أنا لست شاعر المرأة… لا أشعر بالخجل مما كتبته!
الشاعر الليبي عبد الدائم اكواص:أنا لست شاعر المرأة… لا أشعر بالخجل مما كتبته!لندن ـ القدس العربي : قبل عقد من الزمان كنا نلتقي، نقرأ شيئاً، ونكتب شيئاً، نحلم بكلمة تخترق مساحة اليأس التي تحيط بنا، كانت اللعبة التي نمارسها عبارة عن قلم وورقة، وأفكار نلتقطها من الهواء، وبعد سنوات عدة، تطورت اللعبة وأصبحت أكبر وأخطر. الشاعر عبد الدائم أكواص، بدأ كتابة الشعر منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، وظل يمارس هذه الكتابة، بأمل أن يصبح ـ كما يعبر ـ يوماً ما شاعراً. صدر له نهاية عام 2005 ديوانه الشعري الأول (آثار طفل في الرمال) بطرابلس ـ ليبيا. نشر اعماله الشعرية والنثرية في معظم الصحف المحلية والعربية. التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار الحميم. ما هي المسافة الفاصلة بين الشعر والواقع وهل تري أن الشعر العربي المعاصر قد بدأ ينفصل عن واقعنا؟ هذا سؤالٌ حمّال أوجه، فالشعر هو تصوّر آخر للواقع، بغضّ النظر إن كان هذا التصوّر ـ أو التصوير ـ رومانسياً وردياً أو تشاؤمياً، هذا أولاً، أما ثانياً فالشعر هو الإبن الشرعي للواقع، فالشاعر يكتب من وحي واقعه وبيئته وثقافته وموروثه، وثالثاً الشعر هو أوكسجين الواقع ومنهله الدفّاق الذي يضخ الحيوية والاستمرارية فيه، فهو يحرّر الواقع من ترسبات وتراكمات اليومي والروتيني، ويكسر عنه طوق العادة، وهي كلها مسببات للجدب والمحل والموت البطيء، ورابعاً الشعر جهد وجهاد إنساني حضاري مستمر لترميم الوجه القبيح للواقع. علي أيّة حال، ومع كل ما ذكرته، فأنا أؤمن بوجود مسافة فاصــلة بين الشعر والواقع، مسافة ضرورية جداً لكي يحافظ كلّ منهما علي خصوصيته ودوره، ولكيلا ندخل في نوع من الشطط والهلوسة. وبالنسبة لك أنت…هل تري فارقاً لدي الإنسان الشاعر بين ممارسته للشعر وممارسته للحياة اليومية، وأيهما أقرب لك؟ بالتأكيد هناك فارقٌ يصل في بعض الأحيان إلي درجة التناقض الظاهري ، ولكنني لا أستطيع أن أكون أقرب للشعر من حياتي اليومية أو العكس، فالشعر يعيش في داخلي وأنا أعيش في الحياة، وأنا باستمــرار أقول وأردّد أنه لا بد من حياة حقيقية لكي يولد الشعر، ولا بد من شعر حقيقي لكي تستمر الحياة ، مع فهمي وإدراكي التامّين للتناقض الظاهري بينهما. ما هي جدوي الشعر في هذا العصر؟ دائماً ما يؤرقني السؤالُ عن جدوي بعض الأشياء في حياتي، وهو سؤال صعب وشائك لا أجد له إجابة مقنعة في معظم الأحيان، ولكنك عندما ربطته هنا بالشعر، فكأنك تسألني ما جدوي الحياة؟، وقد قلت في إجابتي عن السؤال السابق أنه لا بد من شعر حقيقي لكي تستمر الحياة، فجدوي الشعر هي جدوي أخلاقية إنسانية معنوية، أما إذا كنت تقصد الجدوي بمفهومها المادي الاقتصادي، فسأبشّرك بأنه ليس للشعر جدوي. في ديوانك الأول (آثار طفل في الرمال) حاولت الخروج بنصٍّ تفعيلي ذي صور حداثية جديدة…. هل تعتقد أن ديوانك قد استطاع أن ينفذ للقاريء بهذا التوازي في الرؤيا؟ إن كلمة حاولت تحمل معني الافتعال والقصدية، وهو ما أرفضه وأحاول أن أنفيه باستمرار عن قصائدي، فليس هناك شاعر يضع تصوراً فنياً أو سيناريو لقصائده قبل كتابتها، فالقصيدة تعرض نفسها علي الشاعر وعليه أن يقبلها كما هي أو يرفضها، لأن القصيدة مثل الحرية لا تتجزأ، كما لا تقبل النفاق والافتعال. أنا لا أدعي أن ديواني قد استطاع أن ينفذ للقراء، كما لا أستطيع أن أنفي ذلك، المهم أنني مقتنع بما كتبت، ومقتنع بأنني قطعت شوطاً مهماً في الاتجاه الصحيح، وللقاريء كلُّ الحق في أن يقبل ما أكتبه أو يرفضه. مع تنامي موجة التأثير النثري علي القصيدة العربية الحديثة….هل تري أن هناك إمكانية لاستمرار الأشكال الشعرية الأخري كالشعر العمودي والتفعيلة في التعبير عن العصر الذي نعيشه؟ نعم…بالتأكيد وبالمطلق، فكما قلت سابقاً إن الحياة متعددة الصور والأوجه والألوان، وهي تستمد استمراريتها من هذا التنوع والاختلاف والتضاد وإلا فقدت مبرر استمرارها وتطورها، والضد يُعرف بضده، فأنت مثلاً لن تعرف النور إذا لم تعرف الظلام، ولن تعرف الارتواء إذا لم تجرب العطش…إلخ، إذاً فالمنطق والعقل يقـولان بذلك ويقرّانه، والشعر ـ وهو جزء من هذه الحياة ـ لا بد أن يحمل أو يرث هذه الصفة الوراثيـة السـائدة من الحياة، أي لا بد له لكي يستمر ويتطور من أن يكون متنوعاً في صوره وأشكاله وقوالبـه، وما ذكرته أنت من أنواع شعرية متـداولة ليست سوي قوالب وأطـر يوضع فيها الشعر، أي أنها ليست جوهر الشعر، أي أنك تكلمت عن الشكل، أما علي مستوي المضمون، وهو المهم، فأنا أحب أن أصنف الشعر إلي شعر ولاشعر بغضّ النظر عن القالب الذي يوضع فيه (عمودي أو تفعيلي أو نثري)، وللشاعر كامل الحرية في أن يتنقّل بين هذه الأشكال الشعرية حتي في داخل النصّ الواحد، ولكن عليه أن يكون مقنعاً ومبتكراً، وعليه أن يأتي بالجديد والمختلف، وإلا فما فائدة أن يكون الوعاء من ذهب إذا كان الماء الذي يحتويه آسناً. إنني أعتقد جازماً بأنه ليس من مصلحة أي شكل شعري أن يبقي وحيداً في الساحة لأنه سيفقد شيئاً مهماً وأساسياً ألا وهو خصوصيته وتميزه. ذكر بعض النقاد أن قصيدة (عبد الدائم اكواص) تتميز بالتركيز والتكثيف واستخدام التضاد والتناقض اللغوي والمشهدي من أجل إثارة خيال القاريء….فإلي أي مدي يستهويك هذا الأسلوب؟ إن الحياة ـ وهي مصدر الإلهام الأول لي ـ مليئة بالتداخل والتضارب والتناقض والتوازي…إلخ، وأنا كممارس للشعر أحاول دائماً تفكيك المكونات الأولية لهذه الحياة معتمداً ومستنداً علي إيماني المطلق بأن الحياة ليست نمطية ولا أحادية الاتجاه، وأنها ليست ذات لون أو طعم واحد، بل هي متعددة ومتنوعة بل ومتناقضة أحياناً، وبالتالي أنا لا أستطيع أن أنحاز لنمط أو مشهد أو فعل أو اعتقاد علي حساب ما يوازيه أو ما يخالفه، كما لا أستطيع أن أختصر الحياة بكل زخمها في تصور شعري أحادي محايد، لأنني بذلك سأرسم مشهداً مبتوراً وبليداً، ولن أكون مقنعاً حتي لنفسي. أما بالنسبة لمسألة التركيز والتكثيف، فهي مسألة نفسية بالدرجة الأولي، أي أنها ذات بُعد أو عمق نفسي عاطفي أكثر من كونها أسلوباً فنياً، ربما لأنه كلما زاد حجم الشعور والوعي، ضاقت مساحة العبارة. هل تعتقد أن الشعر في طريقه للانقراض مفسحاً المجال لألوان أدبية أخري؟ لا أعتقد ذلك إطلاقاً…فالشعر في اعتقادي مثل المادة لا يفني ولا يستحدث من العدم، والشعر ضرورة، ضرورة أخلاقية وحضارية وإنسانية، قد يمر الشعر في وقت من الأوقات بنوع من الكمون أو الخفوت، ولكن ذلك لا يعني مطلقاً أنه في طريقه للانقراض، بل هي فترة حضانة عابرة لن يلبث أن يخرج منها أكثر حيوية، وأكثر قدرة علي البقاء والاستمرار والتطور. هناك بعض الشعراء والمثقفين من الجيل الشاب من يدّعي عدم جدوي الكتابة لمخاطبة القاريء العربي وأن ما يجب ان نسعي للوصول إليه هو القاريء في أوروبا وأمريكا….فما تعليقك؟ نعم….وبعد أن يصلوا للقاريء في أوروبا وأمريكا ـ وهو أمر مستبعد ـ سيخرج لنا من بينهم من يقول أنه يسعي لمخاطبة القاريء في كوكب نبتون، أعتقد أن هذا ليس سوي نوع من الشطط والطموح الساذج والمبالغ فيه خصوصاً أن كثيراً من هؤلاء لا يملك المقوّمات اللازمة لأن يخاطب نفسه في المرآة، لذلك فهو يحاول أن يغطي عجزه وفشله في الوصول للقراء في محيطه العربي بنوع من الكبرياء والتعالي الأجوف، بل والتطاول علي أسماء ورموز كبيرة في الثقافة العربية، وهي أسماء قد نختلف معها بشدة ولكننا لا نختلف عليها وعلي ريادتها وقيمتها الإبداعية، وهنا دعني أسأل: ماذا لو لم يتمكن هذا المثقف الجهبذ من الوصول للقاريء الأوروبي والأمريكي؟ ، بالطبع ستكون الإجابة جاهزة، فهو سيعزو فشله وإخفاقه إلي العنصرية وعقدة التفوق وسعر النفط وأسلحة الدمار الشامل وإنفلونزا الطيور. أنا مع الحوار ومخاطبة الآخر بغضّ النظر عن جنسيته أو ديانته أو لونه أو لغته، وهو ما أعتبره أمراً حضارياً، لأن الشعر في الأساس رسالة حضارية إنسانية عُليا، ولكنّ المهم والجوهري هو أن أخاطب الآخر من خلال ثقافتي وانتمائي وموروثي، ودون التنازل عن أدني جزء من هويتي، وعلي الآخر أن يقبلني هكذا وإلا سندخل في مواجهة شرسة وصراع حضاري مرير. هل سيأتي يوم تتبرأ فيه من مرحلة من مراحلك الشعرية؟ بالتأكيد لا….فأنا لا أشعر بالخجل مما كتبته في مراحلي الأولي، بل أنا أشعر بالحنين وبالامتنان لتلك الفترة وتلك التجارب البكر التي تمثّل لي طفولة أخري غير طفولتي الفسيولوجية، وروضة بريئة أعود لها من حين لآخر لأرتاح تحت ظلالها بعد أن صارت اللعبة أكبر وأصعب. أعتقد أنه بقدر ما يكون الشاعر مؤمناً بما يكتب، بقدر ما يكون وفياً ومخلصاً له. هل ما زلت تحلم بتحقيق مشروع شعري ملحمي؟ نعم بالطبع…. فهذا حلمٌ يراودني باستمرار، بل ويؤرّقني أحياناً، وهو الذي يدفعني لأن أطور لغتي وأدواتي وثقافتي، أعلم أنني قد أكون بعيداً عن تحقيقه في المدي المنظور، ولكنني أعلم أيضاً أنه لا بد لي من الحلم، ولا بد لي من أن أسير نحو حلمي، وتبقي مسألة الوصول مسألةً نسبية قابلة للتعديل والتطوير بفعل تأثير الزمن وتراكم الخبرة والمعرفة وأشياء أخري لا أعلمها الآن. ما هو مشروعك الشعري القادم؟ أنا عاكفٌ الآن علي إعداد وتجهيز ديواني الجديد، والذي يحمل عنوان كأنك الكلُّ الوحيد ، وأنا متفائل جداً بأن يحقق هذا الديوان ما لم يحققه سابقه، كما أنني أحضّر لبعض المشاركات الشعرية الخارجية في تونس والمغرب وسورية، وربما أيضاً في لندن. أنهي حواري معك بالسؤال عن المرأة، فأين هي المرأة في حياة عبد الدائم اكواص الشاعر والإنسان؟ المرأة في حياتي كشاعر موجودة بمثالها أو تصورها، وهي موجودة في حياتي كإنسان بتمثالها أو صورتها، وبين المثال والتمثال، أي بين الصورة والتصور، مسافةٌ شاسعة أحاول دائماً أن أقطعها بخيالي، ودائماً ما أفشل في ذلك، ربما لهذا السبب أنا شاعر. علي كل حال أنا لستُ شـاعر المرأة، ولا شـاعر الحب، ولا غيرها من المسميات الساذجة والبدائية التي تحاول أن تحصر الشاعر وتخنقه في إحدي الزوايا، فلا يخرج منها إلا إلي القبر، أنا شاعر وكفي…شاعر فقط.التقاه: غازي القبلاويعبد الدائم اكواصولد بطرابلس الغرب ـ ليبيا عام 1975يمارس كتابة الشعر والنثر منذ مطلع التسعينات من القرن الماضييعمل طبيب أسنانصدر له (آثار طفل في الرمال) 2005 منشورات المؤتمر طرابلس ـ ليبياعضو بالعديد من الجمعيات الثقافية الليبية.0