أنظمة ثاني أكسيد الكربون

حجم الخط
0

أنظمة ثاني أكسيد الكربون

مريد البرغوثيأنظمة ثاني أكسيد الكربونإنها لحظة الحقيقة. والحقيقة هي أن نوع السلام الذي اختاره النظام العربي الرسمي مع إسرائيل هو وليد لحظة تاريخية منحطة لا تنتج إلا كل ما هو مزيَّف كالنظام الرسمي العربي ذاته. إنه نوع من السلام الغبيّ، الجاهل بالعواقب. القضايا الجوهرية العالقة ظلت عالقة ومؤجلة تنتظر الانفجار بدل الانفراج . ومنذ زيارة الرئيس السادات للقدس لم تتوقف التنازلات ولم تتوقف الانفجارات ولم يتوقف القتل.ما نشهده اليوم ليس قضية جنود أسروا هنا وهناك كما تصورها أنظمة الرغوة وسياسيوها المصنوعون من ثاني أكسيد الكربون، بل هي انفجار عملية السلام كلها وبكل مراحلها علي رؤوس سماسرتها السعداء ذوي الشعر المصبوغ والإرادة الكالحة. قبل ما يقرب من ثلاثين سنة تنازَلَ القائد المصري تنازلاً كهربائياً صادماً وبعده تنازَلَ القائد الفلسطيني تنازلاً متدحرجاً مهيناً حتي تلبية كل شروط العدو وبعده تنازل القائد الأردني تنازلاً تلقائياً مستخدماً التنازلين السابقين كمبرر أخلاقي يعفيه من اللوم ومعهم وبعدهم تنازل القادة الآخرون تباعاً تنازلات معتمة كثيرة الأسرار رطبةَ الخبايا تاركين اللاجئ لاجئاً والأسير أسيراً والمستوطنة مستوطنة والاحتلال احتلالاً وتصاعدت جرائمهم المحلية ضد أهلهم وظلت القضايا الجوهرية عالقة ومؤجلة: السيادة المنقوصة، الاستقلال المثقوب، الحدود المجهَّلة المنتهكة بالتصاريح والخوذات، الطرق المقطَّعة الأوصال، اللاجئون وحق العودة، القدس، المستوطنات، الأسري، تعويضات الضحايا والقائمة تطول. أنظمة اقتادها العدو واحداً واحداً وخطوة خطوة نحو أحضانه ومصالحه ولكنها ذهبت إلي الهاوية معاً وكَوْمةً واحدة. أنظمة الرغوة هذه لا تريد للسيد حسن نصر الله أن يذكّرها بشيء، ولا أن يرفع في وجهها مرآةً توضح قبح ما أخذت وقبح ما تركت. بكبسة زر واحدة صاحوا سوياً: إنها مغامرة ، أنا أصدق ما قالوا لا لأنهم علي حق بل لأنهم يريدونها بالفعل أن تكون مغامرة، ولأنهم بالفعل يريدون للسيد أن يفشل، ما اريد أن اقوله إن هذه الأنظمة لا تخشي فشل السيد بل تخشي نجاحه. ليذهبوا إلي الجحيم. أنا الفلسطيني الذي يأخذ الحياة والعقل والشعر مأخذ الجد أقول إني بحاجة إلي لحظة كلحظة السيد حسن نصر الله التي نعيشها اليوم. أنا بحاجة لوقفته في مواجهة العدو، ولا يضيره أن السياسيين السعداء وضعوا خصالهم في مواجهته. السيد علي حق في الحالتين: إن كانت لحظته هذه صواباً سياسياً فهي لحظة بطولة، وإن كانت مغامرة وخيالاً فهي بالتأكيد، ورغم تكاليف باهظة قد تطاق وقد لا تطاق، ستنجب لحظة أخري في المستقبل، وستشكل سابقة أمام الاجيال التي يتشكل وعيها الآن، سابقة تقول لهم إن كان التذلل للعدو والشعور بالهوان أمامه جزءاً من موازين القوي فإن الشعور بالكرامة جزء من موازين القوي أيضاً. تذكروا فقط أن عملية السلام أدت إلي قتلنا اليومي في عشرات المجازر وأدت إلي جر آلاف الأسري والمعتقلين إلي زنازين العدو وزنازين الحكام، ودمرت من مدنـــــنا وقرانا، وسفكت من الدماء والدموع ما لا تسفكه الحرب ذاتها، وحــولت حكامنا إلي أباطرة مثيـــــــرين للسخرية إذ لم يعــــد يصـــدق شرعيــــــــتهم أحد إلا الأعداء فبطشــــــــــوا بمواطنيهم وحولوا الوطن إلي ما يشبه المزرعة والمواطن إلي ما يشبه العبد. السيد يقول اليوم لسنا عبيد مزارع . وسيقولها بعده الكثيرون. سيقولها بعده كل من يحبون الحياة وكل من يحبون الحرية. وكل من يحبون الشعر. اننا بحاجة للحظة السيد حسن نصر الله هذه كي لا نموت كمداً.كاتب من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية