أمل مرقس الصوت والصدي الفيروزي
تضيء الشمعة السبعين للمطربة فيروز في أمسية حيفاوية رائعة:أمل مرقس الصوت والصدي الفيروزيعبلين ـ من سمير حاج: علا شعر سميح القاسم وغناء أمل مرقس بلونيه الفيروزي والأصيل علي حفيف الصنوبر والسرو والعبهر الوسنان في سفوح الكرمل، فقد عاشت مدينة حيفا أمسية فيروزية رحبانية احتفاء بالميلاد السبعين لكنارة صنين… سفيرة لبنان الي النجوم… فيروز التي قال فيها الشاعر أنسي الحاج: بعض الأصوات سفينة، بعضها شاطيء، بعضها منارة.وصوت فيروز هو السفينة والشاطيء والمنارة، وحتي الموسيقي تغار منه… .مدينة الكرمل التي كتب فيها بلبلها الشاعر حسن البحيري حيفا في سواد العيون وضعت فيروز هذه الأمسية في سواد العيون، فقد كان صوت أمل مرقس المنثال والموزع بين شموخ الكرمل وقمم صنين كغيمة بيضاء، يضوع بين الفل والزنبق والسوسن ويوقظ البلابل والشحارير الغافية علي أشجار الكرمل، نعم…لقد شنفت أمل بصوتها المميز آذان جمهورها المكتظ في القاعة والمسكون بالصمت والأعجاب.بصوتها الشجي الأصيل الملتزم بالهم الأنساني والمنساب كديمة سكوب، حملت أمل آذان وقلوب مستمعيها الي عالم فيروز المعطر بالمحبة والصلاة……..رحلت بهم الي الرحاب والمشارف الفيروزية الرحبانية، والفيروزية الجديدة، لتقدم لهم فيروز الصوت والصدي في ثلاث وعشرين أغنية……..وردة قطفتها من حدائق….مسيرة فيروز العريضة الطويلة.قدمت أمل بصوتها الهادل حينا والهادر أحيانا الألق الفيروزي داخل السرب الرحباني، فقد غنت أنا عصفورة الشمس ، أنا يا عصفورة الشجن ، لا تسألوني ما اسمه حبيبي ، سهرتنا عدراج الورد ، ليالي الشمال الحزينة ، موشح زمان الحب ، بعدنا ، أحترف الحزن والأنتظار ، سلملي عليه ، رفيقي صبحي الجيز ، لا تعتب عليي ، علموني ، لا أنت حبيبي ، عندي ثقة فيك ، حبيبي بدو القمر ، بعدك علي بالي ، ستي يا ستي ، حوار عليا والجوقة من مسرحية السوارة ـ هيدي السلة، يا كرم العلالي ، موال دقت علي صدري ، مرمر زماني ، يدور الدوري ، الوداع ، جايبلي سلام .كل ذلك بتواصل مميز مع الجمهور وبحركية متجددة، فكل أغنية كانت ترف بعفوية كجناح طير، وهي تنقل المتلقي من أغنية الي أخري، ومن مناخ الي آخر، بموسيقي موحية ومميزة، تستشرف النص الآتي، وتهييء الجمهور للتفاعل والمشاركة، فالجمهور في أغلب الأحايين كان رهين الصمت لصوتها الخلاب، وكأنها تأسره وتسيره بـ Remote Control.لقد عاش جمهور فيروز / أمل ساعتين ونيف مع مطربة وفنانة تحترم فنها وجمهورها، فاللون والنص الذي تختاره أمل، والمكحل بصوتها المموسق الرنان، يناسب كل متلق علي اختلاف لغته وحضارته، لا بفضل الموسيقي/اللغة العالمية المشتركة فحسب، بل لأنه يحمل الهم والفرح الأنساني قاطبة. فهي تغني الطفولة والحب والذكريات والفراق والحزن والبعد والطير والقرية اللبنانية والسلام…. أنها تغني الأنسان في الأنسان، والفن الجميل في الأنسان.وأن كان الغناء لفيروز ومقدرة الفنان في جعل حنجرته أناء فنيا لصوت فيروز يرتقي بصاحبه الي الفن الرفيع، لأن صوت فيروز أصبح بمثابة حبة أسبرين للأنسان العربي المعاصر الذي يعيش متوالية تصاعدية من الأحباطات والخيبات، فان صوت أمل مرقس الأصيل والمبدع لا يندرج ضمن هذه المعادلة، لأن حنجرتها المميزة والمسكونة بالألحان الرحبانية قادرة وبامتياز علي الأبداع والنجاح في كل نص فني جميل، يحكي الهم والفرح الأنساني. وقد نجحت امل في أداء ألوان غير فيروزية متنوعة، فصوتها يتماهي علي النص ويروضه ثم ينفثه مهموسا حينا وهادرا أحيانا تباعا للموقف والرسالة الهادفة. وهي علي غرار السيدة فيروز غنت شعبها ووطنها ومجدت مفاتنه، وتحمل دوما أنفاسه.ولتعذرنا السيدة فيروز بدافع المحبة والعشق لصوتها وذري فنها، أن هذه الكنارة الجليلية، حاملة المرايا الفيروزية، مسكونة بالحركية علي المسرح، وهي تخاطب الجمهور بالكلمة والأشارة والأيماءة، وترد علي تصفيق وأعجاب الجمهور بانحناءة ثم تواصل الغناء، كما أن البسمة تتقرفص دوما علي شفتيها.لقد اتحفت أمل جمهورها المتذوق والمتعطش للفن الفيروزي الرحباني بأمسية ولا أجمل! مثبتة أن الفن الأصيل الملتزم بالفرح والهم الأنساني باق وشامخ كسرو وصنوبر الكرمل، وأن أزيز وعجيج غناء و ستار الفضائيات في زمن الغناء تحت الماء يبقي زبدا وهراء ووردا اصطناعيا مع عطر سوسنات وازاهير الكرمل. وقد زاد في ألق وتوهج هذه الأمسية الفيروزية الأداء الرائع لفرقتها الموسيقية المكونة من المدير الفني عازف الكمان الفنان نسيم دكور، والفرد حجار (ناي)، ألمر بال (بيانو)، ريمون حداد (باس)، امين اطرش (درامز)، عزمي عموري (ايقاع )، جميل منصور (بزق ـ عود)، وكذالك الجوقة المكونة من: عيشة شامي، روزان بولس، يارا زريق، جمال الياس، أيليا حزان، صبحي زبيدات.لقد عاشت حيفا أمسية فيروزية تضوع غناء وشعرا وموسيقي….سبعون وردة كرملية حمراء في اردان المطربة فيروز… وطوبي للفنانة أمل مرقس علي هذه الأشراقة والتحفة الفنية… وكما قال الشاعر معين بسيسو مستشرفا الأمل والفرح:ما زال في العنقود حبةوفي السحاب قطرة من المطرمن قال طير الرخ عاقروهذه الأمواج لن تلد!2