أنسي الحاج… شاعر الدهشة والمجازات البسيطة

حجم الخط
1

بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من زهرة مرعي: تستكمل ‘القدس العربي’ نشر شهادات لشعراء لبنانيين وعرب في الشاعر الراحل أنسي الحاج الذي يعتبر من رواد الحداثة في الشعر العربي.

العابر للأساليب واللغات

وقد قال الشاعر اللبناني شوقي بزيع في الراحل: قد يكون رحيل انسي الحاج بالنسبة لي أقسى وأفظع ما واجهته خلال عمر تجاوز الستة عقود من الزمن، ليس فقط للصداقة الوثيقة التي ربطتني بأنسي والتي حملت أكثر من معنى وأكثر من دلالة باعتبار أنه من الطبيعي أن تكون صداقة بين متشابهين، لكن أن تقوم صداقة بهذا العمق وهذا الدفء بين متغايرين في الكتابة والأسلوب، فهو يعطي أمثولة حقيقية في قيام الصداقات. ويشهد لأنسي أنه كان عابراً للأساليب واللغات ولطرائق الكتابة والعيش، ومتصلاً بالانسان في أعمق ما يملكه وأعني به القلب. استعيد من خلال انسي الآن تلك الأناقة الباذخة في جسده وروحه. استعيد تلك الهامة المرفوعة، تلك الابتسامة التي سرعان ما تتحول إلى قهقهة عالية تشيع طاقة على الفرح أينما حلّت. وأستعيد من خلاله ذلك الوفاء لمن عرفهم.
استعيد تواضعاً، ودماثة، ومعشوقاً من الصغار. ذلك أن الكبار يمكن أن يخطئوا في حدوثهم وفي نظرتهم بعضهم إلى بعض، لكن الأطفال لا يخطئون أبداً، ويتصلون بأرواحهم البريئة والمجردة بمن يشعرون فيه محباً لهم، وهو ما كانت عليه الحال مع أنسي الحاج. بالنسبة لأنسي على الصعيدين الوطني والأدبي أرى فيه جزءاً لا يتجزأ من صورة لبنان التي طالما حلمنا بها، والتي عرفنا بعضاً منها في الستينيات، وكان شكل انسي نواة صلبة لها، وجزءاً من متنها وإطارها في آن. كلما فكرنا بأنسي الحاج فكرنا بتلك الصورة الزاهية بالمعنى اللبناني. فكرنا بالشعر المغاير والمختلف، وباللغة الثرية المتجددة. فكرنا بالمسرح والسينما والتشكيل. وبالمسرح الغنائي الرحباني وبصوت فيروز الذي احتفى به أنسي كما لم يحتف أحد بأحد.
ويجب أن نقول ان اللغة العربية قبل انسي الحاج لم تكن كما أصبحت بعده. بمعنى أنه سحب منها كل الزوائد. حماها من الترهل والانشائيات الرخوة، وأعادها إلى نصابها الحقيقي، حيث الجِدة والمغايرة والاختلاف. ليس فقط لأنه كان رائداً في قصيدة النثر، بل لأن قصيدته النثرية قد تأسست على غير قاعدة أو منوال. شعره كان غير مسبوق في حينه. حينما أحس أنه ذهب للحدود القصوى للجِدة وللحداثة، ومخافة من أن يتصل بالعدم المطلق أو بالصمت المجرد، أو بالقطيعة الكاملة مع المعنى، عاد في أعمال لاحقة مثل ‘ماذا صنعت بالذهب والرسولة والوليمة’ ليقيم مصالحة حقيقية بين الخيال السريالي والخيال التجريبي، وبين القلب المتدفق عاطفة وحنواً. وهذه المصالحة لم تكن لتتم لولا أنه وجد في الأنوثة الركيزة الأساسية للكتابة. أي أن الأنوثة أعادت إليه ذلك الالتحام الحقيقي بمادة الحياة. ولا يمكن أن تكتمل هذه الصورة أو هذا البروفيل لأنسي الحاج دون أن أعرج على نثر أنسي الذي يعتبر انجازاً وحده، أو يعتبر فريداً في بابه. هذا النثر كان من القوة وكان من الصدق ومن الإلتصاق بالحياة بحيث تحولنا جميعاً إلى مريدين له. بات له عشاق كثيرون ينتظرونه منذ أن كان أنسي يكتب في مجلة الناقد وقبلها في ملحق النهار وفي النهار ووصولاً إلى جريدة الأخبار، حيث باتت مقالته تنتظر انتظار بعض المذاهب لمهديها. ويجب أن أقول هنا أن كل من كتب مقالات دورية في الصحف كان يمكن الاستغناء لهم عن نص أو نصين. كان يمكن أن لا نقرأهم في هذا اليوم أو ذاك، وأن نستعيض عما فقدناه بقراءتهم لاحقاً. وكان بعضهم يكرر ما كتبه في وقت سابق إلا انسي الحاج فقد كان جديداً باستمرار، وراهناً باستمرار، ومليئاً بالشغف وبالحنو وبالدهشة، بحيث أنه استطاع بكلمات بسيطة ومجازات بسيطة أن يقدم لنا الحياة على طبق من شراينه وأوردته. كان يكتب بالسكين، وكان يكتب أيضاً بالأنفاس وبالأظافر. ولذلك أستطيع أن أقول الآن بأن لبنان ما بعد أنسي الحاج هو ليس لبنان ما قبله. وبأن اللغة العربية ما بعد أنسي الحاج هي ليست لغة العرب ما قبل أنسي أيضاً.

قصائد لا تموت

الشاعرة الشابة ومقدمة برنامج صوت الشعب والتي استضافت قبل سنتين الراحل انسي الحاج في حوار مطول على حلقات لوركا سبيتي قالت في معرفتها به: في سنة 2002 كان تعارفي الأول مع انسي الحاج، وهو أول من نشر لي شعراً في جريدة النهار، وشجعني، وأصر على استمراري في الكتابة بالجرأة التي أنا عليها، وبأسلوبي نفسه. لقائي الثاني معه كان في سنة 2012 من ضمن برنامج صوت الشعب في حوار شامل عرّفني إلى أنسي الحاج الإنسان، والذي هو خلف الشاعر. تعرفت إلى أنسي الحاج الذي لا يعرفه أحد، الطفل، المراهق، اليتيم، الزوج، الخائن، الصادق، المقامر. تعرفت إلى انسي الحاج الصفة التي تؤكد إيجابياته وحسناته، وكذلك هي كانت صفة تؤكد أنه انسان ولديه سيئات أيضاً. في خلال هذا الحوار ظهر كم هو صادق وحقيقي ولا يتخفى أبداً خلف أية قصيدة أو خلف أي مجد وصل إليه.
في هذا الحوار مع أنسي الحاج أسقط عليَ هذا الشعور بالشفافية والصدق. مع أنسي الحاج لا لعب بسؤال أو جواب أو دوران حول المطلوب، بل بكل سلاسة يبوح. خسارة غياب أنسي الحاج ليس كشاعر فقط، فقد تعلمنا أن الشاعر يموت وتبقى قصائده، بغض النظر عن كونه شاعراً فهو كإنسان صاف وحقيقي وجميل، في زمن تعم البشاعة على كافة تفاصيل حياتنا.
فقدان أنسي الحاج الجميل في هذا الزمن هو فقد صعب جداً. بكل بساطة هو مات وكل حي سيموت، ولا نستطيع حيال هذا الشيء إلا أن نحزن. هو بموته سمح لنا أن نحزن غير الحزن المقتفي أثر العابرين عليه، إنه الحزن الذي يأخذنا إلى انسي الحاج الحياة والكلام الذي لا يمضي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية