فاطمة عطفة: لم يستطع محمود درويش أن يغيب عن الأمسية الشعرية التي أقامها عدد من محبيه باتحاد الكتاب في أبوظبي، رغم اختطافه قبل ثلاث سنوات من بين أيدينا أعني محبيه- ليظل ساكنا في القلوب، وقد شارك في إحياء هذه الذكرى مجموعة من الشعراء بدأها عبدالله أبو بكر بكلمة جاء فيها: ‘في ذكرى محمود درويش.. حيا، من تحمل الأخرى: القضية أم القصيدة؟ لا بد من هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بشاعر تقمص الوطن في قصيدته الأولى، ليجعل منه حقل سنابل علياء، يزرعه بالكلام ليحصد المعنى: ‘خضراء أرض قصيدتي خضراء عالية’. وتابع أبو بكر قائلا:’من سجل أنا عربي إلى شتاء ريتا، حتى أسوار القصيدة التي لم تنته كانت مئات العناوين التي شكلت فسيفساء شعرية، تعلقت على جدار الخلود، الذي ظل وحده الحي في ساحة القتلى: ‘هزمتك يا موت الفنون جميعها/ هزمتك وانتصرت/ وأفلت من كمائنك الخلود’. ثم استشهد بمقولة محمود عن الموت والحياة:’أنا حبة القمح التي ماتت لكي تخضر ثانية/ وفي موتي حياة ما’.وتحدث أنور الخطيب مستعيدا ذكرى آخر حوار مع الشاعر:* صباح الخير شاعرنا الكبير..* من المتحدث؟* أعلم أنك تصحو لتكتب الشعر، جعلتنا نحفظك.. وددت محاورتك.* مسافر بعد ساعة أو أقل، أعدك في زيارة أخرى، ربما..وأوضح الخطيب: ولم تعد.. وبقينا بعدك، نفعل ‘ما يفعل العاطلون عن العمل: نربي الأمل’. ثم أضاف: ‘حر أنت الآن يا صديق المنافي، لكنك تركتنا مكبلين بوهجك، زرعت صوتك فينا، قتلتنا فيك، فهل سحرتنا؟ كتبت لنا حجابا على جداريتك؟ لكنك تنفي هذه التهمة عنك، تتبرى من سحرك ثم تنشد: ‘من أنا لأقول لكم؟/ ما أقول لكم؟/ وأنا لم أكن حجرا صقلته المياه، فأصبح وجها، ولا قصبا ثقبته الرياح، فأصبح نايا… أنا لا الرند، أربح حينا وأخسر حينا، أنا مثلكم او أقل قليلا… ولدت إلى جانب البئر والشجرات الثلاث الوحيدات كالراهبات ولدت بلا زفة وبلا قابلة’.أما زياد محافظة فقد بدأ حديثه بكلمات لوركا:’ آه، ليمهلني الموت حتى أصير في قرطبة’، قائلا: على لسانك وأنت تلوح مودعا الحياة على سرير أبيض، ذات العبارة. نعم ذات العبارة، لكن مانحا نفسي الحق باستبدال قرطبة الدامعة خلف تلال الزيتون، بشقيقة لها تنزف من وجع وحرقة.. آه، ليمهلني الموت حتى أصير فلسطين’.وأضاف محافظة: ‘كنت شاعر الجميع دون استثناء، شاعر الذاكرة التي قدر لها ألا تشيخ أبدا، لم تزاحم أحدا على الحرية أو الثورة أو المنبر، لم تجهش بغير ما يجول في أعماقنا ونحار كيف نعبر عنه..’.وتابع زياد محافظة: ‘درويش الذي لم يعط للشمس ظهره يوما، منح الوطن مذاقا مختلفا، صب في وهج الثورة رومانسية حالمة، لقم البندقية سرب فراشات، وملح القصيدة بماء الزهر. درويش ترك عن قصد، وجعا دفينا في داخل كل واحد منا..’.وفي ختام الأمسية قرأ الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم مقاطع مختارة من جدارية محمود درويش، وكأن الشاعر الحاضر بيننا دائما يرى ما يجري اليوم في الشارع العربي: من أي ريح جئتِ؟/ قولي ما اسم جرحك أعرف/ الطرق التي سنضيع فيها مرتين/ إلى زمن خرافي. ويوجعني دمي/ والملح يوجعني… ويوجعني الوريد/ في الجرة المكسورة انتحبت نساء/ الساحل السوري من طول المسافة،/ واحترقن بشمس آب./ رأيتهن على طريق النبع قبل ولادتي./ وسمعت صوت الماء في الفخار يبكيهن/ عدن إلى السحابة يرجع الزمن الرغيد.