أنطونيو غالا: الثقافة العربية في إسبانيا كانت من أغنى الثقافات الإنسانيّة تنوّعا وإشعاعا الأندلس.. منارة علم وحضارة وعرفان غرناطة- من محمّد محمّد الخطّابي: الكاتب الإسباني المعروف’ أنطونيوغالا’، الذي كان ضمن الكتّاب الأسبان المرشّحين للحصول على جائزة’ أمير أستورياس في الآداب الإسبانية’ للعام الحالي 2012، ولكنّه لم يحظ بهذا التكريم المستحقّ الذي منحته لجنة التحكيم للكاتب الأمريكي اليهودي فيليب روث (أنظر مادة ‘القدس العربي’ عدد 7152 بتاريخ 13حزيران (يونيو) 2012 في هذا الصدد). هذا الكاتب أعاد توضيح الحقائق التاريخية حول مدى تأثير الحضارة واللغة العربية في الحضارة والنفسية الاسبانية، وقال في العديد من المناسبات، وما زال يقول إنه بدون الثقافة العربية والإسلامية لا يمكن فهم إسبانيا.
و’أنطونيو غالا’ كثيرا ما يتعرّض في أحاديثه ومداخلاته، بل وفي كتبه ومؤلفاته شعرا ونثرا الى الوجود العربي والاسلامي في اسبانيا، والإشعاع الحضاري للمسلمين الذي عرفته الأندلس أيامهم. إنّه يقول: ‘إذا سئلت ما هي الأندلس.. ؟ لقلت إنها عصيرغازي يساعد على هضم كل ما يُعطى لها حتى لو كان حجرا، فقد مرّت من هنا مختلف الثقافات بكل معارفها وعلومها، إلا أنّ الثقافة العربية والإسلامية في إسبانيا كانت من أغنى الثقافات الإنسانية ثراء وتنوّعا، وتألقا وإشعاعا التي عرفتها شبه الجزيرة الإيبيرية على امتداد الأندلس بالتالي، هي بحق منارة علم وحضارة وعرفان قلّ نظيرها في التاريخ، تاريخها الطويل، وكانت الاسبانية لغتين: لاتينية وعربية. بعد الملوك الكاثوليك جاءت محاكم التفتيش الفظيعة في أعقاب ما سمّي بـ: ‘حروب الإسترداد’ التي كانت في الواقع حروبا للاستعباد والاستبداد والتي تركت جروحا عميقة في الجسم الاسباني (وهذه الجروح لم تلتئم حتى اليوم) فإسبانيا ظلت هي ذَنَب أوروبا غير المسلوخ، هي أوروبا كذلك ولكن بطريقة أخرى، فهناك جبال البرانس التي توصد الأبواب بيننا وبين العالم الأوروبي، وهناك البحرالأبيض المتوسّط من الأسفل، فإسبانيا وكأنها تشكل قدرا جغرافيا، وهي ممرّ أوروبا نحو افريقيا. ولإسبانيا اليوم سفاراتان كبيرتان ينبغي لها أن توليهما أهمية خاصّة، وهما العالم العربي الاسلامي، والعالم الأمريكي، فقد أورثها التاريخ هذه المهمّة الصعبة، وهي (أيّ إسبانيا) إذا لم تضطلع بهذا الدور فإنما تخون نفسها وتخون شعبها والتاريخ. ويشير’ غالا’ أن اللغة بالنسبة له، أساسيّة بل إنها هوسه وقدره، وهو يعمل محاطا بالعديد من القواميس، فاللغة الاسبانية في نظره، لغتان أو فرعان إثنان، فرع ينحدر من اللغة اللاتينية، وفرع آخر ينحدر من اللغة العربية لدرجة تبعث القشعريرة في الجسم. أجمل المعاني والأشياءويشير غالا: ‘أنه خلال قراءاته المتنوّعة العديدة، أو عند كتابته لأيّ مؤلف جديد حول الحضارة العربية، فإنه يكتشف كل يوم حقائق مثيرة تدعو للتفكير والتأمّل والإعجاب حقا.
فأجمل المعاني والأشياء في إسبانيا جاءت من الحضارة العربية الإسلامية، بل انّ أجمل المهن وأغربها وأدقها وأروعها، وكذلك ميادين تنظيم الادارة، والجيوش، والفلاحة، والملاحة، والطبّ، والاقتصاد، والعمارة، والبستنة وتصنيف الألوان، والأحجار الكريمة، والمهن المتواضعة، كل هذه الاشياء التي نفخر بها نحن اليوم في اسبانيا، تأتي وتنحدر من اللغة العربية وحضارتها، وهذا لم يحدث من باب الصدفة أو الاعتباط، فالعرب أقاموا في هذه الديار زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لإخراجهم، وطردهم من شبه الجزيرة الإيبيرية، فكيف يمكن للمرء أن يحارب نفسه؟
ذلك أن الإسلام كان قد تغلغل في روح كل إسباني، فبدون إسلام لا يمكن فهم إسبانيا، ولا كل ما هو إسباني بل لا يمكننا أن نفهم حتى اللغة الاسبانية ذاتها’. ويضيف’ أنطونيو غالا’ أن هذه الحقيقة تصدم البعض، إلا أنّهم اذا أعملوا النظر، وتأمّلوا جيّدا ومليّا في هذا الشأن فلا بد ّ أنهم سيقبلون بهذه الحقيقة بدون ريب، فالبراهين قائمة والحجج دامغة في هذا القبيل. حضارة بهرت العالمويقول’ غالا ‘إن الذي حدث في إسبانيا ليس اكتشافا أو استعمارا مثلما هو عليه الشأن في أمريكا، فالذي حدث هنا كان فتحا ثقافيا جليّا، إانه شيء يشبه المعجزة التي تبعث على الإعجاب والانبهار اللذين يغشيان المرء بعد كل معجزة، فقد وصل العرب إلى إسبانيا وهم يحملون معهم ذلك العطر الشرقي العبق الفوّاح الذي كانت الأندلس تعرفه من قبل عن طريق الفينيقيين والإغريق، وصل العرب بذلك العطر الشرقي والبيزنطي، ووجدوا في الأندلس ذلك العطر الروماني حيث نتج فيما بعد أو تفتّق وانبثق عطر أو سحر جديد من جرّاء الاختلاط والتجانس والتنوّع والتمازج الذى بهر العالم المعروف في ذلك الحين.
لم يدخل العرب شبه الجزيرة الإيبيرية بواسطة الحصان وحسب، بل إنّهم دخلوها فاتحين مكتشفين ناشرين لأضواء المعرفة وشعاع العلم والأدب والشعر والحكمة والعرفان، فقد كان كشفا أو اكتشافا ثقافيا خالصا. و يضيف’ غالا’: ‘هنا يكمن الفرق بين الذي ينبغي لنا أن نضعه في الحسبان للإجابة عن ذلك التساؤل الدائم: لماذا لم تلتئم القروح ولم تندمل الجروح بعد في أمريكا اللاتينية حتى اليوم؟’. ويتعجّب ‘أنطونيو غالا’ من إسبانيا اليوم ‘التي تقف في وجه كل ما هو أجنبي وتنبذه وتصدّه فالشعب الاسباني تجري في عروقه مختلف الدماء والسلالات، والأجناس والأعراق، ومع ذلك ما زالت إسبانيا تظهراليوم بمظهرالعنصرية وتدّعي أنها براء من أيّ دم أجنبي’. ويشير ‘غالا ‘بسخرية مبطّنة لاذعة الى:’ أنّ أيّ اسباني من مملكة قشتالة لم يكن في مقدوره أن يقوم بأيّ أعمال يدوية بارعة، كما لم يكن في إمكانه زراعة الأرض المترامية الأطراف أمامه بحنكة ومهارة، وهذا هو السبب الذي أدّى أو أفضى الى إكتشاف أمريكا، أو ما سمّي فيما بعد بالعالم الجديد. فجميع هؤلاء الذين لم يكونوا يحبّون القيام بأيّ عمل كان عليهم أن يذهبوا وينتشروا في الأرض مكتشفين، وكان الإسبانيّون شعبا محاربا، فهم يتدرّبون منذ ثمانمائة سنة، وكانوا باستمرار ينتظرون ويتحيّنون الفرصة المواتية للإنقضاض على الغنائم بعد هذه الحروب الطويلة الضروس، ومن هنا ذهبوا بحثا عن أرض بكر تعجّ بالغنى والثراء والثروات، وكانت هذه الأرض هي أمريكا.
ويعتبر ‘أنطونيوغالا’: ‘أنّ الكاثوليكية في إسبانيا وفي البلدان التي ‘غزتها’ إتّسمت بالعنف والجبروت، والقهر والغلظة، ولم تعتبر الشعوب الاسبانية شعوبا مسيحية بالمعنى الصحيح للكلمة، وقد نزعت عنها كل صفة للرّحمة والرّأفة والشفقة، وهكذا أصبحت الكاثوليكية اليوم في هذا الصّقع من العالم أبعد ما تكون عن رسالة السّيد المسيح’. ترى ألا يستحقّ ‘أنطونيو غالا’ بعد كل هذا عن جدارة الجائزة الأدبية الإسبانية المرموقة إيّاها.. ؟