خاصة وأن سجل العراق ممتلئ بحالات تهديد وترويع واختطاف واغتيال الصحافيين».
وشدد على «ضرورة تمييز النواب والمسؤولين الحكوميين، بين اللغة المستخدمة في الجدالات الداخلية للجماعات السياسية، وبين الأسلوب واللغة التي ينبغي الالتزام بها عند إجراء حوار صحافي يتابعه المجتمع العراقي بمختلف شرائحه» منوهاً أنه «عند افتقار المتحدث السياسي إلى المعلومات المتعلقة بوظيفته أو لجنته، يُمكن للمتحدث الاستزادة عبر الإطلاع، أو التريث في اتخاذ قرار الظهور الإعلامي قبل الاستعداد له، أو حتى مصارحة المحاور الصحافي بعدم امتلاك معلومة حول السؤال بشكل هادئ، ودون إظهار التوجس والشكوك حول (دوافع طرح السؤال) وهي طريقة اقترنت بالأنظمة الشمولية».
وأوضح إن «محاولة الوصول إلى (سبق صحافي) هو واحد من الحقوق المشروعة بل واجبات الصحافيين، لكن النائبة أظهرت عدم دراية بمعنى ذلك، حين استخدمت عبارة (لا تسوي بيها عود سبق صحافي) معتبرةً سؤالاً روتينياً عن تخصيصات الخدمات في قانون الأمن الغذائي محاولة للخروج بـ(سبق صحافي)».
وبيّن إن «انسحاب الضيف من الحوارات المتلفزة حق مشروع، لكن له أسباباً مألوفة، من قبيل تعرضه لعارض صحي، أو عدم استجابة المحاور لتقسيم الوقت بشكل كاف بين أطراف الحوار، أو تطرق الحوار إلى خروقات عميقة تمس بثوابت الضيف، أو أن تضم الحلقة المتلفزة ضيفاً آخر دون إعلام الضيف الأول، أما الانسحاب اعتراضاً على الأسئلة الروتينية ودون سبب وجيه، فيضع الضيف المُنسحب وسط تساؤلات جدلية عديدة».
ورأى أن «ظهور المسؤولين التشريعيين أو التنفيذيين أو القضائيين في حوارات صحافية، هو أحد واجبات هؤلاء المسؤولين، في دولة تحاول التقدم على مسار الديمقراطية وحرية التعبير، وبما يضمن مكاشفة الرأي العام بالحقائق. وتكاد تكون استضافة المسؤولين، السبيل الوحيد لكشف المعلومات، نظراً لتخلف العراق في مستويات إتاحة الحصول على المعلومة».
ودعا، الأحزاب والتحالفات السياسية إلى «تخصيص جزء من ميزانياتها لتدريب الأعضاء والنواب على طريقة الحديث في الحوارات سواءً مع المواطنين أم الصحافيين، قبل السماح لتلك الشخصيات بخوض تجربة الظهور العام» حاثّاً في الوقت عيّنه النواب الجدد على «تخصيص جزء من أوقاتهم، لمتابعة الحوارات الصحافية التي يجريها أقرانهم النواب مع الصحافيين في الدول ذات التجارب الديمقراطية المتقدمة أو المتوسطة، للإطلاع على آلية».
كما أهاب بمُقدمي البرامج السياسية، ومسؤولي أقسام العلاقات في المؤسسات الإعلامية، بـ«اختيار الضيوف الملائمين، اللذين يتحلون بمستوى مقبول من اللباقة، ويمتلكون المعلومات أو الآراء وبما يتماشى مع احترام أوقات الجمهور المُتابع للصحافة، والتوقف عن استضافة الشخصيات التي تفتقر إلى إمكانات إفادة الجمهور عبر الرأي أو المعلومة».
وختم بالتذكير أنه «بالتزامن مع الخروقات التي يظهرها المسؤولون التشريعيون والتنفيذيون الجدد، سيعيد تنشيط (اللائحة السوداء) لإدراج المسؤولين الذين يُظهرون عداءً للصحافة وحرية التعبير في العراق».