أميلي نوتومب: دراما أوديبية مؤنثة من فصلَين

حجم الخط
0

تطل بارونة الرواية الفرنكوفونية الحديثة أميلي نوتومب (Amélie Nothomb) مع بداية كل موسم أدبي خريفي برواية جديدة عن دار ألبين ميشال الفرنسية. منذ عام 1992، يترقب القراء بشغف أن تسحرهم عوالم الكاتبة الغرائبية بأسلوبها الأدبي الفريد، تحت مظلة نوع الكوميديا السوداء. تُعالج نوتومب في رواياتها ثنائيات متعارضة مستعينةً بشخصيات متطرفة تجسد ثيماتها الأساسية.
ومن بين هذه الثنائيات، التي غالبا ما تتطرق إليها من زوايا وسيناريوهات مختلفة، نُعدد: الجمال والقبح، الخير والشر، الحب والبغض، والمعاناة والمتعة.

رغبة إرضاء القارئ

ما يميز روايتَيها الأخيرتَين، Frappe-toi le coeur (2017) وLes prénoms épicènes (2018) يجنح أبعد من رغبة إرضاء ذائقة القارئ النوتومبي الأدبية، ويستغرق في ديناميكيات العلاقة بين ابنة وأمها في الرواية الأولى، وبين أُخرى وأبيها في الثانية.
اختارت نوتومب أما غيورة وأباً حقوداً لتنسج صراعات يونغية وفرويدية في آن. فتسبر كل من الطفلتَين أغوار وعيها ولاوعيَها الذاتي والجماعي على مرّ الأيام، في محيط ضعيف يتنصل من الحب ويتسلح بالأنانية. وبالتالي، تستميت باحثةً عن كيفية التعايش والتأقلم معه، فلا تُسعفها كل محاولاتها الداروينية؛ لتنسلخ عنه مناشدةً تحررها الملحمي من الوالدَين، لكن أيهُما أقدر على سحق إنسانية الابنة: الغيرة أم الحقد؟ أيهما لا يُغتفَر؟
تنطلق نوتومب من مقولة لمارسيل بروست تجمع الغيرة بالحب، فهو يعتبر أن الحب يحتضر حين تتلاشى الغيرة. تختبر نوتومب الغيرة في (Frappe-toi le coeur) من خلال مراقبة تبدلات حياة الابنة ديان تحت المجهر، بالتوازي مع حيوات شخصيات ثانوية يعانينَ مثلها. تسري، بين من تبحث عن أم بديلة ومن تقتل أمها رمزيا أو فعليأ، خيوطٌ قانيةٌ تتقارب وتتسع رقعتها مع تفشي العطب في قلوبهن. كيف لهن أن يرتقنَ هذه التصدعات في المعضلة العبقرية، حسب قصيدة ألفرد دو موسيه، التي استوحت منها نوتومب عنوان الرواية؟ هل يختزن القلبُ العبقرية فعلا؟ هل يشفي الحب من لم تُحبه معبودَتُه الفطرية؟ وإلى أي مدىً هو قادرٌ على إعطاء ما يتعطش إليه منذ نعومة أظفاره؟
صراع الابنة إبيسان في (Les prénoms épicènes) فرويدي أوديبي صرف مع الأب؛ ولا التئام يونغيا يصب في الوعي الجماعي النسائي هنا. ومثلما تتملص نوتومب من اتباع المنهج الروائي التقليدي، تتفلت من قيود الجندرية الفرويدية. ففي حين تتعارض علاقة الابنة بالأب مع عقدة إليكترا، إذ أن التنافر والبغضاء متبادلان بينهما، تتلاقى مع عقدة أوديب الكلاسيكية، حيث يتصارع الابن مع الأب.
تضطرب إبرة البوصلة الروائية، فتُشير إلى سؤال أشد قسوةً وأكثر جذريةً، وكأن نوتومب تصعّد نبرة الحزم في حالة إبيسان: إن كانت الغيرة ترادف الحب لا البغض، بمَ يقترن الحقد؟ وإلامَ يؤدي حين يتشعب في أوردة الابنة منذ صرختها الأولى؟
عادةً ما ترد نوتومب انفعالات وأطباع شخصياتها إلى طبيعة الأبوَين، قبل وبعد أن يلتَقيا. تتابع تطور الجنين في الرحم، لتستقبل مولودها الورقي إلهاً صغيراً يختصر الكون وأسراره، في جسد كُلي المعرفة ينقبض لذةً ودهشةً وألماً. باستحواذه على مفاتيح اللغة، يُسمي الأشياء التي سبق وأدركها منذ تكوينه؛ وباكتشافه ألذ طعم، يُقابل الخالق. يحتاج الحب إكسيراً، والاهتمام شمساً تُنير عالمه. أما تجاهله وحرمانه من الدفء فيُلقي به في العدم والفراغ. وهكذا، يتسرب منه الشعور بالوجود ويضمحل معناه. وهذا ما تواجهه البطلتَان ديان وإبيسان حين تذبُلان ويُزَج بهما في عدمية حالة نباتية تُكبلهما في برزخ انتقالي، ريثما تنبعثان من رحم صدمة ولادة أُخرى.

التساؤل الوجودي

ومن الملاحظ أنه في حين لا تنجرف ديان إلى بغض أمها، تستسلم إبيسان لكرهها الشديد لأبيها. وبالتالي، تُفجر الروايتَان التساؤل الوجودي: أي درب أقل وعورةً نحو الخلاص المرجو؛ البغض أم الحب؟
أميلي نوتومب كاتبةٌ بلجيكيةٌ وُلدت في اليابان عام 1967. هي من الكُتاب الأكثر مبيعاً فرنكوفونيا. حازت الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية عام 1999 عن روايتها «ذهولٌ وارتعاشات». كما حصلت على جائزة جان جيونو الكبرى في فرنسا وجائزة فلور عن مجمل أعمالها. صدرت لها 27 روايةً حتى الآن، تُرجمَ منها إلى العربية: «زئبق» ـ «بيوغرافيا الجوع» ـ «نظافة القاتل» ـ «ذهولٌ وارتعاشات» (المركز الثقافي العربي) «رحلة الشتاء» ـ «يوميات سنونو» (دار علاء الدين) «لا حواء ولا آدم» (الهيئة المصرية العامة للكتاب) و«اغتيال» (مؤسسة دار الهلال).

كاتبة لبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية