آلجي حسينعندما أخرج الياباني ‘كيوشي كوروساوا’ فيلمه الشهير (أنشودة طوكيو) ، اعتقد البعض أنه هجر الرعب في أفلامه السينمائية العديدة، مثل (نبض) و(مستقبل مضيء) وغيرهما، لكن الحكاية ليست دقيقة إلى هذا الحد، فقد يكون الرعب وفق منظور البعض متعلقاً بالأشباح والهلوسات وما أشبه بذلك فقط، لكن بنظرة إلى الجانب الآخر سيكتشف المشاهد أن للرعب حالات وجوانب وقضايا عديدة.في فيلم (أنشودة طوكيو Tokyo Sonata) ثمة حكاية مرعبة عن عائلة متوسطة المستوى المادي في أحد أحياء طوكيو الأنيقة؛ عائلة مؤلفة من أب فقد وظيفته باحثاً عن عمل جديد، وابن أكبر ينضم إلى قوات الجيش الأمريكي، وابن أصغر يرغب في التعلم على عزف البيانو، لكن رفض والده يقف له بالمرصاد، وأم تبدو محافظة على الوضع بهدوء.جاء بناء الشخصيات مجدياً في هذه الحدوتة، فجاءت الحاجات الدرامية على خلفية دوافع معينة تقودها إلى خلق الإشباع المناسب، فلكل شخصية حاجة، وهذه الحاجات تتصارع من أجل الوصول إلى الصراع الدرامي بين طرفيْ الكماشة في الوقت الذي نلمس فيه صراع عدة أطراف.المصير متعلق بالحاجات، وفي مقدمة هذه الحاجات كانت الحاجة إلى الغذاء والشراب والجنس، وهي فلسفة وضعها العالم الأمريكي ‘ماسلو’، ثم نلاحظ مدى صراع هذه الأسرة التي تعبّر بدورها عن مصير آلاف الأُسر في اليابان إثر موجة الرأسمالية التي عصفت بها لبلوغ الحاجة النهائية؛ تحقيق الذات الإنسانية. وقد تكون هذه الذات محققة قبل الآن، لكن أن يُنزلك القدر من الحاجة العليا إلى الحاجة الدنيا فتلك هي الإشكالية. وهذه الإشكالية التي يطرحها الفيلم تعيد إلى الاعتبار مدى تعلق الفرد بوطنه الصغير، ومدى الحاجة للعودة إلى الانسجام السابق ولو بصورة غير مرئية، لكن هل تحقق هذه الأسرة ذلك؟في البداية نلاحظ سيطرة الإيقاع البطيء على مجرى القصة كلّها من خلال تعرف الأب على صديقه في العمل أيضاً والذي ينتحر مع زوجته بعد ذلك، وهذا الإيقاع كان يتوغل وبشكل غير مباشر في لبّ الموضوع، أي يتسلل لخلق الحالة الإيهامية المعتادة في حالات الإنسان النفسية العديدة، فمن الطبيعي أن نتلمس العنف الصامت الذي اعتمده المخرج من خلال طريقة التعبير عن العواطف التي تختلف بين الشعوب. وفي الوقت الذي سيطر فيه الجمود على العلاقات بين الشخصيات، إلا أن ذلك لم يمنع من إعطاء لمحة وافرة عن أجواء العيش في المدينة.ليست المدينة المقصودة هنا هي التي تختلف عن الريف بكل تفاصيله، بل تلك الفجوة التي تفصل بين دولة وأخرى، وخصوصاً دولة صناعية كاليابان، وطرح السؤال الذكي: ما وضع العامل في دولة صناعية مع تزايد فرص العمل في وقت لا يجد فيه الباحث عن العمل ما يعانيه؟جسد المخرج ذلك بكاميرا نقية اعتمدت فضاءات نظيفة ومرتبة وجامدة، ولا أرى إن كان ذلك النقاء كافياً لخلق التأثير المطلوب، لأنه قطع الديكور والإكسسوارات شاركت الأشخاص الدراميين في البطولة، لكنها شديدة الترتيب والنظافة، فقد يكون الأمر متعلقاً بالبيئة اليابانية بشكل أو بآخر.أما الأزمنة المختارة من فصول وساعات وأوقات فقد ساعدت الحدث ومشت معه جنباً إلى جنب بشكل أفضل من المكان الدرامي، هذا إذا استثنينا فترات معينة لم تحدث التأثير الكافي.(أنشودة طوكيو) هي تلك المعزوفة التي عزفها الابن الصغير أمام فرقة المدرسة لتكلل النهاية الدرامية الصامتة رغم توضيح المناخات الأخرى، لكن بالطبع هذا الأمر متعلق بكيفية الاعتماد على الآخر دون خلق صراع.وكانت المصادفة لا تزال غير محبّذة في استخدامها درامياً، إلا إذا جاءت في وجهة الحبكة الأولى، أما أن يُلجأ إليها كحل درامي للعقد في وجهة الحبكة الثانية، فهو أمر غير مقنع، ففي الوقت الذي يجب أن تكون فيه المصادفة درامية واقعية وقريبة من عقل الجمهور يجب أن تحترمه أيضاً. ومن هنا، فالأحداث التي مرت بها الشخصيات جاءت في نفس اليوم وربما في نفس اللحظة، وكأن الإحساس مدروسٌ مسبقاً، فهاهو الابن يتعرض لمطاردة الشرطة ويُداع في السجن وكذلك الأم التي تتعرض لمحاولة سرقة من لص يأخذها لداره ويمارس الجنس معها وأب يتعرض لحادث سيارة وابن يلتحق بالجيش الأمريكي ويعترف بعد عودته بأنه قاتل، هذه الأحداث كلّها جاءت في لحظة درامية وتم حلّها وفك عقدها مع بعضها البعض في نهاية الفيلم. لذا، يمكننا القول إن مسار القصة كان متدرجاً مستقيماً ثم متدرجاً متعرجاً وهذه الحالة الدرامية المتموجة من البداية إلى النهاية، كان عدم اللجوء إلى إقحام الأحداث عنوة أسهل بكثير، السمة الأبرز فيها.وصحيح أن بعض المخرجين يعتقدون بضرورة جعل الكادر متحركاً، لكن هذا الإجراء يتعلق بالعمل، فالحالة النفسية للشخصيات هي التي تحدد ذلك، والكادرات جاءت في أغلبها حالمة متأملة ربما لتغوص في الأجواء النفسية وتقترب بالتالي من الواقعية وتخلق ذلك التفاعل الذي لا يغدو متعلقاً بكونه متحركاً فقط، فالسكون في حالاته القصوى أبلغ من الحركة. إن الجدلية بين السكون المرئي والحركة الداخلية تطابقت بشكل نسبي في أغلبية المشاهد لتوصل المشاهد إلى مقولات عديدة يمكن استخلاصها تتعلق بأن البلد مهما قسا على أبنائه فهو بلدهم، وجاء ذلك عبر أنشودة طوكيو بكافة حالاتها الوطنية. أُنتج فيلم (أنشودة طوكيو) عام 2008 بمدة (119) دقيقة، وهو من سيناريو ماكس مانيكس وساشيكو كاناكا، وإخراج كيوشي كوروساوا، هذا المخرج أخرج أفلاماً عديدة نال عليها جوائز عالمية مثل (الشفاء ) و(درب الأفعى) و(عين العنكبوت ) وغيرها، وتمثيل تيرو بوكي كاغاوا، وكيوكو كويزومي، ويوكو ياناغي، وكاي اينواكي.*صحافي وكاتب سوري[email protected]