نظام المهداوي
كانت المناسبة ندوة في أحد المعاهد اليمينية المحافظة في واشنطن، والمحاضر نائب وزير الدفاع وقتذاك بول ولفويتز والمناسبة الحديث عن غزو العراق في أسابيعه الأولي.
اعترضت طريقه في الممر الطويل متجهاً إلي قاعة الندوة، وقبل أن أفتح فمي فاجأني قائلاً بابتسامة خبيثة، ورافعاً يده معترضاً:
ـ آسف لا أتكلم مع الجزيرة!
كنت وقتذاك أعمل مراسلا لـ الجزيرة من واشنطن.. سألته علي الفور:
ـ لماذا؟
لم يجبني، واقترب مني مستشاره الإعلامي هامساً في اذني بكل لطف:
ـ هو مشغول الآن.. اعطني أرقام هواتفك وسأتصل بك حال يسمح وقته.. وهذا الرد في دهاليز السياسة في واشنطن يعني بالتراث العربي: انطر يا حمار.. . دخلت خلفه إلي مقر الندوة، ولاحظت ان الجميع استقبله بحفاوة الابطال فقد أبلي الجيش الأمريكي بلاء حسناً في دخوله العراق.. ولم يكن يعرف هؤلاء أنه سينتهي إلي عدم القدرة علي الخروج والاستمرار في خوض حرب خاسرة.
تكلم البطل عن انتصارات أمريكا العظيمة التي تسجل الآن ضد الارهاب واسهب في الحديث عن التحديات والمنغصات التي تواجه جنوده في العراق، وأهم هذه التحديات تغطية قناة الجزيرة للحرب، والتي خصص لها حيزاً لا بأس به في كلمته، وكأنه يجيبني علي سؤالي وهو ينظر نحوي.. وخلص نائب رامسفيلد بالقول ان الجزيرة تدعم الإرهابيين وتبث رسائل كراهية، وتحرض الناس علي العنف ضد أمريكا.
سارعت بالشريط الذي سجلت به تصريحاته بالصوت والصورة إلي المكتب، وأرسلته إلي الجزيرة بالدوحة التي بثته علي الفور.. كان مديرها وقتذاك محمد الجاسم في عز تألقه المهني، حين خلق الجزيرة من عقود علي ورق، وجعلها قناة فرضت نفسها في مختلف دول العالم، واصبحت بوقت قصير تشغل بال الساسة وأمراء الحروب والدول العظمي.. واعدائها علي حد سواء.
في المرة الثانية التي التقيت فيها هذا البطل كانت في اربعينية الزعيم الشيعي عبد المجيد الخوئي الذي تم اغتياله في العراق بعد الغزو.. كان جمهور الأمسية من العراقيين الشيعة بالتحديد، وقد توافدوا من كل حدب وصوب، من ديترويت ونيويورك ولوس أنجليس. كانوا يعرفون مسبقاً بأن ولفويتز سيحل في ندوتهم معزياً بفقيدهم.. بمعني أن الأمسية مرتبة وتم الاعداد لها.
وقبل مجيء ولفويتز فوجئت بحرسه الخاص يطلب من المصور الخاص بـ الجزيرة فحص الكاميرا وفتح الحقيبة التي يحملها. ذهبت إليهم معترضاً.. قال أحدهم: انها اجراءات أمنية. قلت له: اعترض علي هذه الاجراءات الأمنية التي تستهدف الجزيرة فقط.
ابتسم وبدا عليه الحرج وهو يقول: هذا ليس حقيقة سيدي.. وسنفحص أدوات زملائكم هناك. ولم يكن في القاعة سوي كاميرتين واحدة لـ الجزيرة والثانية لـ فوكس نيوز.
ولم اخف شعوري بالفرح وأنا اشاهد حرس ولفويتز، مضطرين أو راغبين، يفحصون كاميرا فوكس نيوز، اليمينية أكثر من اصحاب اليمين.
بعد وقت قليل جاء البطل واستقبلته عند باب القاعة مثل عزرائيل.. قلت له هذه المرة ستتحدث معي وقد وعدني مستشارك الإعلامي.
رد: أنت مرة ثانية.. قلت لك لا أتحدث مع الجزيرة.
وجاءني مستشاره الإعلامي مهذباً فوق العادة كما المرة السابقة وأعاد السيمفونية اياها علي مسامعي: سأتصل بك!
قلت له: بل سأقابله الليلة حين ينتهي من كلمته.
لا أدري ان كانت استهوتني، لا شعوريا، لعبة استفزاز هذا الرجل الغريب، فهو يبدو كمن يتخذ موقفاً عدائياً شخصياً من القناة، بل يبدو أنه شديد الغضب منها.. ولا أنكر انني استغليت هذا وكنت اعرف ان مقابلته لن تسمن ولن تغني عن جوع… للأخبار طبعا!.. لكنني كنت حريصا علي سبر أغوار شخصيته والتقاطه في لحظات غير اعتيادية.
وفعلا كانت لحظات غير اعتيادية.. استقبله العراقيون المتواجدون بحفاوة الأبطال.. وتذكرت علي الفور كيف استقبل الكويتيون شوارتزكوف كبطل التحرير.
صعد ولفويتز علي المنصة: بسم.. ال.. راه.. مان.. را.. هيمال.. هم.. دو لي… . وأخذ يقرأ سورة الفاتحة وكأنه يقرأ بلغة مسمارية.. وشعرت أن روحه كادت تخرج إلي بارئها ما ان انتهي بقوله: صدق الله العظيم.
طبعاً تحدث البطل بعد ذلك بلغة انكليزية اثارت الملل بين الحضور الذي معظمه لشيوخ لا يعرفون اللغة.. وما أن انتهي من كلمته التي تضمنت عبارات التعاطف مع الشيعة وبعض العموميات والعبارات المكررة عن الحرب علي الارهاب حتي قوبل بتصفيق حار.. ثم حاصره حرسه الخاص وخرجوا به من باب فرعي بجانب المنصة، فكرت ان كنت جعلتهم يحتاطون من احتمال تعرضي له في حال خروجه من الباب الرئيسي للقاعة.. وتساءلت الهذا الحد تزعجه الجزيرة؟
في صبيحة اليوم التالي، عثر حافظ المرازي، مدير مكتب الجزيرة وقتذاك علي كنز لا يقدر بثمن:
ولفويتز يقرأ الفاتحة!! ضحك حافظ بخبث كعادته وقرر أن يجعل من فاتحة ولفويتز خاتمة لبرنامجه من واشنطن.
ولم يكن حظي بلقاء هذا البطل أفضل في كل مرة اشاهده بالصدفة أو محاضراً في مؤسسات الفكر في واشنطن، حين كنت اراه أتساءل ما اذا كنت الصحافي الوحيد الذي ينتابه شعور بغرابة هذا الرجل وعدم اتزانه، حتي شاهدت فيلم المخرج المشاكس مايكل مور الشهير فهرنهايت 911 . وظهر ولفويتز بالفيلم وهو يستعد لمقابلة علي الهواء مع احدي القنوات.. وضع ولفويتز كف يده علي فمه، ولحسه بلسانه ثم وضعه علي شعره ليسرحه، وكرر هذا الأمر أكثر من مرة.. منظر مقزز يكشف صورة هذا الرجل وهو لا يقل عن منظر جواربه الممزقة حين خلع حذاءه ودخل أحد المساجد في اسطنبول.. ولا أدري لماذا يذكرني بالصورة القذرة التي حملها التاريخ لـسلوك هولاكو.
ظلت لقاءاتي به مستمرة.. كنت حريصاً علي متابعته، ولم تنقطع إلا بعد مغادرته وزارة الدفاع وتعيين بوش له رئيساً للبنك الدولي. ولم احتك به بعد ذلك، فكلانا بدل وظيفته اذ لم أعد مراسل الجزيرة التي تغضبه ولم يعد هو نائب وزير الدفاع، وان بقي علي رأس مهندسي الحرب علي العراق التي لا يبدو أن لها نهاية قريبة. وقد ابي ولفويتز إلا أن ينهي حياته بفضيحة قذرة تليق به، ولا أنكر انني انتهزتها فرصة للقائه من جديد.. تتبعت برنامجه اليومي، ولم احظ في المؤتمرات الصحافية علي فرصة أن أطرح أي سؤال، ولكن حين لحقت به في احدي المرات، تذكرني علي الفور، قال: Again. ابتسمت وقلت له.. انا لا أمثل الجزيرة الآن.. أعمل مراسلا لقناة أبو ظبي.. رد: اذن توافقني رأيي بـ الجزيرة… قلت: لاواصل سيره وكأنه لم يرني. ولم يسمح لي بسؤاله عن شيء.
ہ اعلامي عربي مقيم بواشنطن8