المرة الأولى التي خطر لي أن أكتب عن هذا الموضوع، وكنتُ قد بدأت قراءة كتاب «أنا أُوسِيلفي إذن أنا موجود» للفيلسوفة والمحللة النفسية إلزا غودار، بترجمته سعيد بنكراد، حين كنتُ في حافلة النقل الداخلي على اكتظاظه المرعب، توقفت الحافلة في الموقف المعتاد وتقدم شاب تنغرس عيناه في شاشة هاتفه الذكي للنزول من الباب الخلفي، سحب معه بقسوة من ظنَّ أنّه صديقه، وكانت النتيجة أن وقع الاثنان من باب الحافلة، لكن كل منهما غير مدرك لوجود الآخر حتى لحظة وقوعهما.
وما إن عدت لبيتي حتى استوقفتني صورة لفتاة شابة التقطت سيلفي مع قبر والدتها! تلك الصورة أثارت آلاف التساؤلات. وهذه التساؤلات طُرحت على شكل تعليقات، تعليقات البعض هي إجابات لتساؤلات البعض الآخر. في كل يوم تبتلع عيوننا آلاف الصور التي نراها قسرا على النت، لكنّها صورٌ بلا ذاكرة. إننا نعوم في فيض من الصور الخاصة التي تعرض الحميمية المحتضرة، كنا يوما ما نعتبرها مقدسة، لكنها اليوم تُنشر دون أن نعيش لحظاتها، صار همنا أن يراها الآخرون والغرباء أكثرهم، ويمدوننا بمدد من اللايكات قد يطيل في عمر زهونا ساعات وربما أقل.
كانت مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود» وفيها الإنسان الذي يفكر ويشك وينفي ويتصور ويحس! مقولةً مطرزة على دفاترنا، كانت تمويها لحداثة سننا، ودعوة للكبار أن انظروا ها نحن هنا لنفكر! اليوم اختلفت المقولة إن لم تختف وأصبحت: «أنا أُوسِيلفي إذن أنا موجود!» وتلك كانت ستصيب ديكارت بصدمة وجودية لا ريب. هذه ليست صفاقة التكنولوجيا وهيمنتها فقط، بل مناشدتنا لها والغرق والاستغراق بكل تفصيل جديد يضعنا أسرى شاشة نحملها بين أيدينا كصنم معبود نود التهامه، لكننا نتطرف غرقا في تعبد صورة السيلفي، التي تقف بيننا وبين ذواتنا ليس كمرآة، لأنّنا عندما ننظر في المرآة فإن الذات تعي نفسها، فهناك وعي انعكاسي، وانفصال عن الآخر، إنه وعي يُولد انطلاقا من اللغة وداخلها. لكن السيلفي أقصى اللغة ونفاها. كنا نسعى للاعتراف بنا من الآخرين من خلال الحوار واللغة، أما الآن فإننا نقول: آه، أنت أيها السيلفي السحري قل لي بأنني أجمل من الجميع. اللايك يطمئن على الوجود!
إرضاء الرغبة
في كل يوم نرى سيلاً من صور السيلفي على مواقع التواصل، يبحث أصحابها فيها عما يرضي، هم يبثون ونحن نرى، ثم ما نلبث أن نتبادل الأدوار في حمى العدوى، إننا نبحث ويبحثون عن تحقيق رغبة وشهوة أياً كانت، إلا أنّ ما يحدث لا يُشبع رغباتنا بل يُخصي العين ويحرمها من تجسيد الرغبة في ما تخلفه في صورة السيلفي، أي في ما تُخلفه وراءها وهو الـ»هنا، الآن». وهو يختلف عند أي منا، لهذا أصبحت رغباتنا أقل أصالةً لأنّها جائعة دائماً، والتلبية جاءت افتراضية بعيدة.
نستخدم رؤوس أصابعنا العمياء للنقر، إننا نحاول التمسك في هذا الـ»هنا والآن» نحاول تثبيته، لكن النقر ليس سوى هدم لما هو هش أصلاً، وعلى الرغم من هشاشته إلا أنه يشبه المخرز الذي نتلذذُ بغرسه عميقًا في عيوننا. لا لحظات لنعيشها بل نعرضها ونستعرض بها وننتظر كلمات الغرباء لنعيش دفء كذب تلك اللحظات.
احتضار اللغة
لم تعد الكلمات حضناً للانفعالات، بل نُفيت وحلت محلها السمايلات والإيموجي، وكلمة إيموجي مشتقة من اللغة اليابانية، وتعني ما يُكتب بالصور، الفكرة جميلة وحتى فنية، ففي العصور القديمة استخدم الفراعنة طريقة الرسم ليحكوا لنا قصصهم وسير ملوكهم وكهنتهم وعظمائهم، وكذلك إنسان الكهف، طرز كهفه بالرسوم، لكن الإيموجي التي تملأ هواتفنا الذكية تحصر الانفعال وتعمم العاطفة، فالقلب الذي أضعه لابنتي هو نفسه الذي أضعه لزوجي ولصديقي وصديقتي، وحتى لجيراني لكن هل ذاك الانفعال والعاطفة متشابهة ومتطابقة مني لهم، هذا يخلق لغطاً كبيراً، ويصيبنا بخيبة أمل لأننا لا ندرك مقصده الحقيقي، إلا أننا نعاود استخدامه مرارا وتكرارا. لم يعد للكلمة دور في البنيان المعرفي، وأصبح الواقع لا يُبنى، بل يعوم على محراب هش لصنم جديد وهو الصورة.
في عصر الهواتف الذكية وفي كل يوم تسمع المحادثة نفسها:
آلو، أين أنت؟
هذه العبارة ننطقها قبل السلام وقبل أن نسأله: «كيف الحال؟» كما هي العادة، وهو سؤال يُعد من آداب السلوك حتى لا نخترق خصوصية الآخرين مباغتة، تلك العبارة أضحت تهديدًا يوميًا للزمن الذي نكون فيه في مكان ما في هذا العالم. أين أنت؟ أصبحت صرخة تجمع جيلاً بأكمله، تدل على هيمنة «الآن وهنا» المختلف لكلا الطرفين المُرسل والمُتلقي، وزادت في تفاهة الكلام وضحالة الحوار.
إنّ التصاور يعني التظاهر، ولأنّ العالم لم يعد قابلًا لأن يُحكى، بل يكتفي أن يكون قابلًا لأن يُرى، حلت الرؤية محل الفكر.
عصا السيلفي امتداد لمُمكناتنا
لقد طفح كيل الذكاء الاصطناعي، وأمسىت له ذراع وهي ذراع السيلفي، أو عصا السيلفي. عصا السيلفي ذاك الاسم الخبيث، الغاية منه البحث عن الراحة والجمالية بفضل المسافة التي نضعها بين الذات وصورة نفسها. العصا بديل عن اليد. يذكر لنا أرسطو أن اليد هي «الأداة الأكثر نفعاً» وهي امتداد للعقل والذكاء الإنساني. إن عصا السيلفي هي امتداد لمُمكناتنا، أم تُرى أنه عضو يتم وصله بالإكراه؟ إنه بديل جعلنا نفقد العقل وأصبحنا معلقين بالصورة فقط، وهذا يفسر سقوط ضحايا السيلفي، الضحايا الذين قد يصدمهم قطار، أو حافلة، أو ربما يسقطون من مرتفع شاهق وهم يبحثون عن السيلفي الأمثل. لكن على الرغم من وقوع الحوادث التي نشهدها يومياً بأم أعيننا، أو نراها على الإنترنت، إلا أن هناك من شَرعن وجودها، ونظم لها المعارض وحدد لها الجوائز، وهذا فتح الباب للأفلام التي لا تتعدى مدتها الثلاث دقائق، وتشبه إلى حد ما أفلام تشارلي شابلن الصامتة، لكن المفارقة كبيرة والمقارنة غير عادلة، وتحصد تلك الأفلام الجوائز وتنال التكريمات، إنها انتصار للعين المحايدة التي ماتت اللغة على حوافها.
في القرن الخامس عشر برز شعار نوكسوس (Nexus) بمعنى الوسيط بين الله والإنسان، اليوم يقف هذا الوسيط شعاراً ورمزاً لتحريك الحشود وشدها لبعضها بعضاً، وهو عقدة تتشكل من الانفعالات الأهواء والأحاسيس، دون عقل وهذا ما أفضى بنا لنصبح ببغاوات افتراضية تنشر ما هو مغلوط ومؤذ، ومفيد لكنه مضلل. وهنا برز المواطن الصحافي الذي يجد نفسه صدفةً في قلب الحدث، ويبدأ مهامه في التغطية العشوائية بمعظمها. قد يكون الأمر جيدًا كما كان الأمر في الأحداث التي وقعت في فرنسا عام 2015، وفي الثورات والانتفاضات التي شهدتها المنطقة العربية مطالع عام 2011.
فيض المعلومات
يقول فرانسوا ليونارد إن «الثقافات الإثنية كانت تقوم بدور ذاكرة تختزن فيها المعلومة، وأنتجت ما يسمى المحكيات التاريخية، وهذه المحكيات تعمل عمل المصافي الزمنية، مهمتها إدخال تغيير على الشحنة العاطفية المرتبطة بالحدث». إلا أن التكنولوجيا عطّلت المصافي، فانهار معها النموذج الثقافي. إن فيض المعلومات يعطل التفكير ويقودنا تضخم المعلومة إلى التضليل، ويدفع بنا نحو شكل جديد من الأمية. لقد حلّت الفوضى المستبدة التي فرضت علينا برضانا أن نجتزأ كل شيء، نجتزئ مقولات من سياق المؤلفات القيّمة وربما ننسبها بكل وقاحة لنا، نجتزئ لحظة من سياق، نجتزئ منا ما يتسع لصورة السيلفي، لنظهر من دون ذراع أو بعين واحدة أو من دون رجل. ونسارع لبث ما اجتزأنا. الفوضى المستبدة التي حاصرتنا كي لا تكون لنا لحظة واحدة نتأمل فيها ذواتنا ومحيطنا، نظمتها إشارة مرور واحدة خضراء اللون، مسموح للجميع أن يرانا مكشوفين أي «متصل» من خلال تلك الإشارة الصغيرة الخضراء.
أنا أُسِيلفي إذن أنا موجود
إنّ التصاور يعني التظاهر، ولأنّ العالم لم يعد قابلًا لأن يُحكى، بل يكتفي أن يكون قابلًا لأن يُرى، حلت الرؤية محل الفكر. إن الشخص الذي يلتقط الكثير من السيلفيات يفتقر إلى الثقة بالنفس، ويحاول طمأنة نفسه من خلال التقاط صورة جميلة، ويشعر بالاطمئنان والسعادة عندما يتلقى رأيا حسنا وهذا يخلق حالة واهية من احترام الذات. السيلفي تُعبر عن هشاشة نرجسية، إنّنا نُشبه نرسيس الذي وقع في غرام ربّة الصدى، البكماء، انعدمت اللغة والحوار بينهما، لذا ظنّها نرسيس أنها أعرضت عنه وراح للبئر يتأمل صورته، وعشق ذاته، يعكر الماء ويقبع منتظرا ليروق سطحه ويناظر نفسه مرةً أخرى. ومثل نرسيس صرنا نستبدل صور السيلفي التي تبحث فيه أنانا الافتراضية عن هوية. وبقدر ما أشك في أناي، تزيد الرغبة بالتقاط السيلفي، وبقدر ما أُوسِيلفي بقدر ما أشك، وهكذا ندور في حلقة مفرغة. السيلفي طريق تستطيع الذات بواسطته الإمساك بنفسها، لكن في محراب السيلفي البحث عن هوية لا يتحقق بالوعي، ستظهر ذات هجينة مستلبة داخل الصورة. الذات غير مطمئنة لوجودها الخاص، لذا ستظل تنتظر تأكيدها لنفسها من خلال البحث عن أكبر قدر من التقدير لنفسها ويكون ذلك في تكاثر اللايكات.
لا يكفي أن نعيش يجب أن نُباع أيضاً
السيلفي تسويق ذكي، أصبحت الأنا عبارة عن براند أو علامة تجارية، يكفي أن يقوم أحد نجوم الرياضة، أو الفن بشراء منتج وتصوير نفسه يرتديه أو يتناوله أو يمتطيه ليصبح نموذجا يُقلده الملايين. وهكذا يتحول أيقون السيلفي إلى ألوهية جديدة يجب عبادتها بكل ثمن، مثل كيم كاردشيان إلهة السيلفي بدون منازع.
حاول السياسيون استثمار السيلفي لتسويق نزاهتهم في شبكات التواصل الاجتماعي، يقومون بهذا البناء بكل شفافية. لكن الأمر لا يتعدى كونه تلميع الصورة الافتراضية… وهنا لا بد أن نرى كيف قلدت النخبة العامة في السلوك السيلفوي.
الحميمية المُنتهكة
هناك فضول التذاذي بالدخول في حميمية الغير، وهو يكشف الخسة التي فينا. لقد أصبح مُتلقي السيلفي مُتلصص يتلذذ بإمكانية الاستيلاء والهيمنة على الآخر. إن لم تُشبعنا تلك الهيمنة ننتقل إلى «التصفية الرمزية» وذلك من خلال الألعاب التي تتم عبر النت ومعظمها ألعاب حربية، تلك الألعاب تفضح العلاقة مع الموت لأنّها تعكس عنفًا ضد الذات وهي بعيدة كل البعد عن الانتحار. فترى مراهقا يتحايل دوما لكي يجعل بديله الحربي يموت بشكل بشع، المراهق يضع شخصيته في دائرة الخطر ليراها تموت. إن لم نقتل (نصفي) سنسعى لتشويه ما كان يُصنف جمالًا كونيًا، إلا أن ذلك ليس سوى محاولة لإدانته، وسعي لرؤية الواقع كما هو.
من نحن؟
في النهاية لا بد من التمهل وإلقاء نظرة إلى تلك الزاوية التي نتحاشى النظر إليها، تلك التي يجلس فيها أطفالنا الذين تخلصنا من صراخهم وإلحاحهم، ومن عدم فهمنا لكلماتهم التي لا نسمع سوى ربعها، كوننا منغرسين في هواتفنا، يجلس الطفل من الولادة وحتى نهاية مرحلة رياض الأطفال حوالي 6 أو 7 ساعات يوميا أمام الشاشات باختلاف أنواعها، أجهزة لوحية وهواتف وتلفزيونات. يتفاعل الطفل مع الواقع بواسطة واقع افتراضي وهذا يسبب له: تأخرا معرفيا، وتأخرا في تعلم اللغة، واضطرابات في الانتباه، واندفاعا لا يمكن التحكم به، وهكذا تختفي اللغة لصالح الصورة.
كيف وصلنا نحن الآباء إلى هذا الواقع؟ كيف تخلينا عن دورنا التربوي وكيف فقدنا كل حس سليم؟ نحن من يحتاج إلى إعادة تعلم اللغة والحوار، لأن أعيننا كبرت وأذرعنا استطالت عاليا، لكن في القاع، حيث نحن تكمن صورة حقيقية مرعبة لنفاياتنا وجمالياتنا تقبعان معا على السوية نفسها لكننا ما زلنا نبحث عن أسئلة لم نطرحها، نبحث عن: من نحن؟
كاتبة من سوريا