أنا لا ابحث عن هوية

حجم الخط
0

سمير جبور من قال لك أنني ابحث عن هوية؟ ومن قال لك أنني فقدت هويتي في زحمة تكاثر الهويات؟ ومن قال لك أن هويتي اصبحت من الماضي، ولم يبق لها وجود، أو أصبحت قطعة من ألأسمال البالية؟ عجبا! أنت لا تستطيع أن تقرر عني إذا كانت هويتي قد إندثرت أم لا. أنت لست جديرا بأن تنتزع مني هويتي، وليس في مقدورك أن تعطي نفسك الحق في إستبدال هويتي، ومنحي هوية تلائم أهواءك ونزواتك. أنت أعجز من أن تعين لي هويتي، وأنت لا تستطيع أن تغيرها لإنني ولدت معها وولدت معي، ولدت بها وولدت بي.. هي مني وإلي وهي جزء من وجودي بل اساس وجودي. فمنذ جئت إلى هذه الدنيا ورايت عيناي النور كانت هويتي تضيء لي الطريق وتقودني إلى مهد ابائي وتراث أجدادي. وهي التي تربطني بجميع ابناء شعبي.

أرادوا أن يعرفوا إنتمائي الديني لكي يصنفوني في خانة من خاناتهم ويمنحوني هوية من هوياتهم. سالوني ما دينك؟ قلت لهم أنني لا اصرح بإنتمائي الديني، لأن ديني هو علاقة سرية سرمدية بيني وبين ربي. انا اعبد الله خالق ألأرض والسماوات، عز وجل، وهو الذي يهديني إلى الصراط المستقيم وسواء السبيل. أنا التمس من لدنه الهدى والنصح والإرشاد. انا لا أحتاج إلى البشر ليقولوا لي كيف أعبد ربي ‘بكل ألأديان السماوية’. وانا استمد منه تعاليم الخير والتسامح تجاه كل الناس. وإذا همس احدهم في آذانهم وقال لهم أنني نصراني، فهذا لا يشفي غليلهم. فلا يكفي ان تقول لهم لإية ديانة أنتمي. يسالونك هل أنت كاثوليكي ام أورثوذوكسي ام بروتستانتي ام ماروني أم قبطي أم سرياني أم كلداني وإذا همس آخر في آذانهم ,وقال لهم أنني مسلم، ينظرون إليك بفضول وحيرة، ويقولون لك إننا نعرف أنك مسلم ولكن هل أنت سني أم شيعي، علوي ام إسماعيلي وهابي سلفي أم… ؟ ويريدون أن يعرفوا اذا كنت من اهل الحديث واي مناهج مذهبية أتبع؟ المرجنة او المعتزلة والجهمية او الصوفية او الباطنية الإسماعيلية او الزيدية الإمامية او المالكية او الشافعية او الحنفية أو الحنبلية او البهائية. أجيبهم، أنا لا أتبع اي واحد منها، ولكنني أختار منها ما يتلاءم ومبادئي ألإنسانية وقناعاتي الشخصية.. ثم يسالونني ما هي هويتك إذن؟ أجبت إلإنسانية. فقالوا هذا تعريف واسع فكيف سنتعرّف عليك وكيف سنتفاهم معك وكيف سنعاملك؟ أجبت عاملوني كإنسان أولا. ولكنني لا اتنكّر لهويتي. هويتي الشخصية عربية.. ّ.

فجن جنونهم فقالو العروبة فسق لإنها علمانية، والعلمانية كفروإفساد. أشفقت عليهم وقلت في سرّي: مسكينة انت أيتها العروبة دفنوك وانت حيّة، وزعموا أنك فقدت الحياة. قالوا إنها ماتت. فقلت لهم العروبة لم تمت حتى وإن رحل دعاتها ومفكروها، فهي حية ترزق فكرا وإيمانا وعقيدة وهي هوية الملايين، فهي فكر وإنتماء وإيمان بالأصالة. فالذين زعموا أنها هويتهم، ورفعوا لواءها وإستغلوها كشعار لخداع الجماهير والتغطية على سلوكهم لا يؤمنون بها، وهم غرباء عنها، فهؤلاء هم الذين رحلوا وإنقضوا.

فهل تقصد الحكام المستبدين الطغاة العلمانيين؟

قلت لهم إنني لا اعرف إلاّ القليل جدا من الحكام من آمن بالعلمانية قولا وعملا. وإذا إشتبهوا بأي منهم أنه شبه علماني قتلوه او سمموه. العلمانية على نقيض من ممارسات الحكام المستبدين الطغاة والعنصريين المحتلين الذين ينفثون سموم التفرقة والتحريض.. الحكام المستبدون الدكتاتوريون السفاحون ليسوا علمانيين ولا يمكن أن يكونوا علمانيين. ومن يقول أنهم علمانيون يتجنّى على الحقيقة، ويشوّه معنى العلمانية ويقحم الفساد في العلمانية. يزعمون أن هذا الحاكم فاسد لإنه علماني. فهذا هراء في هراء. وهذا الإتهام هو أحد اراجيف أعداء العلمانية. فالثقافة العلمانية اسمى من دسائس الحكام وشرورهم. العلمانية تقوم على الديموقراطية والحرية وتدعو الى المحبّة بين الناس، وإلى وحدة القلوب وألإلفة بين الشعوب ومحبة ألأخ لأخيه الإنسان من دون تمييز بين طائفة ومذهب وعقيدة.. إنها فلسفة واسلوب حياة، يقوم على التسامح والــــترفع عن الأحقاد والعصبية والتعصب والكراهية. وهي المرجل الذي ينصهر فيه كل أصحاب المذاهب والعقائد والطوائف ليخرج منه ألإنسان العربي المصقول الحر الذي لا يميّز بين ألإنسان واخيه الإنسان، الحر في دينه وإيمانه ومعتقده.

العلمانية ليست ضد الدين. إنها تدعو إلى مخافة الله سبحانه وتعالى، ولكنها تعارض تدخل بعض رجال الدين في السياسة، لإنهم ينحرفون عن التعاليم السماوية ويشوّهونها ويعتدون على السياسة لأنها ليست من إختصاصهم. . ثم يسألونني من أي بلد أنت؟ وماذا يهمكم نشأتي الجغرافية. أنا لا أؤمن بالجغرافيا ولا بالحدود. فلسطين وطني والعراق وطني والاردن وطني وسورية وطني وبلاد الشام كلها وطني. وإذا ضاقت بي الدنيا، فالوطن العربي كله وطني.

وأخيرا لا بد من التساؤل: لماذا هذا التجنّي على الهوية العربية؟ وأترك الإجابة على ذلك للكاتب عزيز مشواط ـ استاذ فلسفة وصحافة في المغرب الذي نشر مقالا تحليليا مهما تحت عنوان ‘أزمة’ الهوية في العالم العربي، أزمة معنى أم أزمة حضارة ‘اجاب فيه على هذا السؤال بسؤال آخر ورد مقنع فقال متسائلا: ‘هل الهوية العربية بهذا السوء الكبير أم أن المسألة ليست هذا ولا ذاك وإنما هي مخاوف وهمية تندرج كلها تحت إستراتيجية البحث عن عدو، كما تقرر أغلب الكتابات العربية؟. هل المشكلة تكمن في ‘اختطاف الإسلام’، عبر تاريخه الطويل من قبل منظمات وجماعات إرهابية من الخوارج إلى الحشاشين إلى القاعدة والإرهابيين الجدد؟ هل المشكلة في سيادة الجمود والتخلف والتطرف في الفكر الإسلامي منذ إصدار أبو حامد الغزالي كتابه ‘إحياء علوم الدين’ و’تهافت الفلاسفة’ إلى ‘اقتضاء الصراط المستقيم مخافة أصحاب الجحيم’ لابن تيمية إلى ‘الجهاد في الإسلام’ و’الخلافة والملك’ و’الشريعة والدستور’ لأبي الأعلى المودودي إلى ‘معالم في الطريق’ لسيد قطب وكلها تمثل الزاد الفكري لجماعات الإرهابية الحديثة، وتمثل صلب التعليم الديني المتخلف الذي يدرس في العالم الإسلامي حتى هذه اللحظة’. إنني لا ابحث عن هوية. إنني لست بحاجة إلى هوية أخرى. هويتي مستمدّة من مبادئي وإيماني بجذوري واصولي.

أنا أنتمي إلى هوية واحدة، هوية الملايين من ابناء شعبي. ومهما طال الزمن فإن المارد العربي سيخرج من قمقمه ليجسد إرادة عربية واحدة تتطلع إلى قيام مجتمع ألإخاء والمحبّة ونبذ التعصب والتشنّج والأحقاد، مجتمع المساواة: ‘الناس في دينه سواسية مثل أسنان المشط’ و’لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلاّ بالتقوى ‘. ‘ كاتب فلسطيني مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية