أنثي تموء بين أدغال اللغة
علي جعفر العلاقأنثي تموء بين أدغال اللغةـ 1 ـ أفق من الرمال الممتدة، وغابات الاسمنت، من الرغبات الصعبة، والكلام المبتور، هذا هو الأفق الذي تخترقه الكاتبة الاماراتية الشابة فاطمة الكعبي، وتنبثق منه مثل عشبة قاسية، تعرف ضعفها وقوتها جيداً: خضراء لكنها لاذعة كالجمر، وطرية الا أنها قاطعة كشظية من الزجاج، انها ابنة هذا الاشتباك الصعب: العشب الذي يفتك باليباس، والصرخةالتي تفضح المسكوت عنه.تنتمي الكاتبة الي بيئة هي أقرب الي الشعر منها الي السرد أو الدراما. وربما كان ذلك بفعل ما تشتمل عليه هذه البيئة من ايقاع حياتي يغذي الهاجس، ويتسامي بالانفعال، ويجمح بالأنا الي الفردية، أي أنها بيئة تظل رغم مظهرها المادي الحديث، مشدودة الي شؤون القلب، ولوعة الأغنية.واذا كانت هذه البيئة ـ بطبيعتها ـ تهيئنا لتوقعات تبتعد عن عالم السرد في الغالب، فان توقعاتنا هذه ستكون أكثر ابتعاداً حين تكون القاصة امرأة؛ بفعل ما لحق، أو يلحق بالمرأة عادة من حيف ثقافي وانساني وابداعي علي مر العصور.ان فاطمة الكعبي، تندفع في قصصها هذه، كما الصرخة أو التأوه من محيط بالغ الضيق والصرامة. وهذه الحقيقة التي تهب علينا من خارج النصوص تدفع بنا الي أفق من الانتظار ذي طبيعة خاصة، أو توقعات لا تصمد طويلا . ان ما يهيئنا له اسم الكاتبة، كامرأة خليجية، ينسفه عالمها القصصي بكفاءة نادرة. انه ينسف سقف توقعاتنا النمطية كلها، ويضعنا، وجها لوجه، أمام موهبة شديدة الجرأة.ـ 2 ـ بهذا العنوان المفعم بالايحاءات والأصداء الجسدية والروحية، (مواء امرأة) تقتحم فاطمة الكعبي عالماً سريا: مغلقا وشديد الوعورة، عالما غنيا بالتفاصيل، ومكتظاً بالمشاعر والأسرار، والأهواء والغرائز.في مجموعتها الأولي هذه، تتقدم الكاتبة وبشجاعة لافتة للانتباه الي هذا الحقل الشائك، أعني حقل القصة القصيرة، هذا الفن الصعب صعوبة مركبة، والذي يتطلب مجموعة من الشروط قد لا تكون الموهبة فقط هي الحاسمة فيها، بل الوعي بتقنيات القول القصصي، والقدرة علي التصرف بمرونة وادراك بخليط المتن الحكائي، وتحويل تفاصيله الخام، بعد تمثلها وتشذيبها وتفجير توتراتها، الي مبني حكائي محكم وحافل بالجاذبية.ـ 3 ـ هل يمكننا اعتبار القصة القصيرة تحديا شديد الخطورة لكاتبها؟ أظن أن الأمر كذلك حقا، فهي فن مكثف، قصير، ومكتنز، وهذا الفن قد يكون مضللا ومربكا الي حدود بعيدة لأنه يشتمل ـ في الغالب ـ علي ايحاء خاطئ بالبساطة، مع أنه مركب وصعب، وملتبس أحياناً.ومن هذا المنطلق يمكن لنا أن نفهم حماسة (مورافيا) الذي يري أن القصة القصيرة أكثر نقاء وأهمية وغنائية وتركيزاً من الرواية ، واذا قارنا ذلك بقول (لوكاش) الذي يري أن الرواية هي الجنس الوحيد الذي ما يزال غير مكتمل أدركنا صعوبة القصة القصيرة، وشدة نقائها، وأدركنا ـ بالتالي ـ رهافة نسيجها الذي لا يقوي علي تحمل النواقص أو النتوءات.وفاطمة الكعبي حين تركب هذا المركب الصعب فانما تقدم لقارئ قصصها، وعياً تقنياً عالياً، وموهبة سيالة.ـ 4 ـ والكاتبة تكشف عن مقدرة فنية كبيرة في معظم هذه القصص، فهي لا تتقدم في مسار أفقي لقص الواقعة السردية، بل تتمتع بقدر من المكر الجميل، مكر الفن وحيوية التخيل، الذي مكّنها ـ كما في الكثير من قصصها ـ من أن تفتت الحدث السردي، وتبعثر عناصره علي مدار القصة لتشيد منه زمنا سرديا آخر، قد يشاكس زمن الأحداث وقد يجافيه تماما. فالقاصة لا تستسلم لغواية السرد، مسترخية راضية، ممتثلة، بل تواجه المنطق الواقعي للحدث ـ في معظم الأحيان ـ بقوة التخيل وانضباط الوعي، فتحوله الي واقعة نصية محكمة. انها تدفع بتفاصيل الحدث وعناصره الي تضاريس الشكل الفني حتي يغتني ذلك الحدث بالمفاجآت، والانعطافات، وتنامي الوقائع.ان القصة في مجموعتها هذه تعلن عن شخصية قصصية متماسكة، تستند الي دعامتين لا غني عنهما لأي انجاز قصصي مرموق: قوة التخيل وجاذبية الأداء.ـ 5 ـ القصة لدي فاطمةالكعبي، ليست حكاية مجردة أو ترتيبا لوحدات سردية بسيطة، كما أنها ليست خليطاً من الأحداث التي تتحرق الي الاندماج في أفق سردي مقنع. بل هي ـ قبل كل شيء ـ تجربة نضّاحة بلوعة الذات، ومنقوعة بلغة فردية يانعة: تطفح بالدفء والجمال والأسي، وتشتبك، دلالة وبناء، في نسيج عصي علي الانفصام.وفي انجاز برنامجها السردي لا تستخدم الكاتبة لغة مباشرة، بل لغة تقف علي الضد من ذلك تماما: رشيقة، مراوغة؛ فهي لا تجعل من لغتها كمينا، وكأنها علي وعي بأن لغة السرد قد تصبح ـ أحيانا ـ عبئاً علي القصة: تكدر نقاءها، وتشتت التفافها علي ذاتها، وتدفع بالكاتب ـ أخيرا ـ الي الانحدار بلغته القصصية الي الانثيال اللغوي السائب، أو الشاعرية المائعة.تذهب (بيفرلي كروس) الي التفريق بين القصة الشاعرية والقصة الشعرية، ففي النمط الأول يستخدم القاص صيغ الشعر ووسائله كالجناس والتوكيد الايقاعي للمعني، بينما تتحد في النمط الثاني تجربة القصة مع لغتها، بحيث يتعذر الفصل بينهما.لهذا كله يمكن القول ان لغة فاطمة الكعبي تتحرك دائماً في خدمة النمو السردي، انها تأجيج لمناخ القصص، وتصعيد لتوتر ايقاعها، وهي أيضا غوص علي السرّي، والغامض، والمشوش من العالم الداخلي للشخصية، وما تشتمل عليه من تصدعات، وهواجس.ـ 6 ـ في عملها الأول هذا، لا تقف الكاتبة موقفا حيادياً، أو مضبباً من أشياء الحياة وشخصياتها. ومع ان طريقتها في التقاط التفاصيل وبناء المكونات القصصية، بعيدة عن المباشرة الا ان عالمها القصصي شديد التأثير؛ فهي لا تستدعي موضوعاتها أو شخصياتها من الذاكرة، ولا تنصب لها الكمائن في أدغال اللغة أو فضاء التجريد، بل تنتزعها من حياة ضيقة كقفص، ومظلمة مثل بئر.تندلع نار الذات، في أرجاء الغابة جميعاً، والسارد الذاتي يحكم سيطرته علي الخيط السردي في قصص المجموعة كلها تقريبا، الا (مباغتات) التي تتكون من أربع قصص قصيرة جداً، لكل منها كثافتها الخاصة؛ حيث يشتبك فيها السارد الموضوعي بالحدث القصصي ويتــولي تحريك تفاصيله بحيوية واضحة.ان الذات الأنثوية في هذه القصص تتشظي وتلتهب، وتذعن وتعترض: تستقوي علي واقعها بالحلم، وتستعين علي قاهرها بالصمت. الأنثي في قصص فاطمة الكعبي ليست ذاتا سلبية دائماً، وهي ـ وان بدت كذلك أحياناً ـ تشتمل رغم ذلك علي طاقة داخلية كبري. ان جسدها وعقلها يموران بالتحدي والاعتراض، غير أن هذا التحدي أو ذاك الاعتراض قد يتخذ مستويات عديدة ومتفاوتة: انه تموج الغضب والرفض حين يتجسد في الفعل أو الايماءة، في القول أو النية، في العقل أو الجسد.ـ 7 ـ لا بد من عودة ثانية الي العنوان، فهو ـ كما قلت في البداية ـ شديد الكثافة، وعميق الايحاء حقا. ان شحنته الحسية لا يمكن اغفالها، فهي المحرق الذي تنطلق منه شخصيات فاطمة الكعبي وتعود اليه، ان المرأة ـ والأنثي تحديدا ـ هي المحرك للأحداث من جهة، وهي الواقعة، من جهة أخري، تحت تأثير هذا الأحداث علي الدوام. وربما كان إلحاح الكاتبة علي هذا الهاجس، أعني هاجس الأنثي المقموعة، سببا في ما يتملكنا من احساس أحياناً بأنها مطالبة بتوسيع مجال حركتها، وجعل رؤيتها للبشر والأشياء أكثر تنوعاً وشمولاً.والعنوان بتركيبته الموحية، يفتح مخيلتنا علي أصداء كثيرة تتصل بالجسد ورغباته العنيفة، ان ترابط المضاف والمضاف اليه يجسد، ببراعة، ارتباط المرأة بكيانها الذي يموء ويحلم كاشفاً عن أقصي حاجاته، وأكثرها حميمية وبدائية. ان الجزء الأول من العنوان يعود بالجسد الي انفجاره الأول، ذلك الانفجار البهيمي، الحر، المقلق، التواق الي الآخر، والمتحرق لهفة اليه، رغم القوي التي تحاول ترويضه، أو قمعه.أما القسم الثاني فانه يصور الأنثي باعتبارها مصدراً لكل هذا الجوع والتشهيات الضارية، كما يصور تمردها علي أعراف المجتمع، واحتجاجها علي أكثر وسائله رسوخاً في التعبير: اللغة، انها ـ الآن ـ ليست ذاتا انسانية تحكمها اللغة أو الانشاء، فلقد تشبّع جسدها بالقمع، واماتة الرغبات فتمردت علي لغة القاهرين، واتخذت لها لغة أخري، أشد ضراوة، وأكثر جرأة للتعبير عن عالمها، وما يتفجر فيه من مكبوتات الحلم، والرغبات.ومع ان العنوان يختص بواحدة من قصص المجموعة، فانه يكشف ـ وبطريقة باهرة ـ عن الأنثي التي تشتعل، وتحلم، وتموء في ثنايا هذه القصص القصيرة جميعا، لقد كانت فاطمة الكعبي موفقة، الي حد بعيد، في اختيار هذا العنوان المزدحم، حد التفجر، بالتداعيات، والظلال، والايماءات الموحية.0