تونس- “القدس العربي”:
أثارت “حملات مناشدة” إلكترونية تدعو الرئيس قيس سعيد للترشح لولاية ثالثة، جدلا واسعا في تونس، في وقت طالبت فيه المعارضة بالإسراع في تشكيل المحكمة الدستورية تجنبا لأي فراغ دستوري قد يحدث في البلاد.
وخلال الأيام الأخيرة، أطلقت صفحات موالية للرئيس سعيد حملات مناشدة تدعو لترشحه لفترة رئاسية ثالثة (حيث يتولى منصب رئيس الجمهورية منذ 2019)، فضلا عن دعوات لتنظيم مسيرة مساندة لسعيد في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة.
وأثار هذه الدعوات موجة من الجدل داخل الطبقة السياسية، حيث حذر حزب التيار الديموقراطي في تونس مما سماه “تصاعد نوايا تأبيد الرئاسة”، مشيرا إلى “حملات مناشدة” على مواقع التواصل تدعو الرئيس قيس سعيد للترشح لفترة رئاسية ثالثة، وهو ما يتعارض مع دستوري 2014 و2022.
كما استنكر ما اعتبره “نيّة مفضوحة لعدم تشكيل المحكمة الدستورية من قبل رأس السلطة ومجلس نواب الشعب، رغم سهولة تشكيلها وفق الدستور الذي خطّه سعيّد بنفسه”، محذرا من “دخول البلاد في المجهول في حالة الشغور الدائم في منصب رئيس الجمهورية”.
وقال هشام العجبوني القيادي في الحزب لـ”القدس العربي”: “حذرنا في البيان الأخير من مسألة العهدة الثالثة التي يريد أنصار رئيس الدولة فرضها على التونسيين، عبر حملات مناشدة افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي. رغم دستور الثورة الذي تمت المصادقة عليه في المجلس التأسيسي يوم 27 جانفي 2014 بأغلبية ساحقة والذي أقسم قيس سعيد على احترامه ثم انقلب عليه، يتحدث عن عهدتين انطلقت الأولى في 2019 والثانية في 2024، والانتخابات الرئاسية التي تم تنظيمهم في سنة 2024 احترمت رزنامة ودورية دستور 2014”.
وأضاف: “كما أن دستور 2022، الذي كتبه سعيد على مقاسه، كرّس مسألة العهدتين. وبالتالي، نعتبر أن عهدة 2024-2029 هي الأخيرة لقيس سعيّد، وأي محاولة للمرور بقوّة نحو عهدة ثالثة هي مرفوضة قانونيا وسياسيا وأخلاقيا”.
وفيما يتعلق بسحب المبادرة التشريعية لبعض النواب المتعلّقة بإرساء المحكمة الدستورية، قال العجبوني: “المبادرة أحرجت رئيس الجمهورية، وانطلقت على الفضاء الافتراضي حملة ضغط وتخوين طالت النواب الموقعين على المبادرة، ما أدّى إلى سحب 5 نواب لإمضاءاتهم وبالتالي إسقاطها في المهد”.
واعتبر أن تضمين المبادرة فصل متعلّق بإجراءات سحب الثقة من رئيس الجمهورية “لا معنى له لأنّ دستور 2022 لا يتضمّن أي إمكانية لذلك، إذ قام سعيد بتحصين نفسه من أي مسائلة ومحاسبة وسحب ثقة، خلافا لدستور 2014”.
كما أشار إلى أن سعيد “يرفض تشكيل المحكمة الدستورية، رغم أن طريقة تشكيلها أصبحت أسهل بكثير من الطريقة المعتمدة في دستور 2014، إذ أن تعيين أعضائها التسعة يتم بصفاتهم كأقدم قضاة القضاء الجالس والإداري والمالي. فهو يريد مواصلة احتكار تأويل الدستور الذي صاغه بنفسه، ويرفض وجود أي سلطة مضادة لسلطاته الواسعة. علما أنه لطالما انتقد سابقيه بتعطيل إرساء المحكمة الدستورية، وهو الآن يفعل نفس الشيء (في قوانين المالية لسنتي 2024 و2025 لم يتم تخصيص ميزانية للمحكمة الدستورية)”.
وتابع العجبوني: “ثمة مسألة هامة جدا وهي أن دستور 2022 يقتضي أن يترأس رئيس المحكمة الدستورية رئاسة الجمهورية إلى حين تنظيم انتخابات سابقة لأوانها، وذلك في حالة الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية. وبالتالي، من المسؤولية إرساء محكمة دستورية في أقرب الآجال حتى لا يحدث فراغ في السلطة في هذه الحالة”.
ودون المرشح الرئاسي السابق سامي الجلولي: “سنة 2029 يكون الرئيس قيس سعيد قد استوفى عهدته الثانية وفق الدستور. حذارِ من “المناشدة” التي أعتبرها فسادا سياسيا وتبلّدا فكريا مهما كانت الجهة أو الشخص المناشد له. كل مسؤول تشفع له أعماله. فقط لا غير”.
وأضاف: “عدم احترام الدستور سيجعل منه وسيلة ضعيفة، تفتقد للمكانة وللهيبة لدى الأجيال القادمة. الدساتير في حاجة إلى الاستقرار حتى تضمن استقرار المؤسسات وإذا ما كانت متغيرة فلن يكون بإمكاننا بسط الاستقرار وطمأنة الناس والمؤسسات على حقوقهم وواجباتهم”.
وتابع الجلولي بقوله: “طيلة دراستي للقانون الدستوري عند الأستاذ قيس سعيد نفسه في كلية الحقوق بسوسة كان يشدد على علوية واحترام الدساتير وكثيرا ما كان يحيلنا إلى مقارنات وقع فيها خرق الدساتير في عديد الأنظمة. الخرق الذي أدى إلى تركيز الاستبداد”.
وكتب النائب السابق لزهر الضيفي: “رئيس الجمهورية وقع انتخابه سنة 2019 وفق دستور 2014 وفي منتصف عهدته سنة 2022 ألغى هذا الدستور وأقر دستورا جديدا دون أن ينهي عهدته عند صدور الدستور، ولم يدعُ الى انتخابات جديدة، وبالتالي واصل عهدته إلى نهايتها سنة 2024، وترشح من جديد بمفعول دستور 2022، وبالتالي هي ثانية جديدة ولا يمكن أن يترشح لعهدة ثالثة وفق دستور 2014 ووفق دستور 2022”.
وأضاف: “والمنطق يقول إنه في تواصل مضمون الفصل المتعلق بتحديد عهدتين فقط لكل رئيس يقع انتخابه وذلك في كل من دستور سابق ودستور لاحق يبقي عليه، وليس بمجرد تغيير الدستور تحسب العهدة من جديد وتغيب ما سبقتها دون أن تنظم انتخابات جديدة إبان صدور الدستور الجديد”.
وكان المرشح الرئاسي السابق زهير المغزاوي دعا في وقت سابق الرئيس قيس سعيد إلى تشكيل المحكمة الدستورية و”حسم الجدل نهائياً بخصوص قضية الترشح في الانتخابات المقبلة واحترام المعايير الديمقراطية الدستورية بالإشراف على مقاليد رئاسة الدولة لدورتين متتاليتين فقط، وقطع الطريق مبكراً على المناشدات والتلاعب بالدساتير”.