الدوحة ـ «القدس العربي»: تشهد العاصمة القطرية حراكاً دبلوماسياً واسعاً، لحشد الدعم والتأييد لكل من مصر والسودان في ملف سد النهضة. واستقبل أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، في الديوان الأميري، أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، ووزراء الخارجية ورؤساء الوفود المشاركين في الاجتماع التشاوري، واجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورته غير العادية «بشأن تطورات ملف سد النهضة».
وجرى خلال الاجتماع، حسب وكالة الأنباء القطرية، استعراض عدد من الموضوعات المتعلقة بمسيرة العمل العربي المشترك، والسبل الكفيلة بتعزيزه وتطويره، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، لا سيما آخر المستجدات في المنطقة.
كذلك تسلّم أمير قطر، رسالة خطية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قام بتسليمها سامح شكري وزير الخارجية المصري، خلال استقباله من أمير قطر، في مكتبه بالديوان الأميري.
وكشفت وزارة الخارجية المصرية أن شكري نقل دعوة الرئيس المصري إلى أمير قطر لـ«زيارة القاهرة في أقرب فرصة».
ووصل شكري إلى الدوحة، في زيارة رسمية لتعزيز التعاون والمشاركة في اجتماعين لوزراء الخارجية العرب، للتباحث بشأن الوضع العربي الراهن، وأزمة سد «النهضة». وزيارة وزير الخارجية المصري هي الأولى للدوحة منذ صيف 2013، عندما توترت العلاقات بين البلدين على خلفية رفض قطر خطوة الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي.
عملية تفاوضية
ودعا وزراء خارجية الدول الأعضاء في الجامعة العربية، مجلس الأمن الدولي إلى عقد جلسة عاجلة للتشاور حول تطورات سد النهضة. كما حث الوزراء العرب في بيان عقب الاجتماع، مجلس الأمن على «اتخاذ الإجراءات اللازمة لإطلاق عملية تفاوضية فعالة تضمن التوصل في إطار زمني محدد لاتفاق عادل ومتوازن وملزم قانونا يراعي مصالح الدول الثلاث» (مصر والسودان) دولتي المصب وإثيوبيا.
وطالب البيان إثيوبيا «بالامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية توقع الضرر بالمصالح المائية لمصر والسودان بما في ذلك الامتناع عن ملء خزان سد النهضة دون التوصل الى اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل السد «.
ودعا الاجتماع تونس العضو الحالي في مجلس الأمن، وكذلك اللجنة المشكلة بقرار من مجلس الجامعة العربية في دورته غير العادية بتاريخ 23 حزيران / يونيو 2020 والمكلفة بمتابعة تطورات الملف والتنسيق مع مجلس الأمن الدولي في هذا الشأن والتي تضم الأردن والسعودية والمغرب والعراق والأمانة العامة، إلى تكثيف جهودها والاستمرار في التنسيق الوثيق مع السودان ومصر حول الخطوات المستقبلية في هذا الملف.
وأكد البيان على أهمية «التفاوض بحسن نية من أجل التوصل بشكل عاجل لاتفاق عادل ومتوازن وملزم قانونا حول سد النهضة يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث ويحفظ الحقوق لمصر والسودان».
القلق الشديد
وأعرب الوزراء عن القلق إزاء تعثر المفاوضات التي تمت برعاية الاتحاد الأفريقي بسبب المواقف التي تبنتها إثيوبيا وخاصة خلال الاجتماع الوزاري الذي عقد في كينشاسا يومي 4 و5 نيسان / أبريل 2021.
كما أعرب الاجتماع عن القلق الشديد إزاء ما أعلنته إثيوبيا عن نيتها الاستمرار في ملء سد النهضة خلال موسم الفيضان المقبل صيف العام الجاري.
واعتبر الاجتماع التحركات الإثيوبية «تخالف قواعد القانون الدولي واجبة التطبيق وخاصة اتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في الخرطوم في 23 آذار/ مارس 2015 والذي يتسبب في إلحاق الضرر بالمصالح المائية لمصر والسودان وخاصة المنشآت المائية في السودان وأهمها سد الروصيرص».
وتقدم مجلس الجامعة العربية بالتهنئة لدولة الإمارات العربية المتحدة بمناسبة حصولها على العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2022 ـ 2023 .
وتوجه بالشكر لتونس على جهودها في الدفاع عن القضايا العربية والعمل على تعزيز التعاون بين الجامعة العربية والأمم المتحدة خلال فترة عضويتها بمجلس الأمن عامي 2020 -2021.
تلقى دعوة من السيسي لزيارة القاهرة «في أقرب فرصة»
وبحث الاجتماع تطورات المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني والسلوك الايراني في المنطقة، وكذلك موضوع التعامل العربي مع الأزمة السورية وكيفية تعظيم الدور العربي في هذا الخصوص.
وعقد محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، مؤتمراً صحافياً مع أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية في ختام اجتماع وزراء الخارجية العرب.
وأكد وزير الخارجية القطري على «وجود موقف عربي موحد يدعم مصر والسودان في ملف سد النهضة، ويحث الوساطة على ضمان عدم حدوث خطوات أحادية تضر بمصالح الأشقاء».
وزاد أن «الاجتماع الوزاري العربي أكد أهمية توقيع اتفاق ملزم بشأن سد النهضة يحفظ حقوق الجميع» كاشفاً عن «تحركات عربية ستسفر عن اختراق قريب في الأزمة» دون أن يحدد تفاصيله.
وأضاف أن «الوساطة الأفريقية بشأن سد النهضة بدأت منذ نحو عام لكنها للأسف لم تسفر عن النتائج المرجوة».
وكان الموضوع الفلسطيني حاضراً في حديث وزير الخارجية القطري الذي كشف عن توافق على خطوات يمكن اتخاذها جماعياً لوقف الانتهاكات الإسرائيلية في القدس. وعبر عن وجود قلق عربي إزاء الخطوات الإسرائيلية في القدس وخاصة حي الشيخ جراح.
«في اتجاه إيجابي»
وأضاف أن الاجتماع الوزاري العربي تطرق إلى التطورات في ليبيا وسوريا ولبنان، ومواجهة جائحة كورونا. وشدد على أن «الزخم العربي مهم جداً للمضي قدماً في تطبيق الأجندة العربية في المنطقة».
وحول علاقة الدوحة مع القاهرة أكد أن «العلاقات مع مصر تسير في اتجاه إيجابي» موضحاً أن بلاده تتطلع إلى علاقات طيبة مع الدول العربية كافة.
أبو الغيط أكد أن دعوة وجهت لمجلس الأمن للانعقاد لبحث أزمة سد النهضة. وأضاف أنه تم تكليف لجنة عربية بالتنسيق مع القوى الكبرى في مجلس الأمن لدعم موقفي مصر والسودان.
وفي موضوع تطورات القضية الفلسطينية كشف أن جامعة الدول العربية تدعم أي جهد مصري أو عربي أو دولي لإعادة إعمار غزة، وذلك رداً على سؤال حول موقف الجامعة من الاتهامات الموجهة للقاهرة بعرقلة إيصال المساعدات للقطاع المحاصر.
وقال إن وزير الخارجية الجزائري أكد استعداد بلاده لاستضافة القمة العربية في أكتوبر/ تشرين الأول، أو نوفمبر/ تشرين الثاني المقبلين.
وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري قد أكد في كلمته خلال الاجتماع تعثر مفاوضات سد النهضة مع الجانب الإثيوبي، وتعنت الإثيوبيين إزاء أي مبادرات أو مقترحات لحل هذه القضية.
وقال: «انخرطت مصر والسودان طوال سنوات عشر في مفاوضات مضنية مع الجانب الإثيوبي، وما زلنا نراوح مكاننا دون إحراز أي تقدم ملموس، رغم ما أبدته مصر من نية حسنة لإنجاز اتفاق قانوني ملزم وعادل يضمن لإثيوبيا حقها في التنمية دون افتئات على حقوق دولتي المصب، وبما لا يسبب لأي منهما ضرراً جسيماً».
وأضاف: «التفاوض حول ذلك الاتفاق استغرق جولات تفاوضية لا حصر لها، أبدت فيها مصر مرونة فائقة، تعكس التزاماً وحرصاً على الموازنة بين جميع الاعتبارات، وعلى النحو الذي يتيح لجميع الأطراف أن تخرج من هذه المفاوضـات وقد حققت جزءاً مما تريد، دون إضـرار بالطـرف الآخر، إلا أن المشكلة تكمن في أن الطرف الإثيوبي لا يريد سوى فرض رؤيته قسراً على الآخرين، متغافلاً في ذلك عن عمد، تعارض ما ينادي به مع كل المواثيق والاتفاقيات التي تحكم الأنهار الدولية، وساعياً إلى فرض واقع جديد تتحكم فيه دول المنبع بدول المصب، وهو ما لا يمكن أن تقبل به مصر، فنهر النيل ملكية مشتركة، لدول المنبع كما لدول المصب، ولا يجوز لأحد مهما كان أن يغير من تلك القواعد المستقرة».
وأوضح: «مع مرور ما يقرب من العام على بدء الوساطة الأفريقية إلا أنها لم تسفر بعد عن النتائج المرجوة، ولا يتحمل اللوم في ذلك من قاموا عليها، فمصر تقدر الجهود التي بذلتها جنوب أفريقيا والكونغو الديمقراطية، ولكننا لا نرى طرفاً يتحمل اللوم على إفشال كل تلك الجهود وإطالة أمد التفاوض لا لشيء إلا لكسب الوقت، سوى الجانب الأثيوبي».
وأشار إلى أنه «إزاء هذا التعنت الإثيوبي، والمتمثل في إصرار أديس أبابا على الاستمرار في ملء خزان هذا السد الضخم دون اتفاق مع دولتي المصب، وهو ما يعد مخالفة جسيمة لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في عام 2015، وأمام غياب أي إرادة سياسية لإنجاز اتفاق قانوني ملزم وعادل، فإن صبرنا قد تعرض لاختبارات عدة، وفي كل مرة أثبتت مصر أنها الطرف الذي يتصرف بمسؤولية ومن منطلق إدراك مسبق بتبعات تصعيد التوتر على أمن واستقرار المنطقة».
وشدد على أن «مصر مصرة على استنفاد كافة الحلول الدبلوماسية، الأمر الذي دعاها إلى عرض الأمر على الأشقاء العرب، طالبة منهم الدعم للمسعى المصري السوداني العادل».
ولفت إلى أن» مصر تعرض هذه القضية الوجودية على المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية من منطلق تأثر الأمن القومي العربي بهذه القضية، ولا ينبغي أن يُفهم هذا باعتباره محاولة لخلق اصطفاف موجه ضد دولة أفريقية شقيقة، ولكنه طلب يستمد روافده من أهمية التكاتف العربي لحماية مقدرات أمننا القومي».
وأكد أن الأمن المائي المصري والسوداني «يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي العربي» مشددا على ضرورة وجود تضامن عربي واضح وموقف موحد يدعو لضرورة وضع إطار زمني للعملية التفاوضية حتى يتم التوصـل إلى اتفاق متوازن، فليس مقبولاً أن يستمر التفاوض إلى ما لا نهاية، خاصـة مع إقدام الطرف الآخر على خطوات أُحادية تُفرغ أي تفاوض من مضمونه وظنا أنه بسلوكه المراوغ قادر على فرض رؤيته».