أنا مثلكم جميعا!

حجم الخط
0

د. توفيق قريرةلبست بدلتي الجديدة و رششت عطرا مستوردا نزل كالرذاذ الرحيم على وجهي و خدّي و أنفي المكوّر فتحت فمي أيضا و نفثت فيه كثيرا من العطر .. أنا أعلم أنّ كثيرا ممّن أحدّثهم لا يحتملون ريحه.. ومنهم من صارحني بالأمر و نصحني أن أغيّر معجون الأسنان لأنه لم يعد يليق بنائب في المجلس مثلي يحتاج الشعب فمه الطيب و ريحه الزكية . وضعت بعض السوائل الدّهنية أرطّب بها شعري القنفوذي .. و ألصقت عدسات زرقاء لأخفي حمرة متقدة في عيني لم أستطع إطفاءها و كرهها الناس فيّ .. قلت لإحداهنّ مرّة : عينك مستودع السرّ .. فقالت: و عينك مستودع الشرّ .. اليوم هو الأوّل في المجلس .. لقد دفعت الغالي و النفيس كي أدخل هذا المجلس الفريد من نوعه .. و لمَ لا أدخله ؟هل الذين دخلوه قبلي أو بعدي أفضل مني؟ .. سأجلس على الأريكة الخضراء الوثيرة و أفكّر في ما يحلو لي و سأطلب من أصحاب أقلام الحبر السّيالة أن يكتبوا لي كلّ يوم موضوعا و سأتكلّم .. و أتكلّم حتى أنهي الورقة .. سأقول له : لا تكتب المطوّل حتى لا يجفّ ريقي ولا أكثر من الأخطاء .. لماذا يكتبون بلغة لا أحبّها و لا أفهمها .. المهمّ في كلّ ذلك أن يراني الناس على شاشات التلفاز. ومهما كان القبح الذي فيّ سيصبح مألوفا هكذا قال لي مُعيني .. سو ف أتكتّل مع من أريد و أتجمّع مع من يحلو لي و سأتمكن من أن أصبح قطبا في الحديث أو سألبّي النداء إذا نوديت و أنهض بالأعباء إذا ما أنيطت بعهدتي سوف أتآمر مع من أريد و أمضي العرائض ضد هذا الموقف أو مع ذاك الشخص .. قال لي معاوني إنّ هذا المجلس جنّة الدنيا حين تدخله ليس عليك إلا أن تتمنّى فيتحقّق كلّ شيء و سينزل عليك الجمال و تعمّك الحكمة و يغمرك المال من أمامك ومن خلفك و ستكون بإذن المجلس من الخالدين ..قلت في نفسي: علي أن أختار لوني السّياسي أو نحلتي .. سوف أكون شعبيّا مرّة و جهويّا أخرى وأمميّا ثالثة.. و لمَ لا أكون من المدافعين عن العمّال و العاطلين عن الحكيم و الغشيم .. و لم لا أكون ثوريا إلى النخاع ؟ أخشى من أولاد الحرام النابشين في المزابل أن يجدوا شيئا من وسخي القديم فينشروه.. و لكنّ معاوني قال لي لا يهمّك سنجد الحديث المناسب في الوقت المناسب..أأقول لهم إني أخطأت .. و لكنّهم سيرتكزون على هذا الخطأ و يطردونني من الباب الخلفي للمجلس .. سأقول إني غُرّر بي وزلات الرجال كثيرة .. لكنّهم سينعتونني بالتخاذل و الغباء و يقولون لي إنّ المجلس ليس فيه إلا الأصفياء و لا يدخله الأغبياء .. و لكن لماذا لا أقول لهم في مجلسهم قولتي التي بتّ معروفا بها ‘أنا مثلكم جميعا’؟ سأقول لهم إذن إني مثلكم جميعا .. و أسكت .. أنا جرّبت أن أقول هذه الكلمة .. فوجدت أنها سحرية .. أنا مثلكم جميعا.. هكذا قلت في جميع حملاتي الانتخابية .. صدحت بها عاليا قلتها آلاف المرات حتى تسمّيت بها : سمعت بعض الناس في قاعة الاجتماعات يقول هذا هو ‘ أنا مثلكم جميعا’ .. صرت من يومها أفتتح بها الخطب و أختتم و أحشو بها مواضع الفراغ في الكلام و ما أكثره.. بل اكتشفت أنّ لهذه العبارة من القوى السحرية العجيبة ما ليس لغيرها ..فهي قادرة أن تضحك المئات من المكدّسين في القاعات : أقول لهم :’ أنا مثلكم جميعا .. أستيقظ في الصباح فأدخّن سيجارتي قبل أن أغسل وجهي .. أنا مثلكم حين أتناول فطور الصباح مثلكم أنسى أن لي وجها أغسله مثلكم جميعا .. لم أغسل وجهي لأني مثلكم جميعا أنسى وجهي ..مثلكم جميعا..’ فتغرق القاعة في التصفيق و الضحك.. و أسمع هتافا واحدا: ليعش’ مثلكم جميعا’..قال لي معاوني : لقد كسبت العامة فحاول كسب المثقفين.. قلت له : أنت تعرف الزاد يا معاوني و أنا يقرفني هؤلاء .. قال الحل عندك و المفتاح : أنا مثلكم جميعا.. دخلت عليهم في مجمع حافل و دون استئذان قدمت نفسي و قلت لهم كلاما أربكهم قلت لهم: أنا مثلكم جميعا أكثر من القراءة و الكتابة .. لكني مثلكم جميعا أشعر بالدّوار و القرف و أكاد مثلكم جميعا أتقيّأ ممّا قرأت لأني لم أهضمه مثلكم جميعا.. قال أحدهم معجبا : أنت لخصت ما نلوكه منذ سنوات .. فأضفت : لو كنت أنا مثلكم جميعا .. لما غسلت وجهي كل صباح قبل أن أقرأ الجريدة أو الكتاب .. لو أني أنا مثلكم جميعا لفرشت الكتب ووضعت عليها فطوري و حين أكمل .. ألتقط ما يسقط على الكتب و الجرائد من فتات .. أنا مثلكم جميعا .. ألتقط من الكتب و الجرائد ما يعلق بها من فتات ..لكنّ بعضهم قد تفطّن إلى خواء زادي و لعبي على التعمية و الإبهام فقال لي: ما الديمقراطية لديك؟ قلت بعد خوف من الحديث في شيء لا أفهمه : هي أن تضجّ و يضجّون حتى تصبح مثلهم جميعا.. نظر سائلي إلى السماء فخفت أن يفضحني لكنه قال :.. إن شئت .. إن شئت .. ثم قال لي: ما الحرية لديك؟ قلت : أن تكون مثلهم جميعا و تقول أنا لست مثلكم جميعا .. فقال إن شئت .. نعم .. و ما السلطة ؟ قلت: أن تكون مثلهم جميعا و تصعد على أمثالهم جميعا و حين تستوي على سدة فوق جثثهم تقول : أنا لست مثلكم .. حاشاي أن يكون أمثالكم جميعا جزءا من جزء جزئي ..قال لي معاوني اليوم و قد كسبت المثقفين عليك أن تكسب العاملين .. قلت: لهم أنا مثلكم جميعا .. لا أغسل وجهي حين أستيقظ في الصباح .. أتركه مثلكم جميعا دون غسل حتى أشرب قهوتي في العمل و أفطر في العمل و أتكلم عن أشياء كثيرة خارج العمل ..أنا مثلكم جميعا أقول : لقد مات من اشتغل .. و أقول للعاطلين : أنا مثلكم جميعا عاطل من ألف سنة .. لا شيء فيّ يعمل .. أموت مثلكم كلّ يوم و لا أشتغل..وحين يأتيني العمل .. سأفعل مثلكم جميعا: سأرمي به بعيدا عني لأنه لا شيء فيّ بات يحبّ العمل.لقد هزمت منافسيّ جميعا و ترشّحت على دائرتي الأوّل و الأخير و كان الفضل لمالي أوّلا و من بعده للكلمة السحرية :’ أنا مثلكم جميعا’ و التي تسميت بها.اليوم الجلسة الأولى .. سأرى الواصلين من غير رَبْعي إلى هذا المجلس .. لن يكونوا أفضل حالا منّي فأنا أوصلتني ‘ أنا مثلكم…’ و هم ستوصلهم كلمات أخر.. السياسة كلمات مُلاكَة تحييها أفواه تعرف كيف تعلكها بعد أن تكون قد رمتها أفواه الماضغين العابرين.. دخلت المجلس أخيرا..تفاجأت حين رأيت كثيرا من المترشّحين ينظرون إليّ بعين الإكبار .. سارعت إلي سيّدة رقيقة و قالت :هنيئا لك سيّد ‘ انا مثلكم’ لقد أبْهَرْتني .. لقد استخدمت – بعد إذنك- كلمتك فارتفع منسوبُ الأصوات لديّ.. قلت :ومن أين لك بهذه الكلمة؟ .. قالت: أرسلت من أتاني بها سرّا من مجالسك في إقليمك.. قلت: مبارك عليك الكلام فأنا مثلكم جميعا.. و ابتسمت .. أسرع إليّ لمّا رآني شيخ و قال : أيها السّاحر الجذّاب .. لقد كان نجمي في نُحوس فصار في سُعود بفضل كلمتك السحرية :’ أنا مثلكم جميعا!’ يا له من فتح كلامي مبين!. حيّاني كثيرون في المجلس كل بطريقته بانحناءة من رأس أو بسلام حار أو بكلام مشجع .. لم أكن أعرف أنّ كلمة ما ستوصلني إلى هذا المجد..لم أدر كيف أصبحت رئيسا للمجلس .. و تفوّقت بفارق عريض على مرشّح آخر .. وحين ألقيت كلمتي الأولى كانت بسيطة جدا .. لكن ما كدت أنطق برائعتي ‘ أنا مثلكم’ حتى علا التصفيق في المجلس.. و كرّرها معي أغلب من فيه كما تكرّر أشهر الأناشيد .. سكتّ و تركتهم يكملون : ‘ أشرب غليوني .. و كأسي قبل أن أغسل وجهي .. و حين أفطر مثلكم جميعا .. و يقع الفتات على صفحات جرائد الصباح .. أرى مثلكم شيئا واحدا .. وجهي .. صورتي المنشورة في كل الصفحات .. و أبحث هل أنّ وجهي الذي على صفحات الصحف قد أصابه شيء من الفتات ؟.. ثمّ أحمل وجهي و أحتفظ به من غير غسل .. للتاريخ.. أنا مثلكم جميعا .. تاريخي ههنا تكتبه جرائدكم..و حين أخذ الكلمة منافسي الخاسر قال : أعلن عن تشكيل كتلتي المعارضة و سأسميها كتلة ‘ أنا لست مثلكم جميعا’.. و حين تداول على الكلمة جماعته كانوا يفتتحون بقولهم أنا لست مثلكم جميعا.. و يعيدون الأشياء التي نقولها.. كان الخطيب منهم يقول : ‘ أنا لست مثلكم جميعا .. لا أستيقظ في الصباح .. لأني لا أنام .. أنا لست مثلكم جميعا أنام و أهدأ .. و من للبلاد إذا نمتم و نمنا جميعا؟.. و يضحك جماعتنا ..في كتلة ‘ أنا مثلكم جميعا’ و يتغامزون .. و يفهم الناس جميعا الذين هم مثلنا جميعا.. أنّ أمثالهم لم يخلقوا من طينتنا .. في ذلك اليوم قلت لهم: أنا مثلكم جميعا أرغب في أن أحصّن داري و أخفّف من دثاري و أسافر إلى أبعد من داري .. و كلّ ذلك خدمة لهذا الوطن.. وقال كبير المعارضين : أنا لست مثلكم جميعا : أعشق أكواخهم و لكنّي أترك قصري مفتوحا لهم و أعشق منظرهم وهم يرقعون أثوابهم غير أنّي أنا من يعطيهم الأثواب التي يرقعون .. و لن أسافر إلى أبعد من داري .. بل أسافر إلى أبعد من أكواخهم حتى أشتاق إليهم.. أنا لست مثلكم جميعا ..لا أشتاق إلى البائسين..تبسّمت و أنا أذكر تلكم الأيّام.. حين جاء حفيدي يسألني عن درس التاريخ .. فتح الكتاب فقرأت العنوان ‘دولة أنا مثلكم جميعا’ .. تذكرت ذلك حين غاب حفيدي و حين عاد قلت له الحكاية بسيطة: هذا تاريخ بلادك يوم أن كان يشبه الجميع فيه الكل .. و لا يشبه فيه الكل الجميع.. قال حفيدي: تلك إذن دولة العجائب!كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية