لا شي ء يغمرني بالسعادة اكثر من اعتبار نفسي رجل الغد، فالغد هو تجسيد الحلم والتنبؤات، وتجسيد الافكار التي نضجت في الراس على مدى السنين وبها الكثير من الصدق والسحر والصحة. ولذلك فاني اقبل بغضب اعتباري رجل الامس.
تصعد في ذاكرتي صوري وانا اتجادل من على منصات الشباب الناضجين مع رجال الغد في حينه. في جميع المجادلات مع رجل هشومير هتسعير، نحن اليساريين كنا قلة قليلة. وكانوا هم يتحدثون عن عالم الغد. من منا لم يتفاعل مع مقولات مثل «العدالة للجميع» و»القضاء على الطبقات» و»سيطرة الشعب على موارد الدولة»، والتصدي للاديان كان ايضاً يضيف نوع من السحر للاشتراكية الثورية التي كنا نؤمن بها. وكنا ندافع بقوة عن القيم التي آمنا بها. الاشتراكية الديمقراطية في موازاة الصهيونية العملية. كنا رجال الامس ولكن كنا اقوياء في الشارع، ولكن كانت تنقصنا الشعارات الحاسمة، تشبثنا بأقوال برل كتسنلسون.
واليوم فان رجال الغد هم اقلية وعديمو التاثير. ولكنهم يعيشون نشوة الرؤيا بعيدة المدى وينتقدوننا ويتهموننا بأننا لا نستطيع المس بالاشياء المتفق عليها. وكرجل الأمس فإني اؤمن ببعض القيم التي ازيحت جانباً، مثل الصهيونية. نعم اضحكت رجل الغد بذكري لمفهوم يتماثل مع ما يطرحه موشيه فيغلين، ونفتالي بينت وزئيف الكين، ولكن وحسب اعتقاد رجال الغد فإن الصهيونية هي حركة استعباد شعب اخر وليس اكثر. ومن وجهة نظري أن الصهيونية لم تنته من العالم، وحيث ان يهود فرنسا لا زالوا يعيشون في ضائقة، فهم يتوجهون إلى الدولة اليهودية التي وجدت بعد النبوءة الصهيونية. الصهيونية التي اؤمن بها هي الايمان ببناء مجتمع العدالة والمساواة الساعي إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانبه.
ويدعي رجل الغد بجرأة ان الربط بين اليهودية والديمقراطية ليست في اطار الممكن. ولربما يثبت المستقبل انه صادق. ومن بين اولئك الذين يقدسون اسم «الدولة اليهودية» يوجد الكثير ممن ضاقوا ذرعاً بالديمقراطية. وهؤلاء يجب النضال ضدهم. وبدل ان يتم النضال ضد هؤلاء من قبل رجال الامس ورجال الغد، يقوم رجال الغد بالهرب من هذا النضال ويضعون انذارا مرعبا: اما دولة جميع مواطنيها، او فييغلين! اذا كانت هذه هي الخيارات، فلا بد من تحضير جوازات السفر والاستعداد للرحيل، لانه من الواضح ان فييغلين وصحبه سينتصرون في هذه الخيارات.
ويجب القول للحالمين بدولة جميع مواطنيها، أن هذه الفكرة الرومانسية قد انتهى زمنها. اننا نعلم ان العالم العربي في حالة اضطراب. وهناك ايضاً من يحول الخيار الديني إلى خنق التطلعات القومية او السياسية. فلماذا يدعي رجال الغد انهم واثقون إلى هذا الحد بحسن نوايا شركائهم في الوطن.
وكرجل الامس فاني اشعر كمن وضع حالة كبح، حيث اني لا ابيع بضاعة مثالية وجذابة، ولكني كرجل الامس فاني اسعى إلى منع تحقق ما هو اسوأ – حكومة يمينية دينية متطرفة حبلى بالكوارث للدولة وللمجتمع. وكرجل الامس فاني لست واثقا بأني سأنجح في ذلك. ولكن على الأقل أدعو إلى خلق خيار واسع مع وجهة نظر جماهيرية داعمة تكون هي شرطا لكل نضال.
لم أسقط عن الكرسي عند سماعي بان زميلي ابراهام بورغ انضم لحزب حداش. فبامكان رجل مثل بورغ ان يدعي انه يسعى إلى دعم حزب اسرائيلي يهودي عربي وهذا منطقي في نظري، على الرغم من أن اختياري كرجل الامس مختلف عن ذلك. إنني أعارض ادعاء رجال الغد الذين يعتقدون أن بديلهم هو الوحيد الممكن من أجل التسوية العادلة والثابتة في منطقة مشبعة بالكراهية والاراء المسبقة.
لا اشك أنني أشعر بالإحباط العميق من كل ما بالامكان دعوته برجل الغد، ولكن ما العمل، ما دام الامس هو الذي يكشف وجه المستقبل.
هآرتس 12/1/2015
عوزي برعم