أنثى السراب حياة ما بين الحقيقة والخيال

حجم الخط
0

فاطمة الزهراء بنيسرغم ما يُشاع عن تراجع دور الأدب عكس بعض الإبداعات الإنسانية الأخرى إلا أنه مازال يحظى بمكانته المتميزة في مشهدنا الثقافي العربي من المحيط إلى الخليج…. إنه اللغة التي حاول بها الإنسان منذ العصور الأولى التعبير عن انهزاماته وانتصاراته.

عن أفكاره و معتقداته… عن منزلقا ته و منعطفا ته هكذا إذن يواصل الأدب العربي مسيرته الإشعاعية كاشفا لنا عن عوالم باطنية لا يمكن الكشف عنها إلا بلغة الأدب ارتبطت روايات الأديب الكبير واسيني الأعرج بتلك المُحاولة الجميلة و المُغرية من أجل خلق عالم من الصور المشتهاة المُعاكسة للواقع المُعتّم المفروض علينا سلفا… عالم من الأحلام المُتدفقة شلالا ت حب مُخترقة جدران البؤس الوجداني إنها محاولة لترميم النفس البشرية و إصلاحها من التشوّهات التي بصمتها بها القوانين الاجتماعية ثم السفر بها نحو المجهول أملا في استعادة ألقها المجهض تحت سلطة الأعراف و عندما أقول أن عالم واسيني الأعرج الروائيّ تؤثثه الرؤية الأفلاطونية و تُغذيه ذرى الخيال فلا أقصد أبدا أنّه يتنكر لواقعه المُعاش أو يتجاهل مُجريات وطنه السياسية و الثقافية فهو أكثر وعيا و إلماما بمطبّات بلاده، كما لا يمكن لأي مبدع أن يتجاوز الواقع إلا إذا غاص براكينه و احترق بنيرانه فالوصول إلى جنّة المُبتغى لا يتحقق إلا عبر جحيم التجربة وإنّما يحاول واسيني الأعرج بأسلوبه المُدهش والاستثنائي خلق عالم أكثر رأفة و رحمة….. أكثر تناغما مع طموحات الأنا و الآخر أنثى السراب الرواية الصادرة أكتوبر 2009 عن سلسلة كتاب دبي الثقافية و بعد ذالك عن دار الآداب بلبنان سنة 2010 واحدة من أهم الروايات العربية التي صدرت في الآونة الأخيرة… رواية طويلة النفس تغرف من شهوة الحبر ما يجعلها فتنة للقارئين مُترجمة أكاذيب الحياة إلى حقيقة أدبية في غاية الروعة و الإثارة حيث يمزج الكاتب بين تجربته الذاتية الإنسانية و العوالم المُجرّدة عبر سرده المسربل بالجنون لحكاية ليلى المرأة التي تحوّلت إلى أيقونة أدبية في سيرة مُبدعها، ليلى الأنثى التي لا تشبه النساء رغم انتمائها لفصيلتهنّ.

الأنثى الفائضة حلما و بهاء الأنثى التي تُحرر حبيبها وتسمو به إلى أعلى مدارج اللّذةتتلاشى ليلى امرأة واقعيّة من دم و لحم و تتألق مكانها مريم الأنثى الورقيّة العبثيّة المجنونة المُطوّقة بالأضواء الساكنة قلب الملايين المُسافرة على جناح الهيمان و رغم ما حققه لها مُبدعها من ثراء عاطفي و خلود أبدي ّ إلا أنها ستشتاق اسمها الأصلي ستضيق بظلّها ستتعب من عدم اعتراف المجتمع بها كلبنة أساسية في وجود هذا المبدع الذي صار نجما ساطعا لتُقرّر في النهاية أن تُجهر حقيقتها الملتبسة الضائعة بين ثنايا الكتب(ليس هناك حقيقة أكبر من حقيقة الأدب حتى عندما نُصرّ على الحقيقة نحن لا نكتب في النهاية إلا حياة موازية سندها الخفي إشراقات و خيبات و لغة تضعنا على حواف المستحيل ). صفحة11فمزقت حجابها واستغاثت بمبدعها الذي خلقها افتراضيا وقتلها واقعيا، أليست الكتابة كيفما كان جنسها الأدبي هي قتل لكل من يعترض سبيلنا أكان اعتراضه بالمعنى الإيجابي أو السلبي؟

؟ تُقرر البطلة بعد سنوات من التماهي الروحي والجسدي مع كاتبها التمرد على دينه المجازيّ الذي اعتنقته بكامل قواها الحسيّة بكلّ ما أوتيت من سحر وجنون……. فجأة تثور على معتقداته الوجودية ومفاهيمه الفلسفية السارترية هو الذي حاول بشتى الطرق إقناعها أن الفيلسوف سارتر كان على حق عندما رفض الزواج من حبيبته سيمون دوبوفوار ( لأن ما يقتل العلاقة بين الرجل و المرأة هو الألفة والتكرار والدخول إلى الوظائفيّة والواجب ) صفحة 35. و ها هي مريم الآن تخرج من جنتها الورقية مُصرة على العودة إلى جسد ليلى لتمارس دون وعي منها نفس اللعبة التي ضيّعتها لسنوات طويلة، لعبة الكتابة لتستعيد كينونتها الذائبة في البياضات فتخاطبه بلغة شعرية مفعمة بعبارات من نار عبر كتابة الرسائل الفن العربي الأصيل الذي أدرجه واسيني الأعرج في ملحمته أنثى السراب بفنّية عالية لا يفقهها سوى من تيتّم بلغة الضاد.

واسينيأكتبك بلا ندم، باللون البنفسجي، أو حبر الشهوة كما كنت تسمّيه دائما وفقط لأملك قلبك للمرة الأخيرة تستحق حبيبي على الأقل أن أهديك هذا الهبل كان يمكن أن تُحكى عنّا أجمل لقصص و لكنك ذهبت قبل أن أنبهك إلى أسرار اللعبة و مخاطرها التي لم تكن تتقنها منذ لقائنا الأول.

بكيتك يوم صمتَ قلبك كثيرا، و صممت أن أمارس الموت وفق شهوتي، و أستل حروفك من نصوصك و أحوّلها إلى سيف مقدس مثل سيوف الساموراي، و أجهز على نفسي في الركن الأيسر حيث مشيئة القلب. و لكن يدا مفاجئة لم أتمكن من رؤيتها، أعرف فقط أنها لم تكن يد الله، سحبتني من غفوتي و جرّتني نحو الحياة، و منحتني نفسا من روحها، ثم أوقفتني أمام مرآة جليلة اسمها الحياة، و دفعت بي داخل سحرها طوبى لتلك اليد التي أشعلت الهبل في كل حواسي الميتة و أيقظت مدافني الحية ثم انسحبت و لم تطالبني بأي شيء). صفحة16 ومن خلال بوح البطلة الطالع من أعماقها يتجلّى لنا عدم قدرة شفائها من داء مبدعها وأيضا سرورها الحزين بما ألحقته بها لعنة العشق المستحيل ما أوجع و ما ألذ الكتابة حينما تتحوّل الحروف إلى سيوف قاتلة إلى قوة لا تضاهيها قوة… و انطلاقا من هذا يبدو لي أن رواية أنثى السراب علاوة على سردها البديع لحكايات شخوص متأرجحة بين الحلم و الواقع بين الممكن و اللاّممكن فهي تحتفي بشهوة الكتابة كرغبة إنسانية لا يُشبعها سوى الغرق في مداد الذات.’ شاعرة وكاتبة من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية