شَهلا العُجَيليراح الشيخ في طريقه إلى التلّة القريبة، يتابع صور أولاده وبناته القادمة من عهد الطفولة، ففي الأيّام الشبيهة بمثل هذا اليوم الأعجف، الذي تضنّ غيومه بماء يغيث الزرع والضرع، كانوا يتجمّعون في ساحة الحيّ مع الأهل والأقران، حاملين دفوفاً صغيرة، أو علب صفيح صدئة، يقرعونها، وهم يسيرون خلف كبارهم، يهزجون أهازيجهم بأصوات ملؤها الشجن، متضرّعين إلى السماء:يا أمّ الغيث أغيثينا بلّـي فروة راعيناراعينا حسن الأقرع من سنتين ما يزرعيا أمّ الغيث أغيثينا…تتعالى نداءاتهم إلى أن يصلوا التلّة ذاتها، يرمون آلاتهم البسيطة، ويرصّون الصفوف، ويبتهلون إلى الله في صلاة الاستسقاء، وما أن يقبل الغيث حتّى يهللوا ويكبّروا، وينتشروا تحت المطر مثل أسرى باغتتهم الحريّة. يفتحون أفواههم الصغيرة علّ القطرات تتجه من السماء إليها مباشرة، بلا وسيط يفقد ذاك الماء الزلال بركته، وقتها تحلّ البنات ضفائرهنّ ويمنحنها لماء السماء، كي تغدو أطول وأبهى، ويرددن:يا مطر يا عاصي طوّل شعر راسييا مطر يا عاصي طوّل شعر راسي كبر الصغار، والمطر مازال يقبل سنة، و يغيب أخرى، ولم يبارح الشيخ عاداته، فيدعو الأهل والأبناء لمرافقته، يتجه إلى التلّة القريبة، ويبتهل إلى الله تعالى أن يسقي العطاش، لكنّ الأبناء ما عادوا يملكون دفوفهم وعلب صفيحهم، صار كلّ منهم يفتح حاسوبه المحمول، ينظر النشرة الجويّة، ويبحث في توقّعات حالة الطقس للساعات المقبلة، ليخبر أباه الشيخ بأنّها ستمطر، أو أنّها لن تمطر… وكانت البنات بناء على تلك الأخبار، يحددن ما يردن ارتداءه، وإذا ما كنّ سيحملن المظلّة التي ستقي شعورهنّ من البلل، أم سيتركنها في البيت.لن تمطر، هذه الأيّام، أجمع الأولاد على كلمتهم، فدائرة الأرصاد أعلنت ذلك، فلا منخفضات جويّة، ولا رياح رطبة، إلاّ أنّ الأب الشيخ، توضّأ، وسار وحيداً نحو التلّة، أقام صلاته، وابتهل، وما كاد ينحدر، حتّى أقبلت أمّ الغيث! كاتبة من سوريةqad