أندرو سابرتون ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان: غزة سُويت بالأرض ولا مكان لحياة عادية في القطاع

حاوره: عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

يشغل أندرو سابرتون الآن منصب نائب المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان للشؤون الإدارية. وقد عين في هذا المنصب يوم 28 كانون الأول/ديسمبر 2023. ويشرف أندرو من خلال هذا الموقع بشكل رئيسي على مشاركة الصندوق في إصلاح الأمم المتحدة، واستجابته الإنسانية، والشؤون الائتمانية، والموارد البشرية، وتكنولوجيا المعلومات، وإدارة سلسلة التوريد، ومنع الاستغلال والاعتداء الجنسيين.
انضم إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان في أيار/مايو 2009 رئيسًا للحسابات، ثم رُقّي إلى رئيس فرع المالية بعد عامين، ثم إلى مدير قسم الخدمات الإدارية في أيلول/سبتمبر 2016. انضم أندرو إلى الأمم المتحدة عام 2001 في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «اليونيدو» في فيينا، كمسؤول مالي أول. قبل انضمامه إلى الأمم المتحدة، عمل في القطاع الخاص مستشارًا لتخطيط موارد المؤسسات، وشغل مناصب مالية وإدارية مختلفة، تدرج في المناصب، في قطاعات الخدمات المصرفية والسفر والخدمات المالية. سابرتون محاسب قانوني معتمد، وزميل في جمعية المحاسبين القانونيين المعتمدين، وزميل في جمعية المحاسبين الدوليين، وعضو في المعهد المعتمد لمحاسبي المالية العامة. يحمل عدة شهادات دبلوم في التقارير المالية الدولية ومعايير المحاسبة الدولية للقطاع العام من جمعية المحاسبين القانونيين المعتمدين، ومعهد المالية العامة والمحاسبة المعتمد، على التوالي. وهو حاصل على ماجستير في العلوم الإدارية من جامعة غلامورغان، في المملكة المتحدة.
قام سابرتون بعد وقف إطلاق النار بزيارة لغزة، وهو أول مسؤول دولي رفيع يزور القطاع بعد وقف إطلاق النار، للاطلاع على الأوضاع الإنسانية وخاصة فيما يتعلق بالنساء والصحة الإنجابية والعيادات والمواليد الجدد، وبعد عودته إلى مقر الأمم المتحدة حاورته «القدس العربي»، وفي ما يأتي نص الحوار.
○ كان الوضع الإنساني مُزريًا وكارثيًا قبل وقف إطلاق النار. كيف تصف لنا الوضع الإنساني في غزة كما رأيتِه من خلال زيارتك القصيرة؟
• أود أولا أن أصف لك الوضع العام بناءً على ما رأيتُه بعيني، لقد سُوّيت غزة بالأرض. رأيتُ أنقاضًا وغبارًا على مدّ البصر. رأيتُ أناسًا يعيشون تحت صفائح بلاستيكية مليئة بالثقوب، لا يحملون أي شيء يُذكر سوى حصائر وملابس على ظهورهم.
○ كانت النساء الضحايا الرئيسيات للحرب الطويلة المُدمرة في غزة… ماذا يُمكنكِ إخبارنا عن لقاءاتكِ بالفلسطينيات في غزة؟
• مكثتُ في غزة فترة قصيرة لدرجة أنني لم أتمكن من مقابلة النساء والفتيات كما خططنا في البداية، لكنني التقيتُ بالعديد من النساء الفلسطينيات في فريقي، واللواتي شاركنني واقعهن. أخبرنني أنهن لا يستطعن الحصول على ما يكفي من المياه النظيفة للطهي أو النظافة الأساسية؛ ويكافحن لتوفير ما يكفي من الطعام لأسرهن؛ فقد معظمهن منازلهن وتشردن عدة مرات. مدارس أطفالهن مغلقة؛ ومراكز الرعاية الصحية الخاصة بهن مُتضررة أو مُدمرة. هذا هو واقع معظم النساء والفتيات في غزة. إن نقص التغذية بين النساء الحوامل والفتيات سيترك آثارًا طويلة المدى على صحة الأطفال، كما أن غياب الوصول للخدمات الصحية وارتفاع حالات العنف الأسري والزواج المبكر يزيد تعقيد الوضع. أكثر من 50 في المئة من الشباب و40 في المئة من البالغين معرضون لاضطرابات ما بعد الصدمة، ما يستدعي جهودًا نفسية ممتدة لأجيال.
○ ازدادت الفوضى والنهب وعنف العصابات قبل وقف إطلاق النار… كيف رأيت الوضع في غزة بعد وقف إطلاق النار؟ هل توافق على أن هذه الظاهرة ليست شائعة في الثقافة الفلسطينية؟
• شهد دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة قيودًا شديدة على مدار النزاع، ما أدى إلى ظروف إنسانية بائسة، وساهم في انهيار القانون والنظام، حيث بدأ الناس في نهب الشاحنات بحثًا يائسًا عن الطعام. وتهدأ أعمال النهب عند السماح بتدفق مستمر للمساعدات.
○ هل ينسق صندوق الأمم المتحدة للسكان مع الأونروا ووكالات الأمم المتحدة الأخرى مثل اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية؟ هل يمكنكِ إخبارنا المزيد عن التنسيق الميداني بين وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية؟
• نعم، ينسق صندوق الأمم المتحدة للسكان على نطاق واسع مع جميع شركائنا في الأمم المتحدة، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية واليونيسف والأونروا، وهي شريك حيوي لنا في قطاع غزة. كما يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان مع 15 شريكًا محليًا لتقديم خدمات الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والتصدي له؛ وخدمات الشباب. يقود صندوق الأمم المتحدة للسكان مجموعة عمل الصحة الجنسية والإنجابية ضمن مجموعة الصحة؛ وينسق الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له، بالتنسيق بين المنظمات الوطنية والدولية في هذه القطاعات.
○ أخبرنا ببعض التفاصيل عن النظام الصحي في غزة حاليًا. أي المستشفيات لا تزال تعمل وأيها خارج الخدمة؟
• لا توجد حاليًا أي مستشفيات تعمل بكامل طاقتها في غزة، و14 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى لا تعمل على الإطلاق. فيما يتعلق بصحة الأم، وهو محور تركيز صندوق الأمم المتحدة للسكان: تقدم 15 في المئة من المرافق الصحية رعاية التوليد الطارئة، حيث تتعرض وحدات حديثي الولادة لضغط شديد، وتعمل بما يعادل 1.5 مرة أو أكثر من طاقتها. هذا يعني أننا نشهد ما يصل إلى ثلاثة أطفال حديثي الولادة يتشاركون كل حاضنة. في الوقت نفسه، تنفد الأدوية والمعدات: الأدوية اللازمة لوقف نزيف ما بعد الولادة، وتحفيز المخاض، وعلاج الالتهابات، وتوفير التخدير تنفد، ما يعرض النساء والأطفال حديثي الولادة للخطر. لقد تمكن صندوق الأمم المتحدة للسكان مؤخرًا من إدخال شحنات محدودة من المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم، شملت حاضنات، وأسرة ولادة، وأجهزة مراقبة طبية، وتم توزيعها على المستشفيات لتخفيف الأزمة الطارئة. لكن هذه الشحنات لا تلبي الاحتياجات الكاملة، وأن فتح جميع المعابر وإزالة العقبات هو شرط أساسي للوصول الكامل والمستدام للمساعدات لجميع النساء والفتيات في غزة، من الشمال إلى الجنوب.
○ ما هي أهم الأولويات للفلسطينيين في غزة الآن؟
• بناءً على ما سمعته من موظفينا وشهادات جمعوها عن الناس في غزة، فإنهم يُعطون الأولوية لما يلي:
أولاً، السلام المستدام. فبالسلام وحده يُمكننا تسريع التعافي وإنجاز الطريق الطويل. كما يتطلب السلام المستدام مساهمة النساء في صياغة المفاوضات، وما يليها من إعادة البناء والتعافي؛
ثانياً، تدفق المساعدات الإنسانية. لدى الأمم المتحدة القدرة على تقديم المساعدات على نطاق واسع، لكن لا يُسمح بدخول المساعدات بالقدر الكافي. لدى صندوق الأمم المتحدة للسكان مئات الشاحنات عند المعابر الحدودية مُحمّلة بحاضنات، ولوازم ولادة آمنة، ولوازم النظافة الضرورية، ونحن بحاجة إلى فتح المعابر بالكامل لتوزيع هذه الإمدادات وغيرها من إمدادات الأمم المتحدة بسرعة؛
ثالثاً: التعافي. نحتاج إلى رؤية استثمارات لإعادة بناء المستشفيات والعيادات الصحية؛ وكذلك المنازل والمدارس والشركات، حتى تستأنف الحياة. التعافي، بالطبع، يتجاوز الجانب البدني ليشمل الجانب النفسي. يحتاج أكثر من مليون شخص في غزة الآن إلى رعاية صحية نفسية. نحن بحاجة إلى ضمان توافر القدرة والدعم والخدمات اللازمة لشفاء الناس.
○ لا يزال الوضع هشًا. قُتل نحو 200 فلسطيني وجُرح المئات منذ وقف إطلاق النار. من ينتهك وقف إطلاق النار؟ ما الذي يتطلبه الأمر لضمان صمود وقف إطلاق النار؟
• صندوق الأمم المتحدة للسكان هو منظمة إنسانية تُعنى بالاحتياجات الصحية، والحماية للنساء والفتيات والشباب. يُجيب على هذا السؤال بشكل أفضل المشاركون في مراقبة وقف إطلاق النار.
○ أخبرنا المزيد عن الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للنساء والفتيات خلال الأشهر القليلة المقبلة خاصة في فصل الشتاء؟ هل تصل المساعدات الإنسانية إلى غزة؟ هل يأخذون في الاعتبار الاحتياجات الخاصة للنساء؟
• لقد تحدثتُ بالفعل عن الأولويات في غزة، ولكن يُمكنني التطرق إلى الاحتياجات الفريدة للنساء والفتيات:
أولًا- نحتاج إلى أن نرى استمرار إيصال الأدوية والمعدات المنقذة للحياة في مجال الصحة الإنجابية وصحة الأم؛ وتوسيع نطاق رعاية التوليد الطارئة ورعاية حديثي الولادة؛ وإعادة بناء البنية التحتية لصحة الأم؛
ثانيًا- في كل أزمة، يرتفع العنف القائم على النوع الاجتماعي، لذا نحتاج إلى رؤية توسيع المساحات الآمنة للنساء والفتيات لتزويدهن بامكانية الوصول إلى الحماية والخدمات الطبية؛
ثالثًا- هناك 700.000 امرأة وفتاة في فترة الحيض في غزة بحاجة ماسة إلى الوصول إلى مستلزمات الصحة الشهرية.
○ هل قابلت أشخاصًا يتضورون جوعًا وعلى وشك الموت؟ كيف يمكن للأمم المتحدة عكس مسار المجاعة وسوء التغذية الحاد، وخاصة بين الأطفال؟
• لم أقابل شخصيًا أشخاصًا على وشك الموت جوعًا عندما كنت في غزة. وكما قلت، فقد تم اختصار زيارتي، وكنت هناك في المقام الأول للتركيز على احتياجات صحة الأم والحماية. لكننا جميعًا رأينا الأرقام التي تستند إلى تقييمات معيارية ذهبية: ما يقرب من نصف مليون شخص في غزة يتضورون جوعًا – نصفهم من النساء والفتيات.
○ هل ما شاهدته في غزة والأضرار الجانبية، تدل على نية واضحة لتدمير السكان الفلسطينيين؟ فهل هناك اسم آخر لما شاهدته سوى الإبادة الجماعية؟
• هناك مصطلح قانوني للإبادة الجماعية محدد جداً، وأنا لا أدلي بتقييم قانوني، الوضع مأساوي ويمثل أزمة إنسانية حادة للنساء والفتيات خاصة، وما شاهدته يعكس معاناة متعمدة للسكان وأن الإصابات ليست عفوية أو عارضة، بل متعمدة.
○ كيف تقيم صمود النساء الفلسطينيّات ودورهن في المجتمع المدني؟
• إن النساء والفتيات أبدين قدرة استثنائية على الصمود والمشاركة في جهود التعافي، وأود أن ألفت إلى أن الشراكة مع منظمات نسائية محلية تعتبر أساسية لضمان إيصال المساعدات وإعادة بناء المجتمع من القاعدة إلى الأعلى. النساء قادرات على القيادة المجتمعية ويشكلن عاملاً محورياً في مواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي وإعادة تنظيم الخدمات الإنسانية.
○ كيف تقيم آثار الوضع الصحي والنفسي على الأجيال القادمة؟
• كما قلت وأكرر أن القطاع الصحي في غزة يعاني انهيارًا شبه كامل، إذ تضرر أو تدمر 94 في المئة من المستشفيات، مع ارتفاع ملحوظ في وفيات الأمهات نتيجة نقص الأدوية الأساسية والمعدات الطبية. أما حديثو الولادة فيتعرضون لمخاطر جسيمة، إذ غالبًا ما يتم وضع أكثر من طفل في حاضنة واحدة بسبب نقص المعدات والوقود، بينما ارتفعت نسبة المواليد منخفضي الوزن لتصل إلى نحو 70 في المئة منهم. بينما ثلث حالات الحمل تصنف على أنها عالية الخطورة، ما يزيد الحاجة لتدخلات طبية عاجلة. هناك أهمية لإعادة بناء البنية التحتية الصحية والخدمات الوقائية للنساء والفتيات، بما في ذلك ترميم وتجهيز مستشفيات الولادة، وإنشاء مستشفيات طارئة جديدة، ونشر شبكات القابلات، وتوفير مجموعات الرعاية قبل وبعد الولادة، بالإضافة إلى الأدوية والمستلزمات الأساسية. هناك حاجة ملحة لتقديم الدعم النفسي للأطفال والشباب، مع الإشارة إلى أن نحو 70 في المئة من الشباب في غزة يعانون من الاكتئاب والقلق، ما يستدعي تدخلات نفسية ممتدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية