أمهات غزة: يا رب… هل من مزيد حتى ترضى؟

لم يعرف العالم معنى الإيمان والصمود الحقيقي قبل السابع من أكتوبر، يوم انطلاق الصواريخ القاتلة نحو أرواح الأبرياء في قطاع غزة. لقد كانت تلك اللحظة هي اللحظة التي تجلت فيها قوة وإرادة وصبر أهالي غزة في مواجهة الموت والألم والتشرد.. فكلمة «إيمان» لم تكن تحمل نفس العمق والأبعاد حتى تجسّدت في يوميات الفلسطينيين في مواجهة الحرب الدامية. لقد بتنا نخجل من ضعفنا وهشاشتنا أمام صلابتهم، ويقهرنا خوفنا في كل مرة نَشهد فيها شجاعتهم..
قليلون جداً هم الذين يمتلكون تلك القدرة على احتمال استئصال رحم أو بتر ساق أو ذراع من دون بنج(تخدير)… وقليلون أيضاً هم الذين يستطيعون أن يمجدوا الخالق ويحمدوه في لحظة وداع فلذات أكبادهم. إنما هناك في غزة، في مدينة العجائب، فهم كثيرون جداً … إنه شعب جبّار يملك قوة خارقة تجعله يتحمل الأمرين: الحياة في ظل الحصار القاسي، والموت المتواصل بفعل الغارات الجوية.. كل ذلك وهو متشبث بإيمانه الكبير لا يفقد شيئاً منه أو من ثقته في قضاء الله وقدره. إن صبر واحتساب الأهالي، ومواجهة الصعاب برؤوس مرفوعة، يعتبر عبرة للعالم بأسره. وهو برهان على أن الإيمان ليس مجرد كلمات تُردد، بل هو حقيقة تتجلى في يومياتهم وتصرفاتهم في لحظات السقوط الكبرى.

« حتى ترضى يا الله»

كيف ننسى وجه والدة الصحافي أحمد حجازي… كيف ننسى دموعها … وتلك الكلمات المضيئة التي رددتها لحظة تلقيها خبر استشهاد ابنها محمد في قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة:
«اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً يا الله… ابتليتني يا الله في المرض فحمدتُك… قصفَ جيش الاحتلال بيتي فحمدتُك… أُسِر ابني فحمدتُك… استشهد ابني فحمدتك.. وهل من مزيد؟ إن كان هناك المزيد فسأحمِدُك أيضاً.. حتى ترضى يا الله.. حتى ترضى…»
لقد رددت عبارة «حتى ترضى» مرتين وكأنها تود تأكيدها … رددتها وهي في قمة وجعها.. لقد حمدتِ الله خمسَ مرات وهي تبكي أمام جثة ابنها وتهمس في أذنه آخر وصاياها… حمدتِ الله وهي تُقّبِل ابنها على جبينه قبلةَ الوداع … حمدتِ الله وهي تضمه إلى قلبها… من في قلبها إيمان مثل هذا ولا تُقْرَعُ لها الطبول وتُدقُ لها الأجراس من أقاسي السماء؟ من في قلبها إيمان ووجع مثل هذا ولا يهطل لها المطر ولا يلتف حولها جيش من الملائكة وتضاء لها البحار… إن «أم محمد» لم تكن الأم الوحيدة التي حملت ابنها شهيداً وحمدت الله على وجعها وقهرها وجروحها… لم تكن الأم الوحيدة التي دفنت طفلها وهي ترفعه قرباناً للسماء… بل هو حال كل الأمهات في غزة…
إن إيمانهن ودموعهن وآلامهن هي التي حرّكتِ العالم بأسره واستحال صبُرهن إلى «تسونامي» اخترق القارة الأمريكية ودخلَ جامعاتها، فانتفض الطلاب نصرةً لأهالي غزة.. انتفضوا في وجه الإبادة الجماعية.. وفي وجه قتل الآلاف من الأطفال وتجويعهم وتعطيشهم وتيتيمهم وتعريتهم في عز الشتاء.. لقد وقف الطلاب قلباً واحداً من كافة الأديان والأعراق والثقافات.. هكذا شكّل بعضهم حاجزاً يحرسون من خلاله رفاقَهُم المسلمين وهم يؤدون فريضة الصلاة.. كما اجتمعوا كلهم في مكان الاعتصام وراحوا يصلون مع اليهود من زملائهم.. شاهدنا الطلاب يدبكون ويأكلون المقلوبة الفلسطينية.. ويتَحَدون الاعتقال والتهديد بالطرد وهم يصرون على مواقفهم ومطالبهم.
هكذا وبعد اعتقال أكثر من 600 شخص خلال الاحتجاجات المناصرةِ لفلسطين في أكثر من 15 جامعة في أمريكا، وافقت جامعة «براون» الأمريكية على إجراء تصويت على سحب الاستثمارات من إسرائيل مقابل فض الاعتصامات الداعمة لغزة…
وستستمر المظاهرات في باقي الجامعات وتتسع يوماً بعد يوم لتحقيق الهدف عينه..
لقد وصلت تلك الاعتصامات إلى كندا وطوكيو وأمريكا اللاتينية حيث خرج طلاب الجامعة البوليفارية في حراك طلابي هو الأكبر على مستوى العالم إلى شوارع العاصمة … إنها شهقات أمهات غزة ودموع أطفالها وآلام مسنيها هي وحدها التي تجتاح العالم… هي وحدها التي هزت القارة الأوروبيّة العجوز وخضّت الجامعات النمساوية والألمانية والفرنسية حيث افترش الطلاب الأرض نصرةً لغزة، وقد انضم إليهم نواب محاولين حمايتهم من أنياب الشرطة…
هكذا وفي ظل هذا التسونامي المؤيد للقضية الفلسطينية والتهديد الذي يطارد «بيبي – نتنياهو» ورفاقه بالاعتقال، لم يجد رئيسُ وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي أمامه سوى اتهام كل الطلاب المعتصمين حول العالم بمعاداة السامية، وهي تهمة مُعلّبة جاهزة لكل من ينتقد سياسة نتنياهو الإجرامية في حق الفلسطينيين.. وذلك على الرغم من وقوف الطلبة اليهود في كل الاعتصامات، إلى جانب رفاقهم وإدانتهم الصريحة للحرب الإسرائيلية على غزة. ويبقى السؤال هل نسي أو تناسى «بيبي الشرير» أن هؤلاء الطلاب المعتصمين هم سياسيو الغد ومحاموه وقضاته.. هم صناع المستقبل والمستقبل ملكهم وحدهم.
فلنتضامن مع أهل غزة، ولنكن صوتهم في كل مكان… وجزءً لا يتجزأ من صناعة التاريخ… لنكن صوت الذين يمثلون الأمل في العالم ويبحثون عن العدالة والسلام.

كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية