أموال حماس المهربة.. وحكم الخليفة عمر
انيس فوزي قاسمأموال حماس المهربة.. وحكم الخليفة عمرمرّ رجل يتلوي عطشاً ببيت في يوم قائظ، وطلب من صاحبه شربة ماء يطفئ بها غليله، إلاّ أن صاحب البيت رفض الطلب بفظاظة، فوقع الرجل ميتاً. ذهب أهل المتوفي إلي الخليفة عمر بن الخطاب يشكون له الأمر، فقضي لهم عمر بالدّية. هذا الحكم القضائي الفذ جدير بالتمعّن، إذ أن حكم الخليفة علي صاحب البيت بالدية هو حكم القاتل بغير قصد. ومن الواضح أن ظروف تلك القضية تؤدي إلي القول أن منع الماء في ذلك الوضع كان بمثابة جريمة قتل بدون عمد، وليس كل منع يؤدي إلي ذات العقوبة.أستعيد هذه الرواية ونحن نشاهد ونسمع عن هذه البهلوانية التي مارستها السلطة الوطنية الفلسطينية وهي تتباهي بأنها ضبطت حوالي ثمانمائة ألف دولار كانت بحوزة الناطق الرسمي لحركة حماس أثناء عبوره من الممر الرسمي الذي يربط قطاع غزة مع مصر. وطبّل رموز السلطة بأن ذلك التصرف كان مخالفاً للقوانين الفلسطينية وعلي النائب العام القيام فوراً بإجراء التحقيق اللازم. واكتشفنا فجأة أن هناك قوانين فلسطينية واجبة الاحترام، وأن هناك مسؤولين في السلطة حريصون علي تطبيق القانون، وإن كان علي نحو انتقائي.إن ما قامت به السلطة الوطنية الفلسطينية لا يتفق والحسّ السليم ولم يكن قرارها ـ أولاً وأخيراً ـ منسجماً مع أي قانون. إن الحصار الشديد الذي تفرضه الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية وإسرائيل علي الأراضي الفلسطينية المحتلة هو حصار قاسٍ، بل إنه حصار متوحش، إذ أن ذلك يشمل في الواقع ليس الطعام والأساسيات الأخري للإنسان فقط، بل أنه أصبح يطال كل احتياجات شعب كامل. فقد ألغت البنوك الإسرائيلية الترتيبات مع البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يعني أنه لا يمكن إجراء أية معاملات بالشيكل الإسرائيلي أو بالعملات الأخري، ومنعت الولايات المتحدة كافة البنوك العربية من إيصال أموال التبرعات إلي مستحقيها في الأراضي المحتلة وهددت هذه البنوك بالمقاطعة إن خالفت تلك التعليمات. وقام مجلس النواب الامريكي مؤخراً باصدار قرار يوجه فيه الادارة الامريكية بعدم تقديم أي عون للسلطة الفلسطينية، وهذا جميعه يستتبع بالضرورة قطع شرايين التجارة والتصدير والاستيراد والتحويلات المصرفية، كما يعني كذلك عدم القدرة علي شراء الحاجيات الشخصية والعائلية. إنه باختصار حصار تجويع. فكيف يستساغ لبعض رموز السلطة من الاشتراك في هذه الحملة البشعة؟!وإذا كانت متطلبات وأوامر الباب العالي تفرض مثل هذا الحصار، فما بال الولاة العرب ، وأولهم الولاة في الأراضي الفلسطينية ؟ إذ كيف ران الصمت علي كل وزراء المالية العرب، ومحافظي البنوك المركزية العرب وكل الرموز الوطنية وشبه الوطنية وما فوق الوطنية ولم يحركوا ساكناً ولم يقدموا احتجاجاً؟ وأين مبادئ التجارة الدولية وحرية انتقال رؤوس الأموال والخدمات والمنتجات، لا سيما أن الأمر يتعلق بحصار شعب واقع تحت الاحتلال منذ ما يقرب من أربعة عقود. إن هذه عقوبة جماعية بكل بشاعتها، وهي جريمة حرب، بل هي من كبائر جرائم الحرب. فأي شعب يقع تحت الاحتلال، هو أولي بالحماية القانونية والرعاية الدولية، وعلي هذا جاءت قوانين وأعراف الحرب منذ اتفاقيات لاهاي للعام 1907.وما قام به الناطق الرسمي لحركة حماس من حمل أموال ونقلها عبر الممر الرسمي، هو عمل مشروع بكل المقاييس. فهو شخص مسؤول في حركة حازت علي ثقة شعبها ـ وبرغم رأينا وأهوائنا وميولنا السياسية في تلك النتيجة ـ وهذه الثقة جديرة بالاحترام. وهو لم يقم بتهريب ما بحوزته عبر أنفاق أو ممرات سرية، بل مرّ بها من خلال الممر الرسمي، وهو، بلا شك، يدرك أن عبوره من هذا الممر سوف يخضع للتفتيش والفحص والاستجواب، وبالتالي لم يكن يخفي مهربات. وبسبب من صفته الرسمية ومن عبوره في الطريق القانوني يبعد عنه شبهة التهريب، بل تضعه في مصاف الفدائيين الذين يحاولون توفير الحدّ الأدني من قوت الأطفال والجوعي والمرضي. إنه يقوم – عملياً – بتحدي جريمة حرب، وهو أمر مشروع ومرغوب فيه. ولو سألت الأمهات اللواتي يبحثن عن حليب أو طعام لأطفالهن الجوعي كيف كان تصرف الناطق الرسمي مخالفاً للقانون. فماذا سوف يجيب رموز السلطة الفلسطينية؟ إن ما تقوم به بعض رموز السلطة الوطنية الفلسطينية من الاشتراك في عملية الحصار امتثالاً لأوامر الباب العالي ، ليس مستهجناً فحسب، بل مدانا أيضاً، لأنه اشتراك في ارتكاب جرائم حرب من تجويع المدنيين وحرمانهم من الدواء ومقومات الحياة. ولو اشتكت الامهات الي الخليفة عمر ما تقوم به تلك الرموز لقضي لهن ـ علي الاغلب ـ بالديات الشرعية.أما ما تقول به تلك الرموز من أن القوانين الفلسطينية قد انتهكت فهو مدعاة للسخرية. فأية قوانين تلك التي تحمي عملية تجويع شعب وشلّ قدراته؟ وهل يصحّ القول باحترام القانون علي حساب أرواح الناس وصحتهم واحتياجاتهم. وقد أجمع فقهاء المسلمين علي أن صحة الأبدان فوق صحة الأديان . فهل القانون أكثر قدسية من الدين؟! ولو احتكم الناس إلي الخليفة عمر بن الخطاب فهل سيكون الحكم ضد الناطق الرسمي أم له؟ وقد قيل ان تصرفات بعض رموز السلطة فيه شبهة النكاية بالحكومة الجديدة أو محاولة إفشالها. وإن صحّ هذا القول، فإنه يعبّر عن قصور في الإدراك، إذ أن الوعي العام الفلسطيني يرغب في إجراء حوارات بين جميع أطياف المجتمع المدني والرسمي للخروج بحلول رشيدة من المأزق الماثل. إن الهموم الوطنية أكبر من أي حركة أو حزب أو فصيل، فاختلال الأمن الداخلي، وانتشار ظاهرة المسلحين، والفساد المالي والإداري هي مخاطر آنيّة وداهمة ومهددة لكل النسيج الاجتماعي ولكل مقوّمات الصمود والمقاومة، وذلك قبل الانتقال للهموم الكبري من دحر الاحتلال ومقاومة جدار الفصل العنصري. إن المبادرة التي طرحتها منظمات المجتمع المدني ومجتمع رجال الأعمال والمبادرة التي بعث بها الاسري الفلسطينيون هي أولي بالاهتمام من النكايات والمماحكات الصغيرة التي لا تليق بشعب مناضل مثل الشعب الفلسطيني.9