دبي- ‘القدس العربي’ – من محمد منصور: تنطلق فعاليات معرض (آرت دبي) خلال الفترة الممتدة بين 18-22 مارس 2014، في ‘مدينة جميرا’، تشكّل ‘هيئة دبي للثقافة والفنون’ الشريك الإستراتيجي والداعم الأساسي لمشاريعه التعليمية على مدار العام…
لكنه يُقام بالشراكة مع ‘مجموعة أبراج’ وبرعاية من ‘إعمار’ و’كارتييه’؛ ولهذا يبدو نموذجاُ لهذه الشراكة الباذخة بين الفني والتجاري… فعلى مدار السنوات الثمان الماضية، أصبح ‘آرت دبي’، المعرض الفني الدولي الرائد في منطقتي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ةوغدا كما يقول منظموه ‘ركناً أساسياً لمشهد الفنون المعاصرة المتنامي باطّراد في المنطقة، وحاضناً بارزاً لتوليفة متنوعة من أهم صالات العرض العالمية’.
برامج غير ربحية!
مديرة (آرت دبي) السيدة أنطونيا كارفر التي شغلت سابقاً منصب مديرة مشاريع بدون، وعملت مستشارة لمهرجان ‘أدنبرة السينمائي الدولي’، بالإضافة إلى إعداد برامج السينما العربية لعدد من المهرجانات والأحداث العالمية… قالت ل’القدس العربي’ حول مدى تطويع الهدف التجاري للمعرض مع خدمة العمل الفني والثقافي عموماً:
‘يعتبر ‘آرت دبي’ معرضا فنّيا تجاريا، وكذلك تهدف صالات العرض المشاركة إلى بيع الأعمال الفنيّة التي تقدّمها، والتي تؤدي بدورها إلى دعم الفنانين على الصعيدين المهني والمعيشي، ولكننا ننظّم في الوقت نفسه أضخم برنامج غير ربحي يُدار من قِبل معرض في جميع أنحاء العالم والمشتمل على إقامات الفنانين، مشاريع الفنانين المكلّفة، برنامج ‘الشيخة منال للرسامين الصغار’، وبرنامج ‘سينما’، وبرنامج ‘راديو’ الذي يتخذ شكل محطة إذاعية تبثّ بشكل حيّ خلال فترة المعرض. كما أننا نواظب على دعم الفنانين، والكتّاب، والقيّمين على مدار العام من خلال ‘كامبُس آرت دبي’؛ مدرستنا التي تضم برنامجين متزامنين: برنامج ‘النواة’ الذي ينعقد مرتين في الشهر خلال أيام عطل نهاية الأسيوع، وبرنامج ‘العضويّة’ الذي يستقبل حوالي الـ 300 عضو منتسب، إضافةً إلى المحاضرات العامّة وورش العمل الشهريّة.إنّ هذا أمر استثنائيّ لمعرض فني، ولكننا نشعر بأهمية الدور الذي علينا أن نلعبه في دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج والعالم العربي، معتمدين على مجتمع غنيّ ومتنوع من الفنانين، والقيّمين، والمهنيين المنتمين للمعرض، وذلك بهدف استثمار الجيل القادم من الفنانين الناشئين في هذه المنطقة، وإثراء المشهد الفنيّ بشكل عام ‘.
مفهوم يصعب تحديده!
تسلمت أنطونيا كارفر إدارة هذا المعرض الفني الضخم قبل أربعة عوام، وعلاقتها التنظيمية به تعود إلى أربع دورات سابقة، إلا أن المعرض لعب منذ تأسيسه عام 2007 دوراً ريادياً في الدفع بعجلة التطور الفني في الإمارات والمنطقة عموماً، كما يقول منظموه، لتذخر دبي الآن بأكثر من 40 صالة عرض فنية تقيم معارض على مدار العام ولنشهد إطلاق العديد من المبادرات الثقافية التي من شأنها النهوض بمجتمع الفن المحلي ليحتل مكانةً مرموقة على الأصعدة الدولية… هذه الآمال العريضة التي يحملها المعرض حول النهوض بمجتمع الفن المحلي إلى العالمية، دفعتنا للحديث مع السيدة أنطونيا حول هذه النقطة… فإلى أي حد يمكن اعتبار أن النشاطات الثقافية والفنية في دبي ذات بعد وتأثير اجتماعي حقيقي وأصيل، ام أنها محاكاة للطفرة الاقتصادية فقط؟!
توقفت السيدة أنطونيا عند تعبير (أصيل) في سؤالنا قائلة:
‘ما هو تعريفنا للشيء ‘الأصيل’؟ من الصعب جدا تحديده، على الأخص في مجمع مثل دبي التي تقطنها 200 جنسية ‘.
عوضاً عن ذلك اقترحت أنطونيا الحديث عن ضرورة التنمية الثقافية في مدينة كوزوموبوليتانية ناهضة بقوة، مبدية إعجابها بالتجربة الإماراتية صراحة:
‘أؤمن تماماً بصحّة التنمية الثقافية التي حققتها دولة الإمارات العربية المتحدة على مدى السنوات الـ 20 الماضية على صعيد البلاد والمدن الداخلية. وفي دبي بشكل خاص، كان النمو في الساحة الفنية من القاعدة باتجاه القمّة – مدفوعاً من قبل أفراد من جنسيات مختلفة (الإماراتية، واللبنانية، والمصرية، والفلسطينية، والإيرانية، والهندية، والأوروبية …) ممن تملكتهم الثقة في المدينة لجهة مجتمعها وروحها الرياديّة كذلك. بالتأكيد، حدثت طفرة مالية، وخاصة في منتصف وحتى أواخر الألفية الثانية، ولكنها تزامنت في الوقت نفسه مع النمو الطبيعيّ للثقافة المجتمعية بمكونيها من المواطنين والمقيمين على المدى الطويل. فقد ترافقت ‘الفعاليات المجتمعيّة’ مع المحاضرات، وعروض الأداء، والجلسات النقاشيّة من النادر ألا تجد هذه الفعاليات تشغل حيّزاً على مدار السنة’.
صور تتحرك وإذاعة تبث!
أقسام (آرت دبي) تعطي فكرة عن هذه التظاهرة السنوية الضخمة… فقسم ‘كونتيمبوراري’ تتسع قائمة المشاركين الطويلة فيه لأبرز الصالات الفاعلة عالمياً بالإضافة لأكثر الفضاءات الفنّية شباباً وحيوية. وبرنامج ‘ماركر’ وهو برنامج تقييمي يتناول كل عام مواضيع محددة تطرحها فضاءات فنية ناشئة، ويركز هذا العام على منطقتي آسيا الوسطى والقوقاز. وبرنامج ‘مشاريع آرت دبي’ غير الربحي الذي يقوم بتكليف مجموعة من الفنانين الشباب والمخضرمين لاستكشاف بنية ونسيج المعرض الفني وبيئته الحاضنة في دولة الإمارات العربية المتحدة. و’جائزة مجموعة أبراج للفنون’ وهي الوحيدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا التي تمنح جوائز للفنانين بناءً على مقترحات المشاريع المرفوعة للجنة الاختيارات. و’منتدى الفن العالمي’ الذي تعقد دورته الثامنة هذات العامن تحت عنوان ‘بينما… التاريخ’ مقترحاً جدولاً زمنياً مجهريّاً للحظات محورية في التاريخ الإنساني (العقود، السنوات، الأيام، الدقائق، أو الثواني)، حملت أهمية خاصة لما أحدثته من تحولات عميقة في فهم العالم. وبرنامج ‘آرت دبي’ التقييمي والتعليمي: الذي يضم ‘راديو فلغوش’: وهو عبارة عن محطة إذاعية مؤقتة تعنى بالفنون وتغطي على مدار أسبوع فعاليات ‘آرت دبي’ عبر بث حيّ ومتواصل على شبكة الإنترنت. وبرنامج ‘صور تتحرك’ الذي أطلق بالتعاون بين كل من ‘آرت دبي’ و’مهرجان دبي السينمائي الدولي’ و’مؤسسة الشارقة للفنون’ فضلا عن ‘برنامج الشيخة منال للرسامين الصغار’: والذي يخصص للأطفال ورش عمل، وجولات استكشافية في قاعات المعرض ويخاطب الشريحة العمرية بين 3-14 سنة.
هل هناك شيء مشترك بين الفنانين العرب حقا؟!
قسم ‘مودرن’ الذي استحدثه ‘آرت دبي’ لدورة العام 2014، هو أبرز جديد هذه التظاهرة هذا العام، ويُكرّس بشكل كامل للفن الحديث في القرن العشرين من العالم العربي والشرق الأوسط وجنوب آسيا. متضمناً تقديم معارض فردية وثنائية لروّاد الحداثة الذين كان لمجمل إنتاجهم الوقع الأكبر على المشهد الفني لتلك الحقبة والأجيال اللاحقة، ومنهم: اللبناني ميشال بصبوص، والبحرينيان: ناصر اليوسف وراشد آل خليفة، والإيراني أردشير محصص (طهران، نيويورك)، وسيد صادقين، مقبل فدا حسين (نيويورك، لندن)، رشيد أرائين ‘غروفنر غاليري’ (لندن)، نبيل نحاس ‘لوري شبيبي’ (دبي). تمّ تطوير محتوى هذا القسم في نسخته الأولى بالتعاون مع لجنة اختيارات فنية ضمت عدداً من أبرز المؤرخين والقيّمين الفنيين.
وهنا نسأل أنطونيا كارفر في ضوء الاحتفاء تجارب رواد الحداثة في هذا القسم، عما يميز الفن التشكيلي العربي المعاصر… وما أكثر ما يلفتها فيه؟!
فتقول معترفة بصعوبة الإجابة رغم السنوات الأربعة الماضية التي قضتها في تنظيم هذا المعرض والإطلاع على أعمال الفنانين العرب ونظرائهم في أماكن شتى من العالم:
‘إنه سؤالٌ تصعب الإجابة عليه… فمن الواضح أن هناك اختلافات كبيرة بين الفنان في الرباط، بغداد، رام الله، صنعاء أو الشارقة!’.
هل هناك من خصائص توحّد الفنانين وأعمالهم عبر هذه المنطقة المتنوعة والواسعة؟ نجد الفنانين يعملون في وسائل الإعلام المختلفة، باستخدام جميع الأساليب والمؤثرات المتاحة، إن تنوعاً كهذا علينا أن نحتفي به. وأعتقد أيضا بأن الفنانين المقيمين في العالم العربي ميّالون إلى امتلاك العزيمة والثبات، وكثيراً ما تجسد أعمالهم الموضوعات التي تعتبر حيويّة في حياتنا جميعاً، فهي تمتلك القدرة على جعل الفن في قلب الحياة والمجتمع. بطبيعة الحال، هناك بعض الفنانين المعروفين جدا أو البعض ممن يتمتعون بشهرة عالمية واسعة، والذين يتواجدون معنا في معرض ‘آرت دبي’ أمثال: منى حاطوم، أحمد السوداني، حسن شريف، سامية حلبي، وائل شوقي، وليد رعد، هافي كهرمان ، بشرى خليلي – ولكن المثير للاهتمام بشكل أكبر هو تواجد فنّاني الجيل الصاعد. وإن ألقينا نظرة على المشاركين في برنامج ‘مشاريع آرت دبي’ على سبيل المثال سنرى أنه يقدّم المواهب العظيمة الصاعدة من جميع أنحاء العالم العربي’.
الأرقام تتحدى!
وفي هذا السياق تقول إحصائيات خاصة حصلت عليها القدس العربي بأن ثلث صالات العرض والفنانين الممثلين في آرت دبي هم من العالم العربي والشرق الأوسط، وثلث الصالات الفنية من الشرق الأوسط… وفي ظل الانقسام السياسي الحاصل إزاء قضايا الحرية والثورة على أنظمة الاستبداد في دول الربيع العربي، فإن (آرت دبي) يبدو بعيداً عن أي تصنيفات سياسية بالنسبة للفنانين العرب المشاركين… الذين لجأ الكثير منهم بدوره- لتصنع الحياد واللجوء إلى المناطق الرمادية ولهذا لا يواجه آرت دبي أي مشكلات من هذا النوع، لكن للعمل في هذه التظاهرة يخلق أعباء أخرى تلخصها لنا مديرة الآرت أنطونيا كارفر، ممزوجة بلغة الأرقام وتعب الإنجازات:
‘بدأت عملي في هذا المنصب في صيف 2010. هناك الكثير من التحديات، التي تتمثل في معظمها بحجم البرنامج الذي نديره. فنحن نعمل هذا العام مع 85 صالة العرض، وعلى تكليف أعمال لـ 12 فنان ومجموعات فنانين بهدف إنتاج أعمال عامة رئيسية وجديدة من نوعها، كما أننا نشتغل على تنسيق وتقييم أكثر من 40 متحدثا في ‘منتدى الفن العالمي’. ويتمثل هدفنا باجتذاب عدد أكبر من الزوار الذين شاركونا في نسخة المعرض للعام 2013، والتي وصلت إلى أكثر من (25) ألف زائر في هذا الوقت من السنة، على الرغم من كونها مهمة مرهقة للغاية بالنسبة لفريق العمل ككل، لكن الجميع متحمس للمعرض ولتحقيق أهدافه المرجوّة، آملين أن تبدو هذه الروح متجسدةً من خلال برنامج المعرض’.
وفي كل الأحوال يبقى (آرت دبي) تجربة فنية وتسويقية لتأصيل الاهتمام بالفن التشكيلي في بيئة عربية وأجنبية مختلطة، لا تملك الاهتمام نفسه بعالم الفن واللون والتشكيلا… لكن ما يجمعها أنها تعيش على الأرضية المشتركة ذاتها، التي تمثلها إمارة دبي، الساعية بإصرار لاجتذاب الأضواء فنياً وثقافياً، في إطار تنافسي واستعراضي يضع عينه على العالمية، معتمداً معايير الضخامة والتنوع وخطط التنمية المتكئة على رعاية إعلانية، من أجل ترسيخ حضور مهرجان فني نوعي كهذا… في زمن عربي مثقل بأحزان الثورات وهجرة المبدعين، والبحث عن حاضن لأي مشروع فني أصيل.