عندما سئل غاندي: ما هي أعظم إنجازات أمريكا؟ قال: هوليوود. ثم على غرار هوليوود صنع الهنود بوليوود. وفي نظرية الاقتصاد «العرض والطلب»، تحيلنا أفلام بوليوود إلى أن الطلب، بناء على ما تقدمه من محتوى، منخفض جدا ويكاد أن يكون منعدما، وأقصد بالطلب هنا تمثلات محتوى الأفلام السينمائية على الواقع، وبأي سياق تقتدي الجماهير، ورغم أن العرض مرتفع في محتوى أفلام بوليوود، لكن لا شيء يمكن تطبيقه على الواقع، سوى تلك القيم الإنسانية مثل، الحب وطاعة الوالدين وقيمة الصداقة وقيمة الوفاء، أما العنف فتتعمد بوليوود إظهاره في محتوياتها الفنية كشيء مستحيل تنفيذه على الواقع، وهذا مختلف تماما عن طبيعة السينما في مناطق أخرى مثل، الأفلام السينمائية المصرية الحديثة كأفلام محمد رمضان التي تروج للعنف الممكن والمقدور عليه، وكثير من المحتويات السينمائية الأمريكية، يقدم الفيلم محتوى بصريا مدته ساعتان أو ساعتان ونصف الساعة، كله عنف وجريمة، ثم يخصص في نهاية الفيلم مشهد دقيقة أو اثنتين عقابا للمجرمين، والدعوى أنها تعالج مظاهر الجريمة في المجتمعات، لولا أن الجماهير تتعاطى مع مشاهد الجريمة والعنف وتقتديها في واقعها، أما العاقبة فالاعتبار بها غير مطلوب من الجماهير، لأن عرضها منخفض جدا وتستحوذ مشاهد الجريمة والعنف على العرض والطلب بشكل لا يتصوره العقل، وذلك يشبه استخدام دواء أعراضه الجانبية أكثر وأخطر من المرض نفسه.
وعندما نتحدث عن أفلام الكوميكس فإن معارضتها ليس لأنها عنيفة أو خيالية، ولكن لأنها لا تمثل القيمة الإنسانية والأخلاقية، ولا تروج لعواطف بل يمكن القول إنها محتويات لا ثوابت فيها سوى ثابت وحيد فقط هو الصراع. إنها تمثل البحث عن رضا الجماهير، أما المكونات الفنية الداخلية التي تؤلف في مجملها العمل الفني النموذجي، والتي تفتقر إليها، فهي الفرق بينها وبين غاية إرضاء النخبة، ونادرا ما نجد أعمالا فنية يجتمع فيها ما يرضي الجمهور والنخبة، بالإضافة إلى رضا رموز الدولة وأنظمة الحكم، وإن حدث هذا في أي محتوى فحدوثه غالباً صدفة، ويسمى حينها بالفن الرشيد، إنها حالة تشبه إدخال العالم من ثقب إبرة. ولعل نظرية «شباك التذاكر لا يكذب»، الذي يروج له أنصار المسرح المبتذل، الذي يسعى لإرضاء الجمهور، هو ذاته ما يحاول قوله دائما منتجو أفلام مارفل ودي سي، ويحاججون به من ينتقدهم من النخبة. ورغم رمزية الصراع بين الخير والشر في أفلام الكوميكس، إلا أن ذلك هو فضيلتها الوحيدة المستهلكة في سياق الحديث عن اللامتغيرات البنيوية والقيم الإنسانية، ولا تتعداه إلى أي قيمة غيرها.

ورغم افتتاحية Dark Knight التي تعد الأشهر في تاريخ السينما العالمية، إلا أن أفلام الكوميكس، تعد خطرا عظيما يهدد كيان السينما الإنسانية على الأقل كما يرى مجموعة من المخرجين العالميين مثل مارتن سكورسيزي. وآخرها انتقاد ستيفن كينغ لأفلام الأبطال الخارقين في هوليوود، وحجته أنها غالباً ما تُصوِّر عنفاً لا أساس له في الواقع. ففي عدد من أفلام مارفل ودي سي، تُدمَّر مدن كاملة من دون أن يرى المشاهد أي أذى حقيقي يصيب حياة البشر.
وقال كينغ: «إذا نظرتَ إلى هذه الأفلام عن الأبطال الخارقين، ستجد شريراً خارقاً يدمّر أحياءً كاملة من المدينة، لكنك لا ترى قطرة دم واحدة. وهذا خطأ». ولعل الشيء الوحيد الذي يشفع لها، من وجهة نظر بعض النقاد، هو حصول هيث ليدجر على الأوسكار لقاء دوره في فيلم «فارس الظلام». وكذلك لا ننسى أن النواة الأولى لأفلام الكوميكس جاءت استجابة لأفكار فلسفية، واستلهاما منها مثلما كتبه نيتشه عن السوبر مان وغير ذلك. وإذا كان لها وجود فيجب بالضرورة أن يكون وجودا موازيا لا ملغيا لكل المساحات الوجودية السينمائية الأخرى.
وهنا أجدها مناسبة جيدة للدعوة إلى أنسنة أفلام الكوميكس، ومحاولة استغلال هذا الزخم الشعبي وهالة الرضا الجماهيري التي تحفها، وكذلك التصدر في قائمة اقتصاديات السوق الفنية والثقافية، في سبيل الارتقاء بالذوق العام لتلك الجماهير وإعلاء شأن القيمة الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية في محتوياتها ولو على مراحل ومستويات.
كاتب يمني
