أنتيغون لجون أنوي على مسرح الكوميدي فرانسيز في باريس

حجم الخط
0

إن مسرحية ‘ أنتيغون’ للكاتب الفرنسي جون أنوي، ليست مجرد كتابة بسيطة لنص سوفكليس، كما يحدث غالبا، فالأمر ليس كذلك تماما. ففي عام 1944، اثناء الاحتلال الألماني لفرنسا، وفي باريس التي كانت مسرحا لعمليات الاعتقال، والمنشورات، والخوف والهجمات والعنف، قام كل من جون أنوي ومدير ومخرج مسرح ‘الأتيليه’ أندري باراسك، بخطوة جريئة، من خلال تقديم شبح أنتيغون، وجعلاه يأتي فجأة ليجسد الأمل في جيل كامل، لكي يصبح رمزا لجميع أنواع المقاومة، بعيدا عن المأساة الدينية، على غرار كتابات سوفكليس وبول كلوديل،والتراجيديات الملحدة التي كان يكتبها كل من سارتر والبير كامو.تحت مظهر بسيط وواضح، يأتي نص ‘جون أنوي’، ليكشف لنا الغطاء عن بساطة ممتنعه، وعن تعقيد كبير يحمل مشاعر تصور بشكل خاص عذابات العالم،وتنشأ لدينا ثورة رهيبة وعنيفة، على عكس ما يمكن أن نتوقع عند قراءتها، لا سيما ان أنتيغون تضعنا مباشرة أمام أنفسنا، واسئلتنا ومثلنا العليا. إن هذه الأنتيغون التي يقدمها جون أنوي ، لم تكن ببطلة مسرحية بعيدة عنا، وقادمة من أروقة التاريخ، حبيسة ماضيها، والقوى الإلهية، وإنما فتاة شابة ترفض أن يتعفن جسد شقيقها المعروض تحت أشعة الشمس، إنها تجسيد لكل ثورات العالم. فهي تأخذ على عاتقها مسؤولية تاريخنا، وثوراتنا، وأفعالنا المعاصرة الخاصة.
القصة
تعود أنتيغون بعد نفي ابيها الملك اوديب خارج مملكته، لتجد ان أخويها قد تقاتلا فيما بينهما حتى الموت على خلافة العرش، فتدب الفوضى. خالها ‘كريون’ يتولى الحكم ويصبح ملكا على طيبة، ويكون احد قراراته، تنظيم جنازة ملكية مهيبة للأول ‘ايتيوكل’، وحرمان الثاني ‘بيوليكس’ من الدفن وترك جثته تتعفن في العراء وعرضة للطيور الجارحة. وقد اختار كريون كواحد منهما لجعله بطلا في اعين الناس، ومن الثاني مذنبا يستحق العقاب، علما أن الاثنين كانا على خطأ في تناحرهما على العرش، ولكن من أجل زرع الثقة والأمل في الشعب، اختار واحدا منهما، لعدم فقدانه الثقة في قادته، وفي نفس الوقت لمنع تسرب المنطق الذي يقول ان السادة فاسدون جميعا، فلماذا لا تفسد الرعية هي أيضا.
أنتيغون تتحدى الحظر، وتتمرد على سلطة الرجال، بنبش قبر أخيها بأظافرها، فيقوم الحرس بالقبض عليها وتقديمها لخالها الملك، الذي يحاول ان يثنيها عن رأيها، وينقذها من شدة العقاب الذي يمكن أن يصدر بحقها، لكنها ترفض بشدة سعادة العفو الذي يعدها به خالها. وهكذا يصدر الحكم، الذي يثير ميكانيكية المأساة، فلا شيء، ولا احد يستطيع أن يثني ‘كريون’ عن حكمه. وهكذا تنتهي المسرحية بمقتل ‘أنتيغون’، وانتحار حبيبها ‘ايمون’، ابن ‘كريون’ حزنا عليها.
إن مسرحية ‘ أنتيغون’لجون أنوي، تنتمي إلى المسرحيات التاريخية الفرنسية. وقد كتبت في باريس عام 1944 إلى مسرح ‘ الأتيليه’، أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا، انها بقدر ما حققت من نجاح كبير ومكثف آنذاك، بقدر ما كانت في نفس الوقت، موضع إثارة للجدل. إن أنتيغون في هذه المسرحية المأخوذة عن نص بنفس الاسم لسوفكليس، تجسد المقاومة، في حين أن ‘كريون’ يجسد عقل الدولة، والسؤال الذي يمكن طرحه، إلى أي جهة من الجهات تميل المسرحية ؟.ويبدو أن هذا السؤال قد قسم آراء النقاد عند تقديمها آنذاك، ويبقى حتى يومنا هذا من الصعب الاجابة عليه أو البت فيه، طالما أن استقبال هذه المسرحية من قبل الجمهور، أصبح جزءا لا يتجزأ من التراث الأدبي والتعليمي، منذ ذلك الوقت. وقد قام باقتراحها هذا العام المخرج الفرنسي مارك باكين إلى مسرح الكوميدي فرانسيز. بلا شك أن مهمة المخرج مارك باكين لم تكن بالدرجة الأولى حل الخلاف الذي أثارته هذه المسرحية أنداك أو اليوم، وإنما على العكس، عرض وكشف الغطاء عن النقاش والجدل بأكبر قدر ممكن، لا سيما أن سماع هذا النص بالنسبة لنا اليوم، بمثابة استبدال وتغير للأسئلة التي ظلت تواجهنا بشكل مستمر.وبالتالي فإن اختيار الإخراج، لم يعتمد على تاريخية المسرحية، وإنما على العكس، حاول تقديمها كما لو أنها منا ولنا، تشاركنا، ونشاركها على الفور، مثل أداة للفكر، لأنه خلف كتابته الركحية الواضحة، وواقعيته الطوعية، يختبئ الاستفزاز تقريبا، في لعبها مع كل ما هو يومي، وتفسيره المعقد.
ان أنتيغون،بشكل عام، تدافع عن قانون الدم، والأرض، والآلهة، ضد القانون الوضعي للمدينة والمواطنين الذين يدعمهم كريون.إنها تقوم بفعل فردي يذيب العلاقات الاجتماعية،وجعله يصبح رمزا أو بالأحرى، رؤية مسبقة للحقوق المدنية. ثم أليس أنتيغون اليوم تمثل بشكل من الأشكال المقاومة المعاصرة للاضطهاد السياسي، سواء كان عنصريا، أو طائفيا، أو متحيزا لما هو ضد المرأة؟. إن هذه الكتابة الجديدة للمسرحية تجعل من ‘أنتيغون’ شخصية تعارض بطفولتها النقية، ‘كريون’ الملك، الذي يرمز إلى فساد البالغين وأيديولوجية الدولة. وهكذا نستطيع القول في النهاية، ان الأزمة العالمية التي ضربت المهد التاريخي للأسطورة قد قامت بتحديث هذه البلاغة المسرحية ؟. ولكن هل أن تبادل التعنت بين الطرفين ‘أنتيغون وكريون’ هو واضح جدا ؟ وهل أن الطفولة التي عاشاها بمثابة حقيقة ثابتة حقا؟. إن المسرحية تدعونا لمناقشة أنفسنا، من خلال مشاعرها المسيلة للدموع نفسها. لأن خلف الجدل القائم بين كريون الخال، وأنتيغون الغبنة، يلوح سؤال آخر وراء أفق المسرحية، يطالبنا بالتوقف عنده. إن جون أنوي يتساءل من خلال تقديمه لشخصية كريون وحراسه، في نهاية المطاف حول: ماهية هذه المهمة الغريبة التي تقود الرجال لارتكاب اشنع المعاصي واكثرها بشاعة ؟ ثم بماذا التزم كريون عندما تولى قيادة عرش مدينة طيبة ؟هذه الأسئلة نفسها، يمكن طرحها أيضا على الوضع العراقي الحالي وقادته. ما هو تمثيل الشعب وماذا نستنتج منه ؟. تتطرق هذه المسرحية في شكلها ومضمونها المعاصر إلى مسألة السياسة. فالسياسة، بالنسبة لكريون تعتبر مهنة، بالمعني المادي، والمبتذل للكلمة، إذا جاز لنا القول. ولابد من القيام بها، مثلما يدعي الكثير من الساسة. وإذا كان حكم المدينة شيئا آخر غير المهنة، فماذا عساه يكون ؟هذه هي كل الأسئلة التي تحملها لنا مسرحية أنتيغون ببساطة ممتنعة من خلال مشاعرها التي تستعير طفولة الشخصيات. وهذه هي الرغبة من الإخراج الذي حاول أن يخدمها ويوفر لها الشفافية على امتداد العرض.
إن الشيء الأكثر تفردا الذي يمكن اكتشافه في هذا العرض، أن أنتيغون لا تتصرف نيابة عن الآلهة، فهي تؤكد بكل صراحة وعلنا، عندما يطلب منها خالها كريون بأن تتعقل، وأن ترجع عن قرارها: ‘أما الكل أو لا شيء’. إن الشعب في نص سوفوكليس، يصرخ عند بوابة القصر من أجل انقاذ الفتاة الشابة أنتيغون من عقاب الموت المحتم، في حين أنه في مسرحية أنتيغون لجون أنوي، يصرخ ويطالب بموتها. ويبدو هنا أن الأسطورة قد انقلبت او انعكست من أجل افساح المجال لمزيد من القسوة المألوفة، وجعل أنتيغون كشخصية تتجسد في حداثتنا. بلا شك أن الخوف يسكنها، مثل سائر الشخصيات الأخرى والبشر أيضا. وأن الطريق نحو الموت ليس بالأمر الهين أو السهل بالنسبة لها ولنا، وعلى الرغم مما يبدو عليها من تعثر وتردد على الأقل مرتين في المسرحية، تبقى أنتيغون طفلة تطمح لأن تظل نقية إزاء أفكارها ومثلها. إن مواضيع الطفولة والنقاء نجدها أيضا في جميع اعمال جون أنوي، ولكن في هذه المسرحية، يتردد صداها بشكل خاص جدا. لاسيما أن أنتيغون ترفض الدخول في عالم الكبار وألاعيبه، وترفض أن تكون ملوثة من قبل هذا العالم الذي يؤمن بالحلول الوسط وانصاف المواقف. إن قوة هذه المسرحية أيضا تكمن في تقاطعها مع المأساة القديمة، كما لو أن المؤلف قد سعى بشكل قصدي إلى تفجير الأسطورة، وانتهاكها. في بداية مسرحية أنتيغون، حيث تقوم الجوقة بتقديم جميع الشخصيات، يعيد المؤلف إلى الأذهان فترة الانقطاع أو التقاطع: الآن وبعد أن ذهب كل شيء، أنظروا إلى تاريخنا. وعندما ننظر إلى سياق الفوضى التي هزت العالم في عام 1940، وإلى الدمار الذي كان ساريا، نفهم بسهولة وزن وصدى هذا النص.
سينوغرافيا العرض بسيطة جدا، خشبة مسرح عارية تقريبا، وخالية إلا من أربعة كراس، وحائط متفاوت العمق، يحتوي على ثلاثة أبواب تفتح وتغلق، وهذا كل شيء. وكأن السينوغرافيا تريد الالتزام بشكل كامل بتعليمات جون انوي المدونة في نصه. أنتيغون قريبة في شكلها من مظهر صبي، شعرها قصير، وترتدي بدلة عمل تحتها قميص، وهذا ما أبعدها عن أنوثتها الطبيعية. كريون يرتدي حلة حديثة تذكرنا بالزي الرسمي للضباط الألمان، وبعض رجالات عصابة المافيا. وكل هذا لتذكيرنا بأن أنتيغون جون أنوي قد أنجزت أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا. تبدو أنتيغون في هذا العرض، مثل فتاة برية غاضبة، ورافضة للحياة، على الرغم من محاولات كريون الذي صار يعوم في التسوية، منذ قال ‘نعم’ للواجبات والالتزامات التي تترتب عليها، ولم يعد يملك الخيار، فهو ‘ملك أمام القانون وليس بعده’، لا سيما ان إبنة أخيه أنتيغون قد اختارت عدم الهروب والتملص من لا معقولية الرجال والمجتمع، حينما اختارت أن تموت هنا.
إن إخراج وتمثل مسرحية أنتيغون، بحد ذاتهما يعتبر مغامرة محفوفة بالمخاطر، إذ لا بد أن تتوفر فيهما الهشاشة والقوة، في آن واحد، لكي تأخذ هذه المسرحية، شكلا وجسدا مؤكدين. نحن نعلم ان أنتيغون ليست بشابة مراهقة، وإنها قد فقدت براءتها عندما اختارت معارضة النظام القائم، متبعة هذا الذي تعتقد انه حقا وعدلا، حتى لو كان فعلها بسيطا، عندما غطت جسد أخيها بالتراب. فهي ليست بقطة برية، وإنما نمرة. ولم تختر أن تموت، بقدر ما رفضت العيش في مجتمع تحتقر قوانينه. وهذا التصرف ليس بنزوة من نزوات طفلة مدللة،وإنما قررت أن تفعل ما يبدو لها عادلا ومشرفا، وهي على استعداد لأن تدفع الثمن من أجل ذلك. وإن كريون، بالمقابل، رجل موثوق به تماما، وراع لأسرته، ولكنه أضطر للذهاب إلى أبعد ما يكون في منطقه العنيد، متجاوزا نفسه من خلال قوة وصرامة القانون الذي وضعه. وعلى الرغم من شنق إبنة أخيه لنفسها، وانتحار ابنه من أجلها، وانتحار زوجته الملكة بسبب انتحار ولدها، لا بد من الاعتراف بأن هناك شخصا ما يسهر على رعاية شؤون الدولة.
لقد قام جون أنوي، بتصوير هذه المأساة تصويرا جديدا، يتفق مع فلسفته وفلسفة عصره، بتحريفه لبعض تفاصيلها، وتغيره في اماكن أخرى، واضاف إليها ما أراد من الاضافات لكي يميز مسرحيته، ويعطيها طابعا معاصرا يحاكي من خلاله لغة واحداث القرن العشرين الذي يختلف بالضرورة عن فلسفة القرن الخامس قبل الميلاد. وهذا ما اتخذه مخرج العرض مارك باكين، كمسار له، وأداة تفكير جمالي وفكري مسرحي معاصر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية