زياد خداش
أطارده في الطرق والحدائق والمدارس وفي القري البعيدة وعلي اطراف المخيمات، أحاصره في الزوايا أحيانا فيسدد عيونه الساخرة الناعمة في عيني، كأنه يقول لي: من انت حتي تحاول فهمي؟! وبسرعة الرصاصة الأخيرة في مسدس الفدائي الاخير يهرب مني دائما، فأرتاح قليلا ملتقطا أنفاسي تحت نبتة ياسمين مبتسمة، ولا أعرف اليأس أبدا، من أنت ايها المغلف بهمساتنا وصدماتنا، المعبأ بدمعنا ومخاوفنا، الملون بالليل الصامت الطويل والصباحات التي تشبه طلق امرأة، تعال اقترب قليلا اريد أن أتأمل فقط فروك العميق الأبيض، وروحك الراقصة الخفيفة، وعينيك الغريبتين القريبتين والبعيدتين المصنوعتين من انتظارات دموية ومفارق طرق وقهوة وقسوات ومفارقات عجيبة، وبطولات مسكينة وطفولات مسفوح دمها علي مذبح الوفاء او الخيانة غير المقصودتين. سيدنا الحب أيها الهاديء مثل عيون صديقتي والصاخب مثل جرافة، ايها المراوغ الواضح الملتبس المعتوه الشريد الطري الانسان المتوحش غير المستعد لشرح موقف أو تبرير تصرف أو ابداء الاسف لدموع تسقط في الجوار، لم انت خائف؟ هل اخيفك أنا الي هذه الدرجة؟ انظر الي وجهي يا سيدي الطري طويل القامة والروح والضحكة والنقمة، ما أنا الا أحد ارقامك، حوادثك، صورك، انتفاضاتك، اغماضات عيونك الخاطفة رشقات ألوانك الخفيفة علي الارض، مرورك الهامس الضبابي خلف بيتي، نحنحات حنجرتك العملاقة الكونية العابرة؟ كل ما اريده هو ان افهمك، ان اعرف لم تأتي فجأة حين أنساك وتسافر فجأة حين أحتاجك؟
، ان أصادقك لساعات لأعرف كم من الوقت تحتاج يا جني الازمنة وصقر الامكنة لترمم آلاف العلاقات او تكسرها، او تخلقها؟ أعرف ان وقتك ضيق وأن ملايين الضحايا الرائعين يقفون الان في طوابيرك ببلاهتهم الجميلة واستسلامهم المروع، حاملين قلوبهم علي راحات اليد ليلقونها في مهاوي التجربة. كم أود أن أمشي معك في الطريق لدقائق فقط، لم أ نت صامت دائما؟ هل انت جائع؟ تعال أعزمك علي صحن حمص في مطعم الناصرة او علي بوظة ركب علي حسابي طبعا أيها الحب، ايها الغني عن كل مؤسسات و رواتب البشر وشرائعهم ومناهج مدارسهم، تعال تعال فهذا الصيف قاس وحنون مثلك وهذه المدينة غير مفهومة وواضحة مثلك تماما، وهذا الشتاء القادم في الطريق مربك ورجراج وسطحي ومتوغل مثلك، تبتعد كعادتك حين اناديك. لكن لماذا احس بك في الليل تحوم حول البيت مثل انثي النمر الضجرة، تخربش علي جدار غرفتي الخارجي لوحاتك ذات الالوان الكثيفة والمتراكمة فوق بعضها البعض الوان فوق ألوانا، حين كنت اقشر طبقات الالوان بحثا عن قاع او نهاية او مستقر او ما يشبه سدرة منتهي لجحيم ألوانك او نعيمها، كنت أفاجأ بألوان جديدة لم أسمع عنها تقفز في وجهي المصعوق، فأتسمر في فراشي، واعتذر عن مطاردتك، أنتظر فرصة نومك، فأقول في سري: سأقبض علي تفاصيله متلبسا بالحقيقة والبياض النهائي، اقترب منك، نائما انت بملائكية طفل تتسلقه الاحلام والرغبات، تتلمسه كل حكم العالم وتدنو منه كل فلسفات وعلوم الطبيعة، أتعب لكني لا أيأس أبدا، فثمة لذات حقيقية في مطاردة ظلالك الكامنة في كل روح وكل احساس وكل شجرة وكل حلم، وثمة احساس بالجمال غريب في عدم القبض عليك ايها القط الشرس الوديع غير القابل للترويض او للاغواء، وأصل أخيرا الي شبه استنتاج: ان مطارديك هم مطاردو انفسهم، انهم يرقصون رقصة بحث دائرية، ينطلقون من العشبة الصغيرة في الحديقة الواسعة و ينتهون اليها، انهم يحاولون ان يفهموا كيف يمكن ان يحب الانسان مرة اخري بعد ان يكون قد توصل الي نتيجة سابقة بأن لا حب بعد الاولي، انهم يحاولون ان يسألوا انفسهم: كيف طوحت نظرة هذه المرأة بزفيرهم وكيف خطفت شهيقهم بعد ان أيقنوا انهم اصعب من ان يختطفوا بسهولة فقد بلغوا من الوقار والنضج والزمن مقدارا لا يسمح للقلب بطيران جديد؟ هذه المرأة التي كانت تمر عنهم كل يوم في نفس الشارع، دون ان ينتبهوا الي ان ثمة حياة جديدة تتكون هنا، وثمة حب ينسج روحه علي مهل، كيف يختلط وجه الحبيبة بوجوه التلاميذ في مدارسنا، وبالأغنية التي في السيارة وبمنظر العصفورة حين تقف علي شباكنا ببراءة محرجة، وبصوت مزراب الماء الساقط بقوة حين يزحف الي ان يصل الي فراشنا ومخداتنا ومناماتنا وحتي احلامنا، وبصوت الامهات الخائفات حين يطللن من النوافذ ليصرخن علي بناتهن الصغيرات المختفيات في الضباب: البسي الطاقية يا ابنتي فهناك ريح باردة قادمة، كيف يعجزون عن النوم لانهم يمدون ايديهم من تحت الفراش فلا يجدون اليد الصغيرة التي تعودوا علي ملامستها؟ كيف يشعرون ان هذه السيدة التي احبوها يعرفونها من زمان وانهم عاشوا معها في نفس الحي واكلوا معا من نفس الصحن ودرسوا في نفس المدرسة وتحسسوا فراء نفس القطة وتبللوا في نفس المطر، وتخوضوا بنفس الوحل؟ وكيف يحسون ان السماء تنام علي اكتافهم حين ينام رأس السيدة علي كتفهم؟ وكيف يمكن ان تشم بنت عشرينية رائحة جسم رجل في الاربعين عابر في الطريق، وتصيح امام المارة: وجدت رائحتي وجدت رائحتي؟ وكيف يمكن ان نحب شخصا لا يحبنا ولا يعرف اننا نحبه ولا نجرؤ علي القول ونموت ويموت هو ويبقي الحب مجرد ذكري لم يدر بها احد؟
، ايها السيد الكبير: يا حبنا ويا احساسنا الكبير بالحياة: من أنت؟
؟ لا تجب أرجوك، ابق لغزنا وفضاءنا المبلل بالذكريات البعيدة المشوشة، وحلمنا الذي لا يفسر، وشمسنا التي تغيب حين نريدها، وموسيقانا التي نرقص علي ايقاعها دون ان نعرف من مؤلفها وما هي لغتها، وطفلنا الذي نلعب معه في مدينة نزورها لأول مرة دون ان نعرف ابن من هو، ومطرنا الذي يحرن ويستعصي علي المجيء في عز الشتاء، وحنيننا الطويل الي وجه بلا اسم وبلا هوية، سكننا في خريف ما ومدينة ما، ولم ننسه حتي الان وكيف ننكمش ونصمت ونحدق فجأة في الارض حين نتعرف مصادفة علي طفلة امرأة كنا نحبها في تاريخ قديم؟ ولماذا نتحول الي أطفال وطفلات حين نقف امام المحبوبة او نسمع صوتها وحين تبتعد نعود الي طبيعتنا بلداء ومتجعدين وكبار وخشنين؟ ولماذا ينكسر قلبنا حين نمر من مكان ما شهد حبنا الاول؟ إبق سرنا الشخصي المخبأ في درج خاص في خزانة ملابسنا لا يعرفه حتي الازواج والزوجات والابناء والبنات، من أنت؟
؟ لن نتوقف عن هذا السؤال الذي يشبه صرخة في قاعة مسرح فارغة هرب منها المتفرجون فجأة في منتصف عرض مسرحي، بسبب منع التجول الذي فرضه غزاة جدد، من انت؟ لا تجب ارجوك، ابق حيا فقط وأسمعنا رفيف اجنحتك حولنا وفوقنا وفينا ايها الطائر المقدس، ابق حيا لنشعر اننا احياء، احياء، احياء.
كاتب من فلسطين