د. فايز رشيد
في ايطاليا، وفي معسكر للاجئين الفلسطينيين، تقوم عصابات المافيا باقتراف اعتداءات على ساكنيه، من اولئك الذين سكنوا الحدود السورية العراقية. الفلسطيني متهمٌ دائماً، فلو انفجرت أنبوية غاز في بيت في إحدى المدن السويدية، مثلاً، فإن الفلسطيني يُتهم ويدفع الثمن، ولو قام أحدهم بتطليق زوجته في سيبيريا، فإن الفلسطينيين هم السبب، ففي إحدى المراحل فإن أي عمل تخريبي كان يرتكب في العالم كان يجري اتهام الفلسطينيين به.
هذا عدا عن الانتظار في مطارات العالم، فوثيقة السفر الفلسطينية الصادرة من هذه الدولة العربية أو تلك، لا تؤهــــل دخول حاملها إلى غالبية دول العالم، وفي كثيرٍ من الأحيان ورغم وجود فيــــزا على وثيــــقة السفر الفلسطينية، يُمنع صاحبها من الدخــول أو يجري التحقيق معه لساعات طوال من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لذلك البلد في المطار، ثم لا يُسمْح له بالدخول. فلسطينيون كثيرون ناموا في مطارات العالم أسابيع وشهوراً لعدم وجود دولة تقبل بدخولهم إلى أراضيها.
وقوانين دول كثيرة في العالم بما فيها دول عربية تستثني الفلسطينيين من التسهيلات في السفر والدخول إليها، بعض الدول العربية التي تُصدر وثائق السفر للفلسطينيين فيها، تمنع سفرهم منها إلا بإذن، وتشترط في عودتهم إليها: حصولهم على فيزا من سفارتها في البلد التي يتواجد فيه الفلسطيني، للدراسة على سبيل المثال، والفيزا لا تُعطى مباشرةً، وإنما بعد استشارة الأجهزة الأمنية، وقد يستغرق الجواب بنعم أو لا بضعة شهور. الفلسطيني ممنوع من العمل في مهن كثيرة في دول كثيرة في العالم العربي، فهو في نظر الكثيرين خطر على الوظائف المدنية حتى الفلسطيني يدفع أثمان التغيير في العالم العربي، فبعد تغيير النظام في العراق وبدء مرحلة جديدة من الاحتلال الأمريكي، جرى اضطهاد للفلسطينيين وكأنهم المسؤولون عن نظام صدّام حسين وعن كل خطواته، وأقيمت لهم معسكرات على الحدود الأردنية العراقية والعراقية السورية في الصحراء، وجرى تهجيرهم إلى بلدان العالم المختلفة، فلم تسمح لهم دولة عربية بدخولها، وفي ليبيا زّجَ بهم القذافي إلى الصحراء على الحدود الليبية-المصرية، ناموا وأطفالهم ونساؤهم وشيوخهم في العراء، والتحفوا برد الصحراء، وحالياً بعد انهيار نظام القذافي يجدون أنفسهم في وضع صعب، فالعقيد قد سنَّ قانوناً يقول(البيت لساكنه): أي أن الليبي لا يملك إلاّ بيتاً واحداً، أما تلك البيوت التي كان يمتلكها ويؤجرها، فاضطر المالك إلى دفع أجرتها للدولة وهو بدوره يؤجرها وغالبا للفلسطينيين، أي أن بيوتاً كثيرة لليبيين جرت مصادرتها(بالطبع كل الفلسطينيين مستأجرون وليسوا مُلاّكاً) . من هذه النقطة بالذات بدأ حقد كبير يترعرع في نفوس بعض الليبيين على الفلسطينيين وكأنهم السبب في إصدار القذافي للقانون، وكأن الفلسطينيين هم الذين حرموا الليبيين من قبض أجرة بيوتهم المستأجرة. وعندما قرر القذافي إبعاد الفلسطينيين من ليبيا في عام 1995، اختلفت أساليب الليبيين في استلام بيوتهم المستأجرة من الفلسطينيين، فلجأ بعضهم للتفاهم مع الساكن الفلسطيني على تسليم المسكن بشكل ودي، ولجأ البعض الآخر إلى اللجان الثورية لإبلاغها بوجود عائلة فلسطينية تقيم في العقار ولا تغادر، فتجيء هذه اللجان لترويع العائلة الفلسطينية ولإجبارها على المغادرة.
بعد هذه الحالات من المعاناة الطويلة، لجأت العائلات الفلسطينية إلى الذهاب خارج طرابلس وشراء قطع أراضي، وبناء بيوت عليها.
بالطبع ممنوع حق الامتلاك والتملك للفلسطيني، فكان يضطر إلى تسجيل العقار باسم مواطن ليبي: بمعنى أن الليبي قادر على الادعاء بأن البيت ملكه، وبعد انطلاق ثورة فبراير، بدأ الحديث عن تورط فلسطينيين في أعمال الخطف والتنكيل بالليبيين، في الوقت الذي تنفي فيه الجالية الفلسطينية هذه الادعاءات جملةً وتفصيلاً، الأمر الذي حدا بالكثير من الليبيين(المسجلة بأسمائهم تلك البيوت) إلى طرد الفلسطينيين من بيوتهم التي بنوها بأموالهم، واضطر هؤلاء تحت تهديد السلاح الى الخروج من بيوتهم إلى العراء.
الزمن يعيد نفسه، ففي الكويت وبعد حرب الخليج الثانية، وحين عودة السلطة الكويتية إلى بلدها، تم طرد الفلسطينيين وكل العرب من أصول فلسطينية من معظم دول الخليج العربي. يتهمون الفلسطيني بالتوطين والسعي لأيجاد وطن بديل رغم أنه براء من التهمتين لأن بوصلته تؤشر دوما نحوفلسطين. تراهم يقولونه ما لا يقول. يكذبون الكذبة ويصدقونها لأغراض في نفوسهم المريضة.
والمقالة لا تتسع لتعداد العذابات التي مرّ بها الفلسطينيون على مدى ما يزيد عن الستة عقود: أي حين إقامة الدولة الصهيونية، وما صاحبها من تهجير للفلسطينيين من مدنهم وقراهم وأراضيهم وحتى هذه اللحظة.
الفلسطينيون من أكثر الشعوب العربية انتماءاً للعروبة، وتحمساً للقضايا الوطنية العربية، فهم اعتبروا وما يزالون أن أية تغييرات ثورية عربية ستعود على قضيتهم بالخير، وستصب في مجرى مقاومة المشاريع الصهيونية-الإمبريالية في المنطقة. صحيح: قد تجد بين الفلسطينيين بعض المسيئين الى الآخرين، مثل كل شعوب الأرض، لكنهم قلة وهم استثناء، لا يلغي السمات العامة الطيبة للفلسطينيين، مثل كل الشعوب العربيية الأخرى.
والفلسطينيون من أكثر الشعوب العربية حبّاً للعلم، وتكاد الأمية تنعدم بين صفوفهم وتصل إلى أدنى المستويات ليس على الصعيد العربي والإقليمي فحسب، وإنما على الصعيد العالمي، وذلك أيضاً بسبب ظروف المعاناة التي مرّوا بها وانقطاع مصادر رزقهم، فأصبح الحصول على الشهادات العلمية والعمل بها هو المصدر الأساسي للرزق.
الفلسطينيون من أكثر الناس إخلاصاً لمهنهم ولذا تجد كفاءات فلسطينية كثيرة( كما هي العربية أيضاً) منتشرة في كل أنحاء العالم، وتحتل مستويات متقدمة من المهن.
لا نقول ذلك لا انطلاقاً من شوفينية او قطرية بغيضة، ولا انتقاصاً من بعض شعوب الأمة العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج، فالأمة العربية وفي مختلف أقطارها تحمل عبء القضية الفلسطينية على كاهلها منذ عام 1948 وحتى اللحظة، والعرب هم شديدوا الالتصاق بالفلسطينيين، وإنما الخلل يكمن في بعض الحكومات العربية التي تعمل من أجل إيجاد شرخ عميق في مجتمعاتها، فتضرب على أوتار الإقليمية والشوفينية على قاعدة(فرّق تسد) وذلك من أجل حسابات بقائها، وبدلاً من مساعدة الفلسطيني يتم تصويره كبعبع جاء من أجل طرد الشعب المعني واحتلال أرضه، والحل محله في المهن والوظائف، مع تناسي مقصود لما قدمه الفلسطينيون من خدمات شتى لذلك البلد!
فيجري تصويرهم كخصوم لشعب ذلك البلد لقد مللنا بالفعل من أسطوانة:
أنت فلسطيني…. إذن أنت متهم!!.’ كاتب فلسطيني