أمهات متعاطي المخدرات بالرقة بين مرارة إدمان الأبناء وضنك تكاليف العلاج

حجم الخط
0

أسامة الخلف

لعل أكثر ما يزيد من تداعيات المأساة السورية بعد 12 عاما منذ انطلاق الحراك السلمي، هو الأمور التي يدفع المجتمع ثمنه المرهق عقب تعدد وسائل التفكيك ومزيد من المثقلات كالهجرة والنزوح والتهجير والتغيير الديموغرافي القسري. لكن الأشد وطأة كان هو تحول الجغرافيات المنقسمة على الخريطة الأم السورية وتحول أطراف الصراع إلى ضرب الأخرى بالسلاح الأفتك والأشد ضررا المخدرات.
وارتبطت قضية المخدرات وصناعة وترويج الأصناف الأرخص ثمناً والأكثر رواجاً بالمنتج السوري والإيراني مثل الكبتاغون والكريستال، وهو ما دفع ثمنه غالبا الفئة الشابة خاصة في المناطق الأكثر استقرارا نسبيا شمال شرق سوريا. وعلى سبيل المثال وليس الحصر مدينة الرقة الواقعة في مناطق الإدارة الذاتية، التي تحاط بمنطقتين جغرافيتين هي الأخطر من الشمال الفصائل العسكرية التابعة لتركيا ومن الجنوب الشرقي والغربي مناطق سيطرة النظام والميليشيات الإيرانية، ما أثر عليها سلبا عبر معابر خاصة للتهريب خاصة المخدرات بشتى أصنافها.
تقول علياء الحسن 45عاما من أهالي مدينة الرقة وتقطن في حي الدرعية الشعبي: “إن أسوء ما يمكن أن تراه في المناطق الشعبية والأسواق والحدائق هو أولئك الشبان الذين يتصرفون دون إدراك ووعي وأنت تمر من أمامهم ويتصرفون بحركات لا شعورية سواءً المشاجرات منها أو التلفظ والمهاترات لأتفه الأسباب. وقد يتعدى الأمر خاصة في الحارات الشعبية إلى انتشار السرقة والتشليح أحياناً، بغية تأمين المال لشراء المخدر”. وتتابع علياء: ابني طالب في المرحلة الثانوية ويبلغ من العمر 17 عاما وخلال فترة من الفترات بدأت تظهر عليه علامات وتصرفات غريبة في المنزل، والتصرف بنوبات عصبية جداً تفقده غالبا الوعي وطلب باستمرار للمال بحجج واهية شراء نوتات، أقساط للدورات، ومصروف. وبعد عدة متابعات ومراقبة من قبلي ووالده، تبين أن ابني يتعاطى الحشيش المخدر”. تضيف: لم أستطع مواجهته بشكل مباشر بأنه قد تم كشف أمره، بل أتبعت أسلوب ايهامه بأنه مريض ويحتاج العلاج. ويوما بعد يوم استطعت إقناعه بالذهاب لعيادة الطبيب. وبدأت جلسات العلاج تدريجيا وقد تبين انه يتعاطى حبوبا مسكنة للعصب المركزي زولام بالإضافة للحشيش. أقمت وابني خلال مرحلة العلاج بغرفة واحدة وعزلته عن باقي أفراد العائلة خوفا من أي ردة فعل قد تصيبه أو تصيبهم جراء النوبات العصبية التي تصيبه، وبقينا مايربو عن الشهرين حتى تماثل للشفاء”.

مراكز لعلاج الإدمان

تفتقر مدينة الرقة السورية لأي مركز خاص لعلاج الإدمان بشكل مجاني، ويقتصر التعافي من المخدرات على متابعات وخطوات يحذوها الأهل للتخلص من تلك الآفة التي نهشت المجتمع بشكل طارئ. وبالرغم من وجود مركز خاص لعلاج الإدمان على المخدرات في منطقة الكسرات إلا أن التكلفة الباهظة التي قد تصل لـ200-300 دولار أسبوعياً تودي بالعديد من ذوي المدمنين الابتعاد عن فكرة العلاج.
تقول شمسة الخليل وهو اسم مستعار لأم هجرت ابنها إلى أوروبا خوفا من استمرار الضياع بالمخدرات: منذ ما يقارب العامين، اكتشفت جلسات غير أمينة في غرفة الديوانية أو المضافة وتوارد العديد من الشبان مع ابني الذي يبلغ من العمر 26 عاما والسهر لساعات طويلة دون إحداث جلبة أو ضوضاء، فقط حين أطرق الباب يكون موصداً ولا يطلبون سوى الشاي وبكثرة. وحين استرق النظر إليهم أراهم إما نائمين أو مستلقيين بوضعية النوم. يوما بعد يوم تكررت السهرات وبدأ ابني تظهر على جسده أعراض الشحوب والخمول والنوم لساعات طويلة. في أحدى الأيام وأثناء قيام قوى الأمن الداخلي بحملة تفتيش للمنازل عامة، وكانت الحملة فجراً، تم فتح باب المضافة عنوة واعتقال ابني ومعه عدة شبان من الذين يتواردون إليه. وحين سؤالي للعناصر ومعهم بنات من الأمن قالت لي إحداهن إن ابنك يتعاطى الأتش بوز الكريستال أين انتي عنه؟”.
عرفت مدينة الرقة خلال الأعوام 2020-2023 بتزايد نسبة متعاطي الكريستال الإيراني أو الأتش بوز حسب التسمية المحلية والتي لاقت رواجا كبيرا عند الأوساط الشابة من ذكور وإناث. وهو عقار يفقد الصواب لساعات عديدة ويمنح طاقة كبيرة وحزمة عصبية، تزايدت على إثرها معدلات الجريمة والخطف والسرقة والقتل، نتيجة غلاء ثمنها وتأثيرها الخطير.
وبالعودة للسيدة شمسة تضيف: تم اعتقال ابني لمدة أربعة أشهر و17 يوما في السجن. تحسنت صحته تدريجيا، وبعد خروجه من السجن حبست نفسي وإياه في إحدى غرف المنزل، لكن خوفا من العودة للإدمان ورفقاء السوء آثرت إلا وأن أخرجه خارج البلد، وهو ما حدث بالفعل حينما وصل إلى فرنسا”.

مصادر وصول المخدرات

حسب مصادر وحملات منظمة من قوى الأمن الداخلي بالرقة قامت بمداهمة عدة أوكار للمروجين والبائعين فإن مصادر وصول المخدرات تتم عبر الطريق النهر الفرات الذي يفصل مناطق سيطرة النظام والميليشيات الإيرانية ومناطق قسد، وعبر الطرق البرية من الريف الشمالي تل أبيض –سلوك، حيث سيطرة الفصائل التابعة لتركيا. ويرى ناشطون من الرقة أن المأساة تبقى مستمرة طالما لا يوجد مراكز للاستشفاء ومعالجة الإدمان من المخدرات بشكل مجاني، بالرغم من تعدد الاختصاصات والمشافي الطبية والمنظمات الدولية العاملة بالرقة، والتكلفة الباهظة عبر المركز الخاص الوحيد، قد تفاقم الوضع بشكل أوسع كون تكلفة العلاج هي أكبر من استطاعة العديد من العوائل .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية