أنا سارق كتب فاحذروني!
زياد خداشأنا سارق كتب فاحذروني!اصطادتني الكتب برائحتها أولا، كانت مكتبة أبي ضخمة جداً، تفوح منها رائحة حريفة، كنت طفلاً، لا يعرف من العالم سوي الركض. كنت اتنفس الركض وآكله وانام فيه او به، كانوا يسمونني في المدرسة الطفل الراكض، في مساء ما، كنت وحدي في البيت، الرائحة الغريبة البهيجة الغامضة مدت خيوطها تجاه روحي، واحتكرت شغفي، سرقت طفولتي، رأيت نفسي اتسلق رفوف الكتب، فغمت الرائحة كياني كله، اربكت تاريخ احاسيسي باللذة الحسية، اتذكر أني ظللت واقفاً علي السلم مغمضاً عيني، مستنشقاً رائحة الكتب والمجلات القديمة، انتقلت الي زمن اخر، لا اعرفه. كان الاحساس اشبه بنزهة برية الي خلاء عجيب، مليء بالنمور التائبة، والشجر الكثير، لا اتذكر الوقت الذي استغرقه وقوفي علي السلم، لكني اتذكر أن صيحة أبي هزتني من غيبوبتي، وايقظت وعيي. فيما بعد وبعد مرحلة الشم، تعرفت علي ملمس الكتب، والمجلدات، كنت اضم الكتاب الي صدري واشمه ملء طفولتي المصدومة، كان ابي يراقبني بفرح صامت، سمعته مرة يقول لأمي همساً علاقته الغريبة مع الكتب تعجبني جداً . لم افهم حينها مغزي كلام أبي حين ضبطت نفسي مرة أنام بجانب المكتبة، اتخذ فرح أبي شكل قبلات خاصة وحميمة تركها أبي علي خدي رطبة وقوية. بعد سنوات قليلة، وجدت نفسي احاول أن اقرأ في الكتب التاريخية والادبية، بحثاً علي لذة الايقاع والموسيقي، صوت الحرف كان له رنين يسكرني.بدأت علاقتي مع الكتب تنحو منحي اخر، اقرب الي مضامينها، ومحمولاتها، صار أبي يقرأ لي القصص والحكايات، ويلون كل معني بصوت خاص، ذات ليل اسري ناعم هادئ سمعت امي تقول لأبي: علاقته بزملائه وأصدقائه أصبحت ضعيفة، انه يمضي وقته يشم الكتب ويتحسسها، انا خائفة عليه. حين رد عليها ابي بالصمت، احسست بخوف، لكن لذائذ الصوت والرائحة والملمس، كانت بمثابة بوابات جنة عجيـــبة، بدأت اقرأ، وأفهم، بدأت اعرف ان الكتب ليست رائحة وصوتاً وملمساً فاخراً فقــــط، هي كنز معرفي وحيوات كثيرة وتاريخ، بشر ومصائر شعوب، وفنون ايضاً، وهكذا اخذتني الكتب الي حقيقتي، وقيعاني،واشعاعي الداخلي، واسرار الوجود. اصبحت الكتب صديقتي التي لا تخون ولا تخذل ولا تتجسس علي اخباري وتنقلها لاعدائي، انها الكتب التي ترمم ما خرب من روحي، تقلم شجر وجداني الوحشي، تهذب من فظاظتي في استدعاء حواسي حين يلتهب الجسد بنار امرأة القت تجاه ادغالي ببحيرتها الضاجة بالبط والظباء والمشمش والشوكلاتة . انها الكتب التي تؤكد انسانيتي وحقي في استخدام الحياة لأعرف اكثر وامارس الحيرة المنتجة وفن السؤال اللذيذ،انام مع الكتب كل ليلة، امارس معها الحب، تعطيني حليب المعرفة بسخاء شديد واعطيها عرق الذهن بحب كبير. من غير الكتب أنا مجرد انسان يشبه ماكينة بلهاء يأكل ويشرب ويمشي وينام. بالكتب انا انسان، يفكر ويحب وينتمي ويضحي ويستمع ويكتشف ويكشف ويتغير. ذهبت سنوات الطفولة، غابت براءة الطفل داخلي، صفعتني هواجس الرجولة الخبيثة والمصالح. أنا الان في الاربعين من تيهي وشقائي، انام تحت رموش الكتب، تختبئ عيوني في ظلمات الاساطير، ابو الفرج الاصفهاني يزورني كل ليلة متأبطا ذراع ماركيز، اما كازنتزاكي فيشرب في حانة ذهني نبيذه العتيق مع طاغور، محمود درويش يرفرف في فضاء قلبي و فجري، ويرقص ادونيس في مرقص عقلي بلا توقف في مساءات المطر الضجرة والليل الطويل.حين تتركني حبيبتي لايام اهرب الي كتاب، حين تسامحني صديقتي اهرع فرحا الي كتاب، حين اسافر ألتحف كتابا، حين اخاف الوذ بكتاب، حين امرض اتحامل علي وجعي واتخيل الكتاب غرفة في مشفي او ممرضة بيضاء فاتنة تضع يدها علي كتفي وتبتسم.حين يغضب مني الاصدقاء اهديهم كتبا فيرضون عني، حين يتزوج صديقي لا اقدم له نقودا كما العادة بل اهديه كتابا، اسرق الكتب من مكتبات اصدقائي ولا اعتبر ذلك خللا في اخلاقي او مرضا بل منتهي الصحة والروعة والقوة وخفة الروح، وحين يعيرني صديق كتابا تحت الحاحي وتوسلي اكتب عليه اسمي فورا واهديه لي، حين يطالب به الصديق اكذب عليه واقول : اخذه الجنود الاسرائيليون معهم مع مجموعة كتب اثناء اقتحامهم لبيتي في المخيم فيخرس صديقي ويطأطيء رأسه، هاهاهاها. في معرض فلسطين الدولي الاخير للكتاب لم اكن املك ذلك الشهر الا مئة شيكل حتي اخر الشهر وكنا في بدايته، لم استطع مقاومة اغراء الكتب الجديدة التي طالما سمعت عنها، حاولت ان اسرق فلم افلح فقد كانت الرقابة شديدة، حزنت وغادرت المرض ولم اعد . لو حدث وان سرق مني كتاب احبه اجن تماما وقد امرض وأرتكب افعالاً غريبة كأن أخرمش وجه السارق او اسرق منه قلما ثمينا، واطلب منه اعادة كتابي مقابل القلم. اعتقد ان سارق الكتب لن يدخل النار فهو انسان بسيط و فقير يريد فقط ان يمتع ذهنه، ويوسع من دوائر ذهنه وروحه، اعتقد ان الله الجميل يضحك ملء جبروته وغفرانه وعذوبته وقلبه حين يراقب سارق الكتب وهو يسرق واعتقد انه يستدعي الملائكة ويقول لهم ضاحكا : الكتب تشبه المرأة تماما لكن هناك فرقا صغيرا هو ان المرأة لا تحتمل ان يشاركها في حب صديقها احد بينما الكتب تتحمل ذلك. قراءة الكتب التي نحبها هي نفسها ممارسة الجنس مع المحبوبة، لكن الذهن والقلب يحلان محل الجسد في الثانية، والنشوة في الاولي هي نشوة القلب و الذهن وقد نعبر عنها بصيحة او بارتجاف او بتنفس للصعداء او بشهيق طويل، اما الثانية فهي صيحة جسد ممتعة وصاعقة و مغرقة في ظلاميتها وبدائيتها، كلتاهما هما التجسيد الاروع و الاصفي والاعظم والادق لهذه الفاتنة المجنونة التي تدعي حياة.كاتب من فلسطين[email protected] 0