«أنت مُراقب»: فيلم يحذر من المخبر السري داخل الموبايل!

لا شك في أن عالم السوشيال ميديا والتقنيات الرقمية قد أعطى إيحاءات كثيرة للمُستخدمين من أصحاب الرؤى الإبداعية والفنية، فانعكس ذلك على أفكارهم السينمائية فعمدوا إلى تسجيل مخاوفهم أو وساوسهم في شكل أفلام قصيرة تحذر من خصائص التتبع المزودة بها أجهزة التليفونات الحديثة، التي تقوم مقام الجاسوس في البيت والعمل والنادي وأماكن الوجود الفردي والجماهيري، طالما بقي جهاز التليفون المحمول في يد صاحبة.
في تجربة واعية ومهمة حاول السيناريست هشام سامي تقديم بعض التفاصيل والحيثيات المُتصلة بجوهر المُشكلة الناجمة عن الاستخدام العشوائي للموبايل، فآثر أن تكون هي موضوع فيلمه «أنت مُراقب» الذي عهد لصديقه مصطفى عز بإخراجه، حيث شاطرة الأخير الإحساس نفسه بخطورة الزائر الغريب الذي بات شريكاً للإنسان في كل حياته يلازمه كظله أينما ذهب.
ولغرابة الحوادث والأحداث الناتجة عن العلاقة التقنية بين الإنسان ووسائل الاتصال جاء التناول كوميدياً إلى حد ما، فالبطل الشاب الذي يعتمد على الموبايل واللاب توب في معظم أوقات حياته، يتساهل كثيراً في تعامله التكنولوجي مع الأجهزة، فلا يُلقي بالاً للأخطار والعواقب ويجافيه الحذر دائماً في تلك العلاقة اليومية الحتمية. وأمام الحاجة الشديدة للتواصل يتحول الشاب إلى شخص انقيادي يتحكم فيه الجهاز ويصير بفضله أسيراً لمُغريات الاستخدام المُفرط، حتى يأتيه شبح التكنولوجيا مُتمثلاً في صورة شخص آخر يُملي عليه شروطه وأفكاره، ويُطلعه على مساوئ الاتصال بالأجهزة كأنه يُحذر من جن أو عفريت لديه القُدرة على رصد كل حركاته وسكناته ونقلها كما هي من المحيط السري المُشفر إلى العالم الخارجي، لتُصبح ملكاً لكل من يُريد الاطلاع والاستكشاف بمجرد ضغطه على زر.
ويُستنتج من عنوان الفيلم القصير «أنت مُراقب» الذي لا يتعدى زمنه بضع دقائق، أن هناك رقابة مُستمرة على مدار الساعة لجميع مستخدمي الإنترنت والتليفون وجميع وسائل التواصل، وأن زمن الرقابة التقليدية للجهات المُختصة قد ولى، إذ تم تطوير حواس التجسس والتنصت، بحيث يُمكن للشخص المُراقب أن يتعايش مع من يراقبه، بل يقيم معه علاقة وطيدة تسمح بأن يتحول كل مستخدم لوسائل الاتصال الحديثة إلى كتاب مفتوح مُتاح طوال الوقت للاطلاع.
ويتمثل التناول الكوميدي الساخر للقضية الشائكة في بعض الصور الدرامية المُبالغ فيها، كوجود الجاسوس في الثلاجة، أو الحمام، أو غرفة النوم، أو المطبخ، أو غيرها من الأماكن غير المتوقعة، التي رأي كاتب السيناريو أن يتم تصويرها من باب الفكاهة باعتبارها خصوصيات مُنتهكة وسترا مكشوفا لدى المُخترقين من جواسيس التكنولوجيا والحداثة المخيفة. وقد عمد المخرج مصطفى عز إلى تأكيد مفهوم الخطورة بالإمعان في التغلغل داخل جميع الأماكن بلا استثناء، بما يعني أن التكنولوجيا استباحت بفعل التطوير الدائم لآليات التواصل والاستخدام الجريء لها بلا أدنى مستوى من الحيطة والحذر، حياة البشر جميعهم بغير تمييز أو مسؤولية أو مساءلة، لاسيما أن هناك طُرقا للتلصص والتجسس تُمكن الغير من التصوير والاختراق بوسائل ووسائط غير مرئية، ولديها القُدرة على التعامل ذاتياً مع الهدف من غير توجيه مباشر.
الفيلم يعرض ما قلّ ودل من النماذج على سبيل الدلالة، ويستخدم العناصر الرمزية ليُبين فداحة المشكلة للتنبيه فقط، دون الإشارة لأي تصور ممكن لمواجهة خطر التتبع والانتهاك، سوى فطنة الشخص ذاته المُستخدم للوسائط الحديثة في تعاملاته وتحركاته، لأن إعطاء الأمان الكامل للتكنولوجيا ليس دليلاً إلا على سذاجة المُستخدم وفق وجهة النظر السينمائية. ولهذا اختار المخرج أن يكون البطل من عينة المواطنين المُسالمين ذوي الخبرات المتواضعة، فهو لا يرى في جهاز التليفون غير الجانب الإيجابي، كونه وسيلة اتصال مُسعفه وسريعة ومؤديه للغرض، بينما الواقع عكس ذلك، فالجهاز مزود بقدرات وإمكانيات لا يُمكن معها أن نُحسن الظن بمن أودعها فيه ويعمل على تطويرها وتحديثها باستمرار، وفق مُتطلبات الفيلم الكوميدية والتراجيدية معاً، والتي تجمع بين الأضداد وتجعل المُشاهد يسخر من نفسه وهو يرى بأم عينيه كل ما يتعلق به مُوثقاً بالصوت والصورة، بما في ذلك أكله وشربه ونومه ورفاهيته وجميع غرائزه، التي يُعبر عنها في العلن أو في السر، كلها صارت مُتاحة إن لم ينتبه المواطن الفرح بحداثته وعصريته إلى تلك العيون المفتوحة خلف النوافذ والشاشات والعدسات الناقلة لنبضات قلبه ودقائق مشاعره وأحاسيسه!
«أنت مُراقب» فيلم يلفت النظر إلى ذلك السجن الكبير الذي يعيش فيه الإنسان طوعاً خلف أسوار التكنولوجيا، واهماً بأنه ينعم بكامل استحقاقات الحرية.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية